هموم ثقافية

هواجس الحرية والقلق الوجودي في شعر الماغوط

الشعر كالحب، حاجة وجدانية جوانية بحت، تنبع من قلق وجودي عميق، بدوافع شخصية غامضة؛ لتسعى إلى أهداف غامضة، فحين يمدّ الشاعر يده الخفية إلى منابع السحر الغامض والقصي، تعود بالشعر العظيم متمردًا عظيمًا، يفتح شرفة من شرفات الحرية، ويغدو وعدًا من وعودها العظيمة، ولأن الشعر لغة انخطاف رشيق، يدوّم في التخوم الملتبسة بين الواقع والخيال، بين الصنعة والبداهة، ولأن الخيال المبدع ذو قدرة فائقة على توليف المتآلفات وتقريب المتباعدات والمتجاذبات، يولد الشعر في لحظة التوحد، بين ذات الشاعر والأشياء والأزمنة والأمكنة، في لحظة انتصاره على علاقاتها الواقعية واللا مرئية معًا، ليولد من جديد في معادلها اللغوي التجريدي، بل أبعد منها، بوصفه لحظة تكوين وانبجاس، أو ولادة في مدى الحرية القصوى، حيث الشعر العظيم يظلّ أبدًا منطويًا على فلسفة الحب والحرية!

من هنا؛ من ذاك التعالق الجدلي بين الحب والحرية، قدم الماغوط فجأة، فكأنما قذفته صحراء الصعاليك من أحشائها فارسًا مغبّرًا بزوبعة وارتجاج كبيرين، وبأصداء حملت إليه من الشهرة ما عزز في نفسه نوازع نرجسية، فلقد حمّله جيله ومحازبوه توق نفوسهم المقهورة إلى بطل حقيقي يتوجونه أو ينافسونه، إذ إنّ المنافسة من ضرورات المعركة الأدبية الحقيقية، كي تفرز أبطالًا حقيقيين، لكنّ بطولات بعضهم جاءت ملتبسة بكثير من الوهم والحلم، وظلت أعجز من أن تنتصر على ضروراتها أو تكسر قيودها، في مجتمع قيده انشداده المزمن إلى رتابة القافية وفتنة الجرس الموسيقي المنغّم، وحين حضرته السياسة، لم تحضره مشروعًا تغييريًا، بل نخوةً بدوية لصعلوك قادم من الصحراء، وسيلته الاستعراض والإبهار وإثارة الغبار والتنابز بالرايات الملونة.

ولكم يدهشنا هذا الريفي الجريء، إذ ينهض بحريته البدائية، موازيًا نزعة الحرية الليبرالية التي تمثلها نزار قباني، وأن يتلاقيا، لا في رفض الموروث الشعري، بعد أن استنفذ أغراضه وظلّ أسيرًا يرقص في أغلاله الرتيبة الجليلة فحسب، بل في رفض الاجتماعي التقليدي، ومتطلبات الخضوع للسياسي، من دون أن يلوي عنقهما النقد الأيديولوجي، ولا نزعة ما كان يسمى بالأدب الملتزم، التي سوقت كثيرًا من الشعر والشعراء تسويقًا زائفًا، وانتصرت لأحكام وأوهام الشعارات، على حساب القيم الجمالية التي تشكل أهم معايير الآداب والفنون عامة.

وفي ساحة التجربة الشعرية الجديدة، تميز محمد الماغوط عن زملائه في مجلة شعر، إذ ظلّ طفلًا شعثًا مشاغبًا، يكتب فوضاه، ويمارس حريته في أن يعبث بالأشياء، فينزع عنها رتابتها وسكونها وأناقتها، ويقطع أوصال لعَبه، ويمزق أرديتها ولا يشبع فضوله منها، بل تلازمه تحديًا دائمًا وتوقًا متجددًا إلى هتك أستارها وأسرارها، ثمّ ليتركها خلفه صريعة الفوضى، وعلى أطرافها عبق من حنينه ودموعه ولهفة نفسه وتوهجه.

يقول محمد الماغوط في “رسالة إلى قرية”:

“مع تغريد البلابل وزقزقة العصافير

أناشدك بالله يا أبي:

دع جمع الحطب والمعلومات عني

وتعال لملم حطامي من الشوارع

قبل أن تطمرني الريح

أو يبعثرني الكناسون

هذا القلم سيوردني حتفي

لم يترك سجنًا إلا وقادني إليه

ولا رصيفًا إلا ومرغني فيه

وأنا أتبعه كالمأخوذ

كالسائر في حلمه

…………..

في المساء يا أبي

مساء دمشق البارد والموحش كأعماق المحيطات

حيث هذا يبحث عن حانة

وذاك عن مأوى

أبحث أنا عن “كلمة”

عن حرف أضعه إزاء حرف

مثل قط عجوز

يثب من جدار إلى جدار في قرية مهدمة

ويموء بحثًا عن قطته… إن قلمي يشم رائحة الحبر

كما يشم الذكر رائحة الأنثى”

لم يفصح أحد عن نزواته كما أفصح الماغوط، ولا لازمه التعبير عن خذلانه أكثر منه، ولم يشعر أحد بالتلاشي والاحتراق أكثر مما شعر، وإن حدة شعوره بهذا الخذلان والتلاشي مبعثهما ضراوة الحلم بالحرية الذي تكسّر بسرعة فائقة، بعد أن ذاق الشاعر مرارة السجن مرتين، وعبر عنها مرات ومرات، كما في قصيدته “جناح الكآبة” التي تشكل إحدى حالات الإحباط الكثيرة التي ظلت تتردد أصداؤها في مخيلته وفي عمق وجدانه وأشعاره.

مخذول أنا لا أهل ولا حبيبه/ أتسكع كالضباب المتلاشي/ كمدينة تحترق في الليل/ والحنين يلسع منكبي الهزيلين/ كالرياح الجميلة، والغبار الأعمى/ فالطريق طويلة/ والغابة تبتعد كالرمح.

ولتجربة الحرية عند شاعرنا ملامح وجودية أخرى، تتكامل في صورة جنس وثني كوني، طرفاه الذكورة والأنوثة، وهما يتصادعان بالعلاقة الجسدية وبالرغبة، ليصلا إلى أفق الحرية الغامض والمطلق، يقول في قصيدة “الرعب والجنس”: المقطع الأول على لسان المرأة:

عندما أكون وحيدة/ ومستلقية على النهد الذي يحبه/ يأتي إلي/ زنخًا كالقصاب

وحيدًا كطائر عذب حتى الموت/ يعضني في فمي وشعري وأذني/ ويرفعني بين يديه عاليًا/ كي أرى دموعه من منابعها/ لأرى ملايين القطارات المسافرة/ تلهث بين حاجبيه الكثيفين/. عندما أكون وحيدة/ وشهوتي تتمايل كورق النخيل/ يأتي إليَّ / بحذائه الضيق/ ومعطفه المموّج كالبحر/

يمرر يده القذرة بين نهديَّ/ ثم يمضي ولا يعود.

ينطوي هذا المقطع دلاليًا على مستويين متلازمين، مستوى المرأة (الأنثى)، بوصفها مركزًا للثبات  والجاذبية ومآلًا للاستقرار، والرجل، بوصفه القلق والمغامرة والتحرك حول محوره، ينطلق منه ويعود إليه، ويتعالق -هنا- مستويان: مستوى ترابي أرضي، ينقل أحاسيس صريحة لأنثى تهجس بالجنس، ومفعمة بالوحشة والترقب واللهفة والتوهج، فهي (وحيدة- مستلقية على النهد)، يقابلها تواتر أفعال حركية حسية تجسد حضورًا ذكوريًا إلى المكان ذاته: (يأتي، يعض، يرفع، أرى، تلهث)، ثمّ تتصاعد هذه الجدلية بينهما، نحو حالة وجودية؛ حيث (منابع دموعه) و(القطارات المسافرة) وصولًا، إلى التماهى بين الجنس والكتابة- الشعر، ومنه عبورًا إلى فضاء الحرية المطلق، أيّ: إن الجسماني أو الأرضي (الترابي) المحدود بالمكان والزمن، لا يلبث أن يتحرر منهما، ليتماهى بالكوني غير المحدود زمنًا ومكانًا، مجسدًا فكرة فلسفية تعبر عن إيمان الشاعر بما يسميه معظم المتصوفين (وحدة الوجود الحسي والمعنوي)؛ إذ لا انفصال عنده بين الجنسي الواقعي واللهاث الكونيّ الأعلى، ويتماهى عنده كذلك وجع الكتابة (الرؤيا) بالمرأة؛ إذ إنّ الشعر والمرأة، كلاهما رغبة غامضة وشهوة جارحة، يقول:

وأضمه بين ذراعي. صغيرًا صغيرًا/ أكاد أشربه كالنبيذ/ ذلك الغريب الذي يصعد إلى صدري/ كأنني سفينة أو قطار. وعندما ينهمر المطر في الشوارع/ وتمتلئ الأزقة بالبؤس والأوحال/ ينهض عن صدري/ ويرفع كتفيه على شكل زورق.. ويمضي.

وتستوقفنا هنا صورة المرأة (السفينة أو القطار) وهي صورة تتكرر كثيرًا في شعره، وتحيلنا إلى قلق وجودي وتوق إلى ارتياد المجهول وهتك أسراره.

فكأنما يتفق الماغوط في رؤيته هذه مع قول بعض المتصوفة:” من أجل بلوغ اللا مرئي… لا بدّ من المرور بالجسد. وأكد على الجسد الأنثوي؛ لأنّ العالم الذي لا يؤنث لا يعول عليه.

مقالات ذات صلة

إغلاق