اقتصاد

عن سورية المختطفة.. وفق باروميتر الفساد العالمي

حافظت سورية على ترتيبها ضمن قائمة الدول الـخمس الأكثر فسادًا على مستوى العالم، بحسب مؤشر مدركات الفساد لعام 2016، الذي أصدرته “منظمة الشفافية الدولية” الأسبوع الماضي، إذ حلّت في المرتبة 173 من أصل 176 دولة، تقدمت اليمن عليها بثلاث درجات، فيما تلتها على التوالي كوريا الشمالية في المرتبة 174، جنوب السودان في المرتبة 175، الصومال في المرتبة 176.

إن أي مقاربة بين الدول الخمس الأخيرة في باروميتر الفساد، من شأنها أن تمدنا بانطباع قوي، عن نهج سياسي سائد، يتحكم في مصائر شعوب افتقرت أنظمة الحكم التي تقودها، إلى الرشاد، والشفافية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان. وفرض قادتها شكلًا من الحياة السياسية يفوق ما قدمته النظم الفاسدة -تاريخيًا- من طرائق للقمع والإقصاء.

في العقد الراهن من حكم الأسد، تغولت الدولة العميقة، وازدادت ضراوة، في عقب ظهور نمط مقلق من رجال مالٍ جدد، أغلبهم من الحلقة القريبة للرئاسة، دفعهم النظام إلى بسط نفوذهم على اقتصاد البلاد، عبر مناصب حكومية فاعلة، مُنحت لهم، واستثمارات حصرية ضخمة، لم تخضع عقودها لأي أصول قانونية، كما لم تتمتع بالنزاهة والشفافية المطلوبتين. وكان من شأن النخبة الصاعدة أن تستأثر منفردة بالكعكة، وتحرم شراكتها المالية مع النظام، اقتصاد البلاد من عائدات قدّرت بمليارات الدولارات، استقرت في جيوب قلة على حساب أغلبية تشكو التهميش وضعف الموارد وانعدام الحماية الاجتماعية، ليحول هذا النمط من الفساد دون أن تنفذ الحكومات التي تعاقبت خططًا تنموية مفترضة، ويعمّق الهوة بين فئات المجتمع، ويعزز الإقصاء الاجتماعي، ويسهم في توزيع غير متساوٍ للسلطة في المجتمع، وتوزيع غير عادلٍ للثروة.

وقد أمكن لمسلسل “العراب ـ نادي الشرق” التلفزيوني، الذي عرض بجزأيه خلال موسمي 2015/ 2016 أن يلقي الضوء على جانب من هذه الظاهرة، وربط جمال سليمان في تصريح له تفشي الفساد بما يسمى “الحرس القديم”. لكن كاتب النص “رافي وهبي” ذهب إلى أبعد من ذلك، حين قال بأن العمل يصور مافيا الفساد التي سيطرت على العملية الانتقالية، بين عامي 2000/ 2010 ومسؤوليتها عما جرى في ما بعد، إشارة إلى انتفاضة الشارع مطلع عام 2011 ضد سياسات الأسد الداخلية.

والواقع أن الأصول المالية التي تديرها اليوم مافيا الفساد في سورية، هي واحدة، فالحرس الجديد، الذي يمتلك السلطة والثروة معًا، ليس سوى الوجه الشاب للحرس القديم. وقد تبادلا الأدوار حين تقاعد معظم رموز الأخير، وانخرط الأبناء في حرب المنافع، مزودين بإمبراطوريات مالية ورثوها على غرار الأسد الابن الذي ورث -هو الآخر- امبراطورية مالية، أضاف إليها أموال النفط السوري على نحو خفي.

وبسبب تواطئ السلطة مع الشركاء في عمليات فساد عميقة، تغولت رأسمالية النظام، وعاش السوريون لسنوات طويلة يعانون من تدهور الأوضاع المعيشية، وتدني دخولهم، وافتقادهم حاجات أساسية، لدرجة أن بعضهم كان ينام جائعًا كل ليلة، بينما كان حيتان المال يبتلعون الاقتصاد، وينعمون بأموال الشعب دون حساب.

بين عامي 2003/ 2007 تراجع ترتيب سورية في مؤشر مدركات الفساد من المرتبة 69 إلى المرتبة 142، وتراجع خمس درجات أخرى في عام 2008، وواصل تراجعه إلى المرتبة 144 في عام 2012، وفي عام 2013 هبط إلى المرتبة 168، بينما حلّ -على التوالي- في المرتبتين 159 و154 في عامي 2014 و2015، ليصل في عام 2016 إلى المرتبة 173، كما تراجعت نقاطها في باروميتر الفساد من 26 نقطة من مئة، في عام 2012 إلى 13نقطة في عام 2016، لتصنف أخيرًا ضمن مجموعة الدول الخمس الأكثر فسادًا على مستوى العالم.

وبخلاف الصورة التجميلية التي يروّجها نظام الأسد، يرى الخبير الاقتصادي، مسعف الخوالدة، أن “النتيجة تؤكد بوضوح فساد السلطة، واستنزافها ثروات الوطن، وإفسادها للنسيج الاجتماعي. فالسياسات التي تتبعها، تنمي مصالح النخب على حساب مصالح الناس، وتخدم الطبقات العليا بدل أن تخدم الطبقات الفقيرة والمسحوقة في المجتمع”. وقال في تصريح لـ (جيرون): “عندما يصل الفساد إلى قمة هرم السلطة، تتحلل الدولة، وتدار المناصب بحسب عوائدها الربحية. ومنذ عامين تقريبًا، أجرت (منظمة الشفافية الدولية) مسحًا ميدانيًا لآراء المواطنين في تسع دول عربية حول مدى إدراكهم فساد مراكز القوى والنفوذ العشرة الفاعلة – مكتب رئيس الدولة، أعضاء البرلمان، المسؤولون الحكوميون، مسؤولو الضريبة، الشرطة، القضاة وقضاة الصلح، موظفو هيئات الحكم المحلي، وكذلك أولئك الذين ليسوا جزءًا من القطاع العام، ولكن لهم نفوذ هائل مثل رجال الأعمال، القادة الدينيون، القادة التقليديون. وتبين من المسح أن 61 بالمئة من المواطنين يرون أن الفساد قد ازداد أخيرًا، وأن النسبة الأعلى له تتركز عند المسؤولين الحكوميين وأعضاء البرلمان. ما يدل على تفشي فساد سياسي يعد عاملًا أساسيًا في استشراء الفساد عامة، وعلى عدم وجود أنظمة شفافة تضمن المساءلة، وحرية التعبير، واستقلال القضاء، ورقابة مؤسسات المجتمع المدني”.

يشمل الفساد بصفة عامة النشاط غير القانوني الذي يُخفى عمدًا، ولا يُكشف عنه إلا من خلال الفضائح، أو التحقيقات، أو الملاحقات القضائية. وليست هناك طريقة مجدية لتقييم المستويات المطلقة للفساد في سورية أو غيرها من الدول على أساس بيانات تجريبية راسخة. ولذلك؛ يستند المؤشر إلى ما يتوصل إليه الإدراك، عبر توليفة من الاستقصاءات والتقييمات المعنية، يجري تجميعها على يد مجموعة متنوعة من المؤسسات الموثوقة.

ووفق الخبير الاقتصادي، أحمد سيريس، يركز المؤشر أساسًا على الفساد في القطاع العام، ويعرفه بسوء استغلال الوظيفة العامة من أجل تحقيق مصالح خاصة، وبناءً على هذا التعريف؛ تطرح المسوح واستطلاعات الرأي المستخدمة في إعداد المؤشر، أسئلة ذات صلة باستغلال الوظيفة العامة لتحقيق مصالح خاصة، مثل قبول الموظفين الحكوميين للرشاوى، أو اختلاس الأموال العامة، ومدى نجاح جهد مكافحة الفساد. وأضاف لـ(جيرون) أن المنظمة اعتمدت في مؤشر مدركات الفساد لعام 2016 على بيانات جرى جمعها من خلال مسوح واستطلاعات رأي، وفرتها 13 مؤسسة مستقلة، تضم كل من: “البنك الأفريقي للتنمية”، و”البنك الآسيوي للتنمية”، و”مؤسسة بيرتلسمان”، و”وحدة الاستخبارات الاقتصادية”، و”بيت الحرية”، و”مؤسسة البصيرة العالمية”، و”المعهد الدولي للتنمية الإدارية”، و”مؤسسة الاستشارات حول المخاطر السياسية والاقتصادية”، و”مؤسسة خدمات المخاطر السياسية”، و”مؤسسة الشفافية الدولية”، و”البنك الدولي”، و”المنتدى الاقتصادي العالمي”، و”مشروع العدالة العالمي”.

وكانت “منظمة الشفافية الدولية” قد باشرت بإصدار مؤشر مدركات الفساد منذ عام 1995 ويعرف بأنه المؤشر الذي يقيّم الدول ويرتبها وفقًا لدرجة انتشار الفساد بين مسؤوليها وسياسيها، بناءً على إدراك رجال الأعمال والمحللين بما في ذلك المتخصصين والخبراء من الدولة التي يجري تقييمها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق