مقالات الرأي

والدستور أيضًا يُكتب في روسيا

بعد آستانا، وقبل جنيف، يضع القيصر الروسي على طاولة السوريين دستورًا لبلادهم. ليس الأمر أن الدستور شأن سيادي داخلي فحسب، يتوافق عليه أبناء البلد الواحد؛ كي يحدد شكل دولتهم ويضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم فيها، ويقرر حقوق الأفراد ويضمن حرياتهم، بل إن دستورًا للدولة السورية المقبلة يُصاغ في روسيا، يعني أن الدولة التي تدخلت بآلتها الحربية المدمّرة؛ لتمنع السوريين من نيل حريتهم حين كانوا قاب قوسين أو أدنى من إسقاط النظام، وغضت الطرف عن وحشية النظام طوال السنوات الماضية، ودافعت عنه في المحافل الدولية، وزودته بالأسلحة الفتاكة التي سلبت مئات الألوف من الأبرياء حياتهم، ودمرت المدن السورية، وشردت أهلها، تريد أن تُقدّم لشعب عريق دستورًا يُفترض به أن يرسم ملامح دولته المقبلة ويضمن كرامته!

ليست روسيا، بوصفها قوة عسكرية خارجية معتدية، ودولة تسعى لتحقيق مصالحها، هي من يلام هنا، بل إن الأصابع يجب ألا تُخطئ الإشارة إلى غير المعارضات السورية التي أوصلت الحال إلى ما هو عليه؛ فلقد فشلت تلك المعارضات، طوال السنوات الست -تقريبًا- من عمر الثورة السورية، في التوافق على مشروع واضح المعالم للدولة السورية المقبلة، وبدا أن طيفًا لا يستهان به من إسلاميي المعارضة يتعاطفون مع -أو على الأقل يلتزمون الصمت تجاه- المشروعات الأيديولوجية لبعض الفصائل المقاتلة التي لا تخفي احتقارها للديمقراطية، وتعمل وفق أجندات تعتزم إنشاء أشكال من الحكم الإسلامي الذي لا يمكن -بأي شكل من الأشكال- أن يتوحد خلفه شعب متعدد الأديان والأعراق والطوائف والاثنيات كالشعب السوري.

إن أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الدولة الوطنية الحديثة أنها دولة مواطنين متساويين في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن عرقهم ودينهم. في المقابل، فإن الخطاب الجهادي الذي تبناه الإسلاميون كان قد قسّم الشعب السوري إلى مؤمنين وكفار، وكأننا في صدد مشروع ثيولوجي يقع على النقيض من الخطاب الذي تبنته المليونيات في بواكير الثورة السورية، وأكدت فيه وحدة الشعب السوري، وحددت -بعفوية- الملامح الرئيسة للدولة التي يعتزم السوريون إعادة بنائها. لقد انحدر هذا الخطاب بالثورة السورية إلى حالة غرائزية بدائية، وخلق حالًا من الاستقطاب، دفعت بشرائح واسعة من الشعب السوري إلى التخندق خلف النظام؛ بعدّه الشر الذي تعرفه، وأسهمت اللغة الدينية المتشددة في خلق هامش ملائم تحركت ضمنه تنظيمات إرهابية غير معنية بسلامة الدولة السورية، ولا تعترف بها أو بحدودها الجغرافية القائمة، كـ “داعش” والنصرة التي قاتلت -في البداية- جنبًا إلى جنب مع الفصائل الإسلامية،  إلى أن كشفت -تباعًا- عن حقيقة أجنداتها، وأعادت توجيه بندقيتها نحو شركاء الأمس، ودخلت معهم في حرب ضروس، ولا يبدو -بعد كل هذا- أن الإسلاميين قد اكتشفوا الخلل في خطابهم، بل لجؤوا إليه -أحيانًا- في صراعاتهم البينية، عبر انخراطهم في عمليات تكفير متبادل.

لم يكن المسلمون في سورية مضطهدين، ولم تكن الحريات الدينية مُنتهكَة [!]، فقد قامت الثورة للمطالبة بالحقوق السياسية واستعادة السلطة من نظام الطغمة الحاكمة إلى الشعب، وذلك مطلب فيه خير لجمهوري الثورة والنظام، على حد سواء، ويكشف قصور الأخير وشموليته وتسلطه. إن الوضع الراهن والهزائم التي لحقت بالمعارضة، مضافًا إليها سجلّ حافل من الاقتتال البيني على الصعيد العسكري، تجعل من الأولوية أن تتنبه المعارضة إلى إعادة بناء خطابها وبلورته؛ بحيث يتوجه إلى جميع السوريين دون استثناء، وهذا يتطلب من المعارضات أن تعي عمق المأزق الذي قادت إليه الثورة السورية، وتبدأ بالعمل على إعادة بناء نفسها ضمن مؤسسات وطنية جامعة، تُعبّر عن هموم السوريون كافة، وتضطلع بمهمة الدفاع عن مصالحهم، دون غلبة أو تفضيل لفئة على أخرى؛ كي تتمكن من قطع الطريق على أي قوة خارجية تسعى إلى التدخل في شكل أو شؤون الدولة السورية المقبلة، وتثبت أن بإمكانها أن تشكل بديلًا يمكن الوثوق به لحكم البلاد وشعبها.

صوغ الدستور فعل كرامة؛ لضمان حرية كل فرد من أبناء الشعب، وتحديد حقوقه وواجباته، ولا شيء من ذلك يمكن أن يتوفر في دستور لا يصنعه السوريون، ويكون نتاجًا لتوافقاتهم، وتعبيرًا عنهم بوصفهم شعبًا يتطلع إلى بناء جمهوريته الثالثة. في المقابل؛ فإن فرض دستور من الخارج يعدّ امتهانًا لتلك الكرامة، ولا يتناقض مع سيادة الدولة وحسب، بل مع سيادة الشعب قبل كل شيء.

مقالات ذات صلة

إغلاق