كلمة جيرون

الخجل الروسي والوفد المفاوض

قبل أيام، هدّد المبعوث الأممي ستيفان دي مستورا بأنه سيشكل -بنفسه- وفد المعارضة السورية المُفاوض في مؤتمر جنيف المُرتقب، إذا تعذّر على المعارضة تشكيل وفد موحّد وموسّع، وترافق ذلك مع تصريحات روسية تؤكد أن وفد مؤتمر جنيف سيكون مختلفًا عن الوفود السابقة، وتشدد على ضرورة أن يكون فيه أوسع تمثيل للسوريين.

لو كانت النيّة الروسية و”الديمستورية” حسنة، لقلنا إن المطلب منطقي، خاصة مع وجود خلل في الوفد المفاوض، واقتصاره على شخصيات مُكررة استنفذت كل ما لديها، وهو وفد بالغ التواضع في تركيبة لم يخترها السوريون، بل فُرضت عليهم فرضًا، بشكل أو بآخر.

لكن المشكلة في سوء النيات، نيات “الدب” الروسي و”الدب” الأممي؛ إذ يتحاشى الطرفان: الروسي والأممي، تسمية الأشياء بأسمائها، أو غالبًا يخجلان؛ لأنهما يعرفان أن الذين يريدان إضافتهم إلى الوفد المفاوض مُخجِلون، أكثر ما هي مخجلة تركيبة أي تكتل أو تيار سوري معارض بكل علّاته.

يخجل الروس من أن يقولوا -مباشرة- إنهم يريدون إضافة زعيم الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي قسّم سورية قبل أن يُقسّمها النظام، وهجّر عشرات الآلاف من “إخوته” العرب، ولعب على ألف حبل كـ “البلياتشو”، وأخذ أسلحة من كل حدب وصوب، وشكّل ميليشيات منفلتة، لمشروع يدفن الوطن والعيش المشترك.

يخجل الروس من أن يقولوا -مباشرة- إنهم يريدون زعيم حزب “الجبهة الشعبية للتحرير والتغيير”، البكداشي الماركسي والرأسمالي في آن واحد، تاجر السلاح، والوكيل الحصري السابق لمؤسسة “نكنوإكسبورت” السوفياتية، الكردي الذي احتضن أوجلان خلال إقامته بدمشق، نائب رئيس الوزراء الذي ينفي أنه انشق، ولم يقل كلمة واحدة تؤكد رغبته بتغيير رأس النظام السوري، ويعتبر أن الخلاف معه ليس كبيرًا ولا مبدئيًا.

يخجل الروس من أن يقولوا -مباشرة- إنهم يريدون ممثلين عن منصة القاهرة، ومنصة آستانا الأولى، وتيار بناء الدولة، وحركة المجتمع التعددي، وكلهم من أصحاب المواقف الضبابية المُبهمة، يحملون العصا من المنتصف، قدمٌ هنا وقدمٌ هناك، كالزبدية الصينية، من كل الجوانب ترنُّ.

يخجل الروس من أن يقولوا -مباشرة- إنهم يريدون نساء دي مستورا “البطلات”، ومعارضة حميميم “المناضلة”، وشخصيات مستقلة أخرى لم يسمع بها أحد، أتت من الظلام الذي ثار السوريون لإنارته.

لم يبق إلا أن يقول الروس إنهم يريدون مع وفد المعارضة في جنيف ممثلين عن أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية “العريقة”، ومندوبًا عن شُعَبِ الاستخبارات الأربع، وعنصرًا من كل فرع أمني، ومندوبًا فوق العادة عن الشبيحة والدفاع الوطني.

لا أحد يُنكر الحاجة الضرورية والملحة لتغيير مبادئ اختيار الوفد المفاوض، وتغيير شخوصه، واعتماد معايير سورية بحتة، لا يتدخل بها أحد، والاختيار بجرأة الأكثر قدرة تفاوضية وقانونية، والأكثر دراية بخفايا النظام وصلبه، والأكثر بؤسًا وصلابة فيما يتعلق بمطالب الشعب المسكين، لكن الطريقة التي يطرح بها الروس الموضوع، والجهات التي يقترحونها، لا تمتُّ للمنطق والعقل بصلة، فالصفاقة الروسية و”الديمستورية” -بهذا الموضوع- أعيت من يُداويها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق