تحقيقات وتقارير سياسية

مجزرة حماة والجريمة المستمرة

في الثاني من شباط/ فبراير عام 1982، اقتحمت جنازير دبابات النظام السوري شوارع حماة، وبجوارها عجلات المدرعات وحاملات الجند، وصور “القائد” حافظ الأسد، وفي السماء هدير الطائرات، وابتدأ الدم يدفق في الأزقة والساحات والبيوت والأحياء، وعنّت نواعير العاصي، بحشرجات الألم والدمع، ووقعت الواقعة.

خمسة وثلاثون عامًا مرّت على نزيف مدينة أبي الفداء، من نظام أنشب مخالبه السامة في قلوب آلاف الحمويين، فسال الدم غزيرًا، في مجزرة لم تُكشف فصولها إلا لاحقًا، وبتدرّج، بعدما ابتدأ بعض الناجين يروون هول ما رأته أعينهم من الكارثة، وابتدأ -أيضًا- القتلة بالعودة إلى بيوتهم، ليرووا بطولاتهم الآثمة، وحجم انتصاراتهم على البيوت والأسر الآمنة تحت عنوان، القضاء على خلايا (الإرهاب).

استمرت دوامة القتل بتواصل لمدة 27 يومًا، شارك فيها الطيران الحربي بكل أنواعه، وكذلك سلاح المدفعية، بقصف تمهيدي غزير استمر لمدة 4 أيام.

شاركت في تلك المجازر، قوات من “سرايا الدفاع” و”اللواء 47 دبابات”، و”اللواء الميكانيكي 21″، و”فوج الإنزال الجوي 21″، و”سرايا الصراع”، وهي تابعة لعدنان الأسد. كما شارك في العملية “نخب” منتقاة من الأجهزة الأمنية المختلفة، ومجموعات مسلحة جرى تشكيلها من مقرات “حزب البعث”.

وعُزلت المدينة عزلًا تامًا عن بقية سورية، وأعطى المجرم الأكبر الأوامر العليا لاستباحتها استباحة واسعة، وقاد العملية برمتها الجزّار رفعت الأسد.

بعد التدمير العشوائي لقلب المدينة ومراكزها السكنية الرئيسة، كانت الخطوات اللاحقة، بحسب تقاطع المعلومات التي وثقت الأحداث، هي الدخول إلى المنازل والبحث عن الشباب وإخراجهم إلى الساحات أو الشوارع، وإعدامهم رميًا بالرصاص.

جرى إجبار الأهالي على الخروج، لرؤية الجثث وهي غارقة بدمائها، وطُلب منهم الهتاف بحياة حافظ الأسد.

عمل نظام حافظ الأسد، على تغييب حقيقة ما جرى داخل أحياء المدينة، وفي الوقت نفسه، حرص على تسريب بعض الأقاويل ليستثمر ما جرى في إرهاب السوريين، إن هم تحدّوا نظامه.

مجزرة حماة هي -في الحقيقة- مئات المجازر الموزعة على الأحياء والجوامع والمدارس والساحات والمزارع والمستشفيات والبيوت والأسواق، شكّلت في مجموعها الكلي مجزرة حماة، وقدّرت منظمات مختلفة أن حصيلتها كانت نحو 40 ألف شهيد، بين طفل وامرأة ومسن وشاب.

صمّ العالم آذانه وأغمض عينيه عما فعله الأسد ونظامه، وغابت بقية السوريين عن المشهد، وسجل التاريخ أن نظام الأسد يحارب الإرهاب، واستطاع هذا النظام الاستثمار في ذلك جيدًا، من خلال صراعه مع تنظيم “الإخوان المسلمون”.

لم يجر إنشاء أي محكمة دولية للتحقيق من تلك الأحداث الأليمة حتى الساعة، ولم يسأل أحد إن كان من حق نظام ما إبادة مدينة كاملة، بأي ذرائع يمكن سوقها، وهل مهمة أي نظام هي قتل الناس تحت عنوان حماية البلد من (الإرهاب)، أم المحافظة على حياة الناس، بوصف حمايتهم واجبًا أساسيًا تستند شرعيته إلى مدى قدرته وأهليته لذلك.

يستذكر السوريون تلك المجزرة المروعة، وما زال هذا النظام جاثمًا على صدورهم، يرتكب مجزرته المستمرة التي لم تنقطع منذ أن اغتصب السلطة في هذه البلاد، وما مجزرة حماة إلا فصلًا مأسويًا من فصول الحكاية السورية الموشّحة بالدم والسواد.

خمسة وثلاثون عامًا على مجزرة حماة، التي سبقتها مجزرة سجن تدمر ومجزرة جسر الشغور بنحو عامين.

و47 عامًا من حكم آل الأسد، من ضمنها نحو ستة أعوام أعلن فيها السوريون ثورة عارمة على هذا النظام في آذار 2011، فقابلها كعادته بالنار والبارود، وارتكب خلالها الأسد الابن مئات المجازر في جميع المدن السورية، وأهمها استعماله للسلاح الكيماوي المُحرم دوليًا في الغوطة الشرقية للعاصمة دمشق.

تسرّبت أيضًا عشرات آلاف الصور من المعتقلات عن جرائم يندى لها جبين الإنسانية. كما حوصرت مدن وتوفيت الناس بسبب الجوع والعطش ونقص الدواء، أمام كاميرات العالم أجمع وشاشاته.

دُمرت مدن كاملة ببراميل بدائية تحمل خردة وبارود، واختفت آلاف الأسر تحت ركام بيوتها، ولم يُترك مستشفى أو مدرسة أو دار عبادة أو ملجأ لطفولة إلا ودُمر، وجرى تهجير الملايين في أصقاع الأرض.

بقي العالم أمينًا على حفظ هذا النظام، لتتدخل دول كبرى كروسيا وتسهم معه في مزيد من المجازر، وتتباهى بأنها أوقفته على رجليه، كذلك فعلت إيران، وساهمت بزرع الطائفية، واستقدام المرتزقة لقتل ونهب السوريين.

يتذكر السوريون مجزرة حماة في هذا الشهر، وهم يراقبون عدّاد توثيق شهدائهم كيف يدور، وقد سجّل مئات آلاف الأرواح البريئة، فماذا عساهم يقولون لهذا العالم الذي يحيط هذا النظام بعطفه، متجاوزًا كل الأعراف المواثيق المعنية بحقوق الإنسان.

هل سنفتح أعيننا بعد هذا العار المستمر في التاريخ الإنساني، على هتاف يتناهى إلى أسماعنا من مجلس الأمن الدولي يقول: “نموت ويحيا الأسد”!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق