اقتصاد

المال والسلطة… شراكة أعداء الأمس

بلغة صريحة، وصفت سيدة أعمال واقع الاستثمار داخل البلاد، بالجارح والقاسي. فالمنشآت التي بُنيت بعرق وجهد أصحابها عبر مراحل زمنية سابقة- كما تقول – ذهبت مع الريح ودُمرت، بعد أن أضحت هدفًا داخل مناطق النزاع. صونيا خانجي، ابنة صناعي سوري، تلقت العلوم الاقتصادية، بهدف أن تنضم إلى سوق قطاع الأعمال، وتحافظ على الإرث الصناعي لعائلتها. غير أن سنوات الحرب العجاف، أوقعتها في تناقض. فحين نظرت إلى واقع الصناعة الوطنية، على النحو الآنف ذكره، بقيت تنظر إلى وقوف الاقتصاد على قدميه، على أنه معجزة!؟ مع أنها، كغيرها من سيدات ورجال الأعمال، كانت تدرك حقيقة الأمر، حين احتارت بين “البقاء والاستمرارية، أو المغادرة، وترك الفرصة أمام حديثي الثروات، مستغلي الأوضاع، للتسلل- كما تقول- وحصد أتعاب وجهد من سبقوهم”. مشيرة إلى أن: “أهم الإخفاقات التي مُنينا بها، تتجلى في رؤية انهيار ودمار جنى العمر أمام أعيننا”. والمشكلة “أننا أكثر من نالوا الضربات، وتحملوا نتائج التقلبات السياسية والأيديولوجية التي شهدتها سورية على مر السنين”.

تنكر صونيا في حديثها عن الإخفاقات ما تفعله الطائرات الحربية في سماء البلاد، فبحسب معلومات أممية، دمرت طائرات الأسد 40 بالمئة من مدينة حلب، عاصمة سورية الصناعية، وإذا استثنينا الدمار الذي لحق بمدن أخرى، بدءًا من ريف دمشق ودرعا في الجنوب، إلى الرقة ودير الزور في الشمال الشرقي، مرورًا بحمص وإدلب، فإن الاحتفاء بوجود معجزة كهذه، خلافًا للواقع، وهم يفاقم حالة الهذيان السياسي لدى النظام وإعلامه الحربي؛ فالاقتصاد الذي تحول إلى اقتصاد حرب، الأولوية فيه لتأمين المواد الأساسية، بعد أن دُمّرت الأصول المادية، وضاع رأس المال البشري بين هارب وقتيل وسجين. لم يعد غير هيكل كرتوني، يجري تضخيمه. وصونيا التي تترأس لجنة سيدات الأعمال السوريات، على سبيل المثال، تعمل اليوم مع سبعة عشر عضوًا آخرين، في قيادة غرفة تجارة دمشق، يؤيدون جميعًا نهج الأسد وسياساته المعلنة.

توصف – اليوم- الغرفة على أنها بيت التجار الدافئ، وواجهة نظيفة لاقتصاد العاصمة، لكن الوقائع الراهنة تدحض هذه المقولة؛ فقد تحولت عبر السنوات الأخيرة إلى بيتٍ لتجار النظام على نحو لا لبس فيه، ليس على مستوى الولاء المعلن له صراحة، فحسب، بل على مستوى الدعم الذي تقدمه لسياسة قمعه المنهجية تجاه معارضيه. ولا سيما أن أحد أعضاء مجلس إدارة هذا البيت، قد تعرّض في وقت سابق لعقوبات فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على خلفية دعمه غير المحدود للأسد في مواجهة شعبه.

بات من الواضح، أن الحرب التي أطاحت بقطاعات الاقتصاد، ودفعت معظم رجال الأعمال إلى مغادرة البلاد، بحثًا عن بيئة أكثر أمانًا لاستثماراتهم، تبدو تأثيراتها خارج مخيلة أولئك الذين ينظرون إلى الاقتصاد بعين النظام، وهي العين التي تُخضع الأمور لمصالحها. فقد خسر جزءًا كبيرًا من الصناعيين -خلال الأعوام الثلاثة التي مضت- أصولهم الرأسمالية، وبهذه الخسارة، فقد الناتج الإجمالي المحلي إسهامات قطاع مازال يروج لوقوفه على قدميه، على الرغم مما لحق ببنيته من دمار هائل.

وتكشف الحصيلة الأولية للخسائر، صفاقة الحديث عن صمود اقتصاد، أو وقوفه، أو قدرته على الاستمرار حتى بمعجزة، كتلك التي وُصف بها. فتركيا والأردن ولبنان، تحتضن معظم المستثمرين والصناعيين الذين هربوا من البلاد، إذ شكّلوا الرقم الأعلى بالنسبة إلى المستثمرين الأجانب. وتشير تقديرات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا “أسكوا” إلى أن مجموع أموالهم بلغ أكثر 22 مليار دولار. وقبل عدة أيام، فككت” The New York Times” المشهد السوري القاتم، وقدّمت أمثلة مروعة. منها أن أكثر من 80 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر. “وما يقرب من 70 بالمئة منهم يعيشون في فقر مدقع، وهذا يعني أنهم لا يستطيعون تأمين حاجاتهم الأساسية. هذا عدا عن اقتراب معدلات البطالة من 58 بالمئة مع عمل عدد كبير من السوريين في أعمال التهريب والقتال أو في أي قطاع من قطاعات أعمال الحرب. كما انخفض متوسط أعمار السوريين أكثر من 20 عامًا منذ بدء الحرب، التي أنتجت جيلًا ضائعًا بكل معنى الكلمة- قرابة نصف الأطفال خارج إطار التعليم، فيما غرقت البلاد في كارثة صحية حقيقية، ولقي أكثر من 500 ألف سوري حتفه مباشرة، وعدد غير معروف لقي حتفه بطريقة غير مباشرة، بسبب تدمير المستشفيات أو استهداف العاملين في مجال الرعاية الصحية أو اللجوء إلى التجويع سلاحًا ضد المدنيين. ومع أكثر من مليوني جريح، بات قرابة 11.5 بالمئة من السكان، قبل الحرب، في عداد الخسائر البشرية. إضافة إلى أن قرابة نصف سكان سورية باتوا بين نازحين في الداخل أو لاجئين في الخارج. وفي دراسة أعدّتها “المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” عام 2015 في اليونان، ظهر أن عددًا كبيرًا من اللاجئين البالغين، قرابة 86 بالمئة، هم من حملة الشهادة الجامعية أو الثانوية”.

فأي حديث عن اقتصاد صلب، حين يسجل نصيب الفرد من الدخل بالقيمة الثابتة تراجعًا بنسبة 23 بالمئة؛ مقارنة بالمستوى الذي كان من الممكن تحقيقه لولا إصرار الأسد على الحرب التي انسحبت أضرارها بالمجمل على مستويات الحياة المعيشية، وأدت، من ثم؛ إلى تراجع نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي بنسبة 14 بالمئة، وفق تقارير “البنك الدولي”؟

ليس التكيف، الذي يجري الحديث عنه بين الاقتصاد والحرب، غير تناغم بين رجال الأعمال والسلطة. على الرغم من أن الأصول الاجتماعية لبعضهم تنتمي إلى الطبقة البرجوازية الوطنية، التي تضاربت مصالحها مع “البعث”، وناصبته العداء منذ استيلائه على السلطة عام 1963، لكنها لحقت بالمركب، عندما وجدت أنه لا مناص من مدّ الجسور مع نظام فئوي وطائفي، إذا ما أرادت المحافظة على مصالحها، على قاعدة تحالف المال والسلطة، فعقدت شراكات أطلقت يدها لتدير الاقتصاد بطريقة نخبوية، تحفظ مصالحها إلى جانب مصالح عائلة النظام ورموزه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق