مقالات الرأي

الهجرة وصدمة الاستئصال الثقافي

سواء كانت الهجرة طوعيّة أم قسريّة كاللجوء، فلها خصوصيّاتها وميّزاتها الّتي قدّ تتجاوز كلّ الحسابات، فمغادرة البلد الأم تشكّل، بحدّ ذاتها، صدمة نفسيّة كبيرة، وخاصّةً إذا كانت الفروق الثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة كبيرة بين البلد الأم والبلد المضيف، كالفروق بين البلدان العربيّة، من جهة، والبلدان الأوروبيّة، من جهة أخرى، فمثلاً. ما إن يصل المهاجر إلى البلد الأوروبي، حتّى يشعر بأنّ كلّ شيء قد تغيّر بالنسبة إليه، الثقافة والعادات والتقاليد والمعايير وأسلوب الحياة؛ وحتّى أحاسيسه الجسديّة: لون السماء، والطبيعة والوقت والفصول والحرارة، والأصوات والروائح والأطعمة، والّلغة، وحركات الناس ونظراتها وشكلها، فأدقّ تفاصيل الحياة اليوميّة تأخذ شكلًا جديدًا بالنسبة إليه. هذه الفجوة بين بيئة البلد الأم وبيئة البلد المُضيف واختلاف المعايير والقيم الثقافيّة والسلوكيّات الاجتماعيّة تُجبر المهاجر على ما أُطلق عليه في علم نفس المهاجرين “بإعادة التعلّم الوجودي”   Réapprentissage existentiel وهذا ما يُشكّل بالنسبة إلى بعض المهاجرين نوعًا من الصّدمة الثقافيّة.

بالطّبع، بعد وصوله إلى مجتمعه الجديد، وفي بداية الأمر، يعيش المهاجر مرحلة انبهار بالحضارة الغربيّة، وبالمجتمع الغربي ويمكن عدّ هذه المرحلة عبارة عن “شهر عسل” بينه وبين بيئته الجديدة، إذ الطابع العام لهذه المرحلة هو حب الاطّلاع والمعرفة والشعور بالأمان الآني، والآمال بالنجاح وتحقيق الطموحات والأحلام. إنّها مرحلة الفضول والفرح والبهجة بالأشياء الجديدة. ولكن هذه المرحلة تنقضي بسرعة، بعد أشهر أو أسابيع وربّما أيّام قليلة، وخاصّةً بالنسبة لطالبيّ الّلجوء، إذ يصطدم هؤلاء بمعاملات الأوراق الرسميّة وإجراءات الّلجوءالّتي غالباً ما تكون طويلة ومعقّدة نوعًا ما، ويغلب عليها الطابع البيروقراطي؛ ما يزيد في تعقيدها، ويبدأ الإحساس بالصّعوبات بعد أن يعي المُهاجر أهميّة حاجز الّلغة، وصعوبات التواصل والتعبير عن الذات، وفهم كل ما يحيط به، فاللغة تُعد أهم العقبات التي يعاني منها المهاجر وغالبا ما تكون سببًا في كثير من حالات سوء التفاهم والفهم، وتؤدي بالمهاجر إلى أن يطلق أحكام غير واقعية أو مشوّهة على المجتمع المضيف. وهذا ما يولّد لدية شعور بالصّدمة، أطلق عليها علماء النفس صدمة الاستئصال الثقافي Déracinement.

هذه الصدمة غالبًا ما تؤدي بالمهاجر إلى الشعور بالحنين nostalgie إلى الوطن وإلى ماضي الذي يُعدّ من أخطر ما يمكن أن يؤثر في المهاجرين وفي اندماجهم في المجتمعات المضيفة.

وظاهرة الحنين إلى الوطن، أي: استذكار الماضي الجميل (كم كنّا سعداء في وطننا)، ترتبط وثيقًا بظاهرة الهجرة، وهو أمر طبيعي ولا يشكّل -بحدّ ذاته- حالة مرضيّة أو شذوذًا نفسيًا، لا بل يمكن أن يُشكّل نوعًا من عمليات الاسترخاء الّتي تُعيد للفرد نشاطه، فللحنين علاقة بنشاط الذاكرة المعرفيّ وعملها، وبقدرة الفرد على تحديد هويّته من خلال مرجعيّة الماضي، وهو ما أطلقت عليه الباحثة جوديت ستيرن “بالذاكرة الشاشة”، إذ ترتبط هذه الأخيرة بذكريات مسترجعة من خلال مثيرات حسّية شعوريّة بسيطة جدًا، ولكنها ذات بُعد زماني، فبعض المأكولات والروائح تعيدنا إلى زمن مرتبط بذكريات محدّدة، يجري طبعها بطابع إيجابي أو مثالي، ويُشكّل هذا أحد وسائل الدفاع عن الأنا المثالي أمام مشاعر الفقدان والخسارة، ولذلك؛ يمكن للحنين أن يؤدي وظيفة سيكولوجيّة مهمة، ويساعد في المحافظة على العلاقة مع البلد الأم.

ولكن الخطورة تكون عندما يتحوّل الحنين إلى أحد أشكال النكوص régression، بوصفه ردّة فعل دفاعيّة لا شعوريّة على الاحباط والواقع المؤلم، وتعبيرًا عن الحاجة إلى الدفء والأمان المفقودين، وردّة فعل على الضياع الوجودي، ففي هذه الحالة يمكن أن يتحوّل الماضي إلى سجن، لا يستطيع المهاجر الخروج منه، ويصبح الحنين نشاطًا مفرطًا للذاكرة لاستحضار موضوعات وأزمنة يستحيل استرجاعها، ومرتبطة ببعد عاطفي مشحون بالألم، ألم فقدان ما هو عزيز وما هو غال. ومن هنا يبدأ حلم العودة إلى أرض الوطن، ويبدأ معه التغنّي برائحة تراب الوطن، وأشياء وموضوعات البيت العتيق، ولذلك كله دلالات نفسيّة بالغة.

هذا الحلم يبدأ، ولكنّه لا ينتهي، فصدمة الاستئصال الثقافي الّتي يعيشها المهاجر تترافق، دائمًا، بشعور الخسارة وفقدان المنزل والأهل والأصدقاء والذكريات، وفقدان الطمأنينة والاستقلال والمكانة الاجتماعيّة. وهذا يولّد لدية نوعًاً من الإحساس بالإخفاق والإدانة الذاتيّة، وعدم القدرة على التصرّف والتفكير تفكيرًا مركّزًا والشرود الدائم، وشعور بالهزيمة والإحباط، وحزن عام يسيطر على كيانه وكينونته، ويُدخله في حالة تُشبه، إلى حدٍّ بعيد، حالة الحِداد غير المنتهية، غالباً ما يعيشها المهاجر لا شعوريًا.

صحيح أنّ الهجرة تحمل حلم الخلاص، ولكنّها تبقى منفىً؛ حيث أنّ المهاجر غريب في المكان الذي يحلّ فيه. إنه الوجود المشروط، والقبول المشروط الّذي ينفي الإنسان عن ذاته، على حدّ قول مصطفى حجازي. وهذا يتجلّى دومًا في السؤال الذي يطرحه على نفسه كل مهاجر يوميًا تقريبًا: لماذا أنا هنا وماذا أنا فاعل هنا ؟

تحمل الهجرة دومًا في طيّاتها خطر الضياع، فالفروق بين ثقافة البلد الأم وثقافة المجتمع المضيف تترك أثرًا بالغًا في مشاعر الانتماء، ليس إلى البلد المضيف فحسب، وإنّما أيضًا إلى البلد الأم، وهكذا يصبح الحنين إلى الجذور وحلم العودة ملجًا يختبئ فيه المهاجر هربًا من هذا الضياع والقلق وعدم الانتماء، ولكن ما إن تتحقّق له فرصة تحقيق هذا الحلم ويعود؛ حتى يشعر أنّ كلّ شيءٍ تبدّل في وطنه وفي شخصيّته، وهكذا يصبح كيانًا ثالثًا، هو “بين البينين”، لا هو في الوطن ولا هو في المهجر. وبشكل أو بآخر، يمكننا القول أنّ المهاجر هو ذلك الإنسان الذي فقد بوصلة الانتماء، وبات غريبًا في أيّ مكان، فالهجرة عمليّة مستمرة، تبدأ في لحظة معيّنة، ولكنها على الأغلب لا تنتهي أبدًا.

(*) تنويه: هذا المقال جزء من بحث علمي بعنوان “سيكولوجيا المهاجرين: استراتيجيّات الهُويّة واستراتيجيّات التّثاقف”، نُشر في مركز حرمون للدراسات المعاصرة.

مقالات ذات صلة

إغلاق