مقالات الرأي

العنصرية…. يا حبي

اشتهرت السينما الإيرانية بمقاومة فنية عالية المستوى، ومن أجمل مشاهد أفلامها مقطع يُظهر اجتياز طفل عراقي هاربٌ من القصف الإيراني لقريته، وبعد أن فقد جميع أهله، نهرًا صغيرًا يُشكّل حدودًا طبيعية بين العراق وإيران. ومن الجهة الإيرانية، كانت مجموعة من النسوة يستعملن مياه النهر لغسيل الملابس بالطريقة التقليدية. واستقبلت إحداهن الطفل الهلع وطمأنته وحاولت تهدئته. وبعد ذلك، وضعته وبحركة طبيعية، في مياه النهر مجددًا وأتت بالليف وبالصابون؛ لكي يستحم قبل أن تحمله معها إلى بيتها. بعد عدة محاولات من “الفرك” الشديد، تعبت السيدة والتفتت إلى صديقاتها صارخة: “إنه متسخ لدرجة أن جلده أصبح أسمر اللون”. فقد تبين بأن السيدة الإيرانية من الريف المقابل للريف العراقي تنتظر من بشرة الطفل العراقي أن تميل إلى البياض بعد التنظيف؛ لأنها لا تعرف الآخر، ولم يسبق لها أن رأته، ولم يسبق لها أن عرفت “عِرقًا” سوى العرق الآري المائل للبياض، والذي ينحدر منه جزءٌ كبيرٌ من الفرس. إنه مشهد بسيط يحمل كثيرًا من الجهل بالآخر. وهذا الجهل يمكن أن يكون عفويًا لا يحمل أبعادًا خطرة ويمكن أن يجري تجاوزه كما وضّح الفيلم نفسه في مساره الدرامي.

في المقابل، يتطور الجهل بالآخر بطريقة سلبية وعفنة؛ ما يحوّله إلى عنصرية موصوفة، ليست حكرًا على فئة أو مجموعة بعينها، ويمكن له أن يظهر ويتطور في مجموعات هي الأكثر إصرارًا على الشكوى من ممارسته. فكثير من ضحايا العنصرية النظريين والمصنفين حتى سوسيولوجيا ضحايا متكررين يمارسونها ضد الآخر المختلف عنهم.

كم هي غنية السرديات العربية عمومًا، والمسلمة خصوصًا ،حول عنصرية حقيقية أو متخيلة يتعرض لها العرب أو المسلمون في بلاد الاغتراب أو السفر. ولا يمكن أن تخلو أمسية تسرد تجربة رحلة -ولو كانت سياحية- من إشارة ما إلى ممارسة عنصرية تعرّض لها الحاكي أو أنه قد شُبّه له أنه ضحيتها. وتُغني هذه السرديات كتاب الروايات ليقحموها في أعمالهم الأدبية سعيًا وراء “اكزوتيك” جاذب للقراء إلى جانب المحرمات المعتادة.

حكايات العنصرية يمكن ان تمتد من وقائع تاريخية موثّقة، كعنصرية البيض الأميركيين تجاه السود والسكان الأصليين، والممتدة لتصيب كل ما هو آخر غريب، حتى عن الولاية الواحدة، وكما عنصرية البيض في جنوب أفريقيا سابقًا، وكما عنصرية جزء لا باس به من الإسرائيليين تجاه عرب فلسطين، من جهة، إلى عنصرية الأستاذ الذي أفشل طالبه في الدراسة لمجرد أنه عربي أو مسلم، ولا تخلو عائلة من توثيقها غير المستند الى أي حقيقة ملموسة، عدا خيال ابن العائلة البار الذي وجد في هذه الحجة أفضل وسيلة لتبرير الفشل العلمي.

مقابل الحقيقي والمتخيل كثيف التغطية وجزيل التوصيفات، فإننا نقرأ القليل والشحيح عن عنصريتنا نحن تجاه أبناء جلدتنا أولًا من مناطق تبتعد عن مناطقنا، أو تجاه من يختلف عنا لونًا أو اثنيةً. وتكاد لغتنا المحكية تفضحنا بحمولات تمييزية تجاه الآخر. كما أن تصرفاتنا الاجتماعية هي خير دليل على عنصرية موروثة تجد لها مبررات شتّى. فهل لنا أن نتوقف عند العنصرية التي تمارس بحق أهل النوبة في مصر؟ أم نتابع العنصرية التي يعاني منها أصحاب اللون الاسود في تونس؟ أو العنصرية التي تعاني منها فئة الخدم في اليمن؟ أو العنصرية التي يعاني منها السود في موريتانيا؟ أو العنصرية التي يعاني منها السوريون والفلسطينيون في لبنان؟ وكل ما ورد ليس إلا أمثلة على اعداد هائلة من عنصرياتنا المتمددة والتي لا نجد حرجًا في تبريرها دينيًا أو اجتماعيًا.

تعالوا نتخيل مشهد عائلة سورية تقليدية خرجت لملاقاة ابنها العائد من أميركا بعد دراسة سنوات طوال وحاملًا مفاجأة زواجه من زميلته في الدراسة، وعند وصوله الى قاعة الاستقبال، “يُصدم” الأهل بأن الزوجة الموعودة والمستوردة من بلاد العم سام ليست إلا “زنجية” أو “عبدة” كما توصف في العبارة المحكية. فلندع الخيال إذا يتصور تطور المشهد ومآلاته. ولنعد إلى قواعدنا لنتبين بأن هذا المثال ليس استثناءً البتة بل يكاد يكون هو القاعدة. وبالطبع، فكثير منا يجد مبررات لا ناقة للحقيقة فيها ولا جمل. ويكاد بعض باحثينا يستنكر تعريف ما ورد، وسواه، بالعنصرية شارحًا، كمن يشد شعرًا طويلًا، الأبعاد الاجتماعية، مازجًا إياها بتقاليد متوارثة، مضيفًا إليها بعض بهارات الفلسفة التعليلية.

إن عنصريتنا نحن السوريين بعضنا تجاه بعض، فسيكتب عنها مجلدات تاريخية غنية وواسعة تصف خصوصًا ما برز منها على سطح الوعاء كزفر الغذاء إثر اندلاع الثورة وتحولاتها العسكرية وانتقالها إلى الدموية العدمية. ولن يتوقف الباحثون فقط على عنصريات اثنية ودينية ومذهبية صارخة، بل سينتقلون الى عنصريات مناطقية يتشعّب عنها عنصريات طبقية، يتبع لها عنصريات عشائرية ويستقر بها الحال في عنصريات بين الأحياء. واللجوء القائم على قدم وساق يكشف أيضًا نوعًا من عنصرية طافحة بالقيح بين أبناء الهجرة السابقين وابناء اللجوء القادمين، كما بين بعض أبناء اللجوء وبعضهم الآخر بناءً على معايير لا حول لنا ولا قوة في تتبعها او تفهمها.

إن أردنا ثورة حقيقية أيضًا في المفهومات وفي الممارسات، فيجب أن نعترف بداية بأننا عنصريون، ونبدأ في تحليل الظاهرة وكشف جذورها ومحاولة تجاوزها. أما النكران، فهو جزء من ثقافة لن نتمكن طويلًا من معاقرتها في ظلّ التصرفات القائمة. كلنا عنصريون حتى يثبت العكس.

مقالات ذات صلة

إغلاق