سورية الآن

الفرصة التي لا تجد من يقتنصها

ربما تنجلي الغيوم السوداء الكثيفة التي غطت سماء المناوئين للأسد، في الأشهر الأخيرة من ولاية أوباما، إن تمكن أولئك من التقاط الفرص المتبدية، وأحسنوا استثمارها.

أولى تلك الفرص، الهاجس الجلّي الذي تبدى لدى إدارة دونالد ترامب الجديدة في واشنطن، حيال إيران. هاجسٌ لا بد أن يمتد إلى سوريا. وقد نُشرت تقارير نقلاً عن دبلوماسيين، تؤكد أن ذلك الهاجس يمتد بالفعل إلى سوريا، فالأمريكيون بإدارتهم الجديدة، يهتمون في سوريا، بأمرين، الأول، التخلص من تنظيم “الدولة الإسلامية”، والثاني، وهو الأمر المُستجد مع إدارة ترامب، إخراج الإيرانيين وحزب الله منها.

ما يزال الأمر في طور التقارير الإعلامية، لكن الحراك السريع السلبي حيال إيران، الذي أبدته إدارة ترامب منذ أسابيع حكمها الأولى، يُوحي بترجيح أن تمتد تلك السلبية لتطال النفوذ الإيراني في سوريا. وهي فرصة يمكن لمناوئي الأسد اللعب عليها.

تقول التسريبات والتحليلات الأولية، إن واشنطن تريد سوريا من دون إيران وحزب الله، وأنها قد تقبل بالأسد ذاته، شريطة التخلص من النفوذ الإيراني، وهي مستعدة للتفاهم مع الروس على ذلك. إلى أي حدٍ يمكن اعتبار ذلك الطرح واقعياً؟، نقصد بقاء الأسد، من دون النفوذ الإيراني؟.. على أرض الواقع، لا يبدو ذلك ممكناً. ما يعني أن الاستثمار في تلك الثغرة المُتبدية في العلاقات بين الإيرانيين والأمريكيين من جهة، والروس والأمريكيين من جهة ثانية، والروس والإيرانيين من جهة ثالثة، وأخيراً، بين الإيرانيين والأسد وبين الأخير والروس والأمريكيين، من جهة رابعة، يمكن أن يؤدي لانهيار نظام الأسد نفسه. فالأخير قائم عملياً، على الأرض، بدعم المقاتلين المحسوبين على إيران. ولا يوجد، حتى الساعة، تواجد بري روسي يمكن أن يحل بديلاً عن الوجود الإيراني. ومن المستبعد أن تسمح إيران للروس بإيجاد هذا البديل، فهي قد تقلب الطاولة على الجميع قبل الوصول إلى هذه المرحلة.

خلاصة ما سبق، أن لدى مناوئي الأسد فرصة مميزة للاستثمار فيها. لكن ذلك يتطلب مرونة في التفكير وفي التخطيط. ويتطلب أيضاً، قبل ذلك، وجود تكتل سياسي – ميداني قوي، قادر على استثمار تلك الفرصة المتاحة، واللعب على حبال التناقضات المتفاقمة بين الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة في الساحة السورية.

وهنا تكمن المفارقة الأكبر. ففي حين تستعر نيران المواجهة الأمريكية – الإيرانية، التي ستتخذ في المستقبل القريب، شكل حروب بالوكالة، يغيب في الجانب السوري المناوئ للأسد أي قوة قادرة على استثمار تلك الفرصة. أو لنكن أكثر دقة، فإن قوى هامشية قد تتقدم إلى عمق المشهد السوري، ربما، لتتحول إلى لاعب مؤثر، بفعل غياب القوى الفاعلة في جانب المعارضة السورية، التي تغرق في استقطاباتها، بعد أن وقعت في الفخ الروسي الخاص بأستانة. قوى من قبيل تلك المحسوبة على أحمد الجربا الذي يبحث عن أي فرصة لانتهازها كي يكون له مكان في مستقبل سوريا، وبأي شكلٍ وثمنٍ كان. وربما مستقبلاً، قوى أخرى، كفصائل في الجبهة الجنوبية المضبوطة أردنياً، وأخرى من المُحتسبة على درع الفرات التركي.

بمعنى آخر، فإن الفصائل الإسلامية الكبرى في المعارضة الميدانية السورية، ونقصد تحديداً، تلك التي تولت خلال السنوات الأخيرة الجبهات مع النظام، فأثخنته، قبل أن تغرق في وحل الضغوط المتفاقمة جراء انكفاء الحليف التركي، واشتداد الهجمة الجوية الروسية. تلك الفصائل، التي يمكن لها، لو أدركت قيمة اللحظة الراهنة، أن تلعب الدور الأبرز في تشكيل تكتل قادر على اغتنام الفرصة، وتحقيق نواة نخبة سورية قادرة على قيادة مركب المناوئين للأسد نحو برٍ أكثر أماناً. تلك الفصائل، غارقة اليوم في استقطابات تستنسخ تجربة الصراع المرير بين “الصحوات” و”القاعدة” في عراق نهاية العقد الفائت.
ففي بلدة حدودية شمال غرب سوريا، يرفع متظاهرون صورة تستخدم لفظاً تقريعياً قاسياً حيال محمد علوش، رئيس وفد المعارضة إلى أستانة. لفظاً استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم ضد المشركين. في استقطاب آيديولوجي، يعمّق الانقسام بين المناوئين لنظام الأسد، في آخر بقعة جغرافية كبرى متواصلة، يسيطرون عليها.

وفيما يكيل أنصار “هيئة تحرير الشام” الاتهامات لأنصار الخط التفاوضي، الممثلين في فصائل إسلامية كبرى، من قبيل “جيش الإسلام”، التي ينحاز إليها فصيل كبير أيضاً، “أحرار الشام”. يبدو أن الفرصة المتبدية جراء تناقضات المتصارعين الإقليميين والدوليين في سوريا، قد تضيع.
وعلينا أن نقرّ، للأسف الشديد، أن الاستقطابات الحادة الراهنة، بين الفصائل الكبرى، شمال غرب سوريا، لا تنحصر بالنخب في تلك الفصائل، من قيادات وشرعيين، بل تمتد إلى الحواضن الشعبية أيضاً، مما ينذر بحرب شعواء بين تلك الفصائل، بدلاً من التوحد واستغلال اللحظة الراهنة، والفرص المتبدية فيها.
لكن هل من سبيل لاستغلال اللحظة الراهنة؟.. قد يكون السبيل لذلك يمر بدايةً عبر تهدئة التوترات بين كبرى الفصائل في إدلب وريف حلب. ومن ثم، البدء بخطوات حسن نيّة لتهدئة هواجس الطرفين المختلفين، قد يكون منها، رفض الفصائل المفاوضة في مسار أستانة، إلحاح الأطراف الإقليمية والدولية على قضية عزل “فتح الشام”، واعتبارها فصيلاً من صفوف المعارضة السورية، مقابل قيام “فتح الشام”، والفصائل المُقرّبة منها، بخطوات تؤكد انفكاكها عن تنظيم “القاعدة”، والتزامها بخيارات القوى السياسية السورية المعارضة، والاندراج معها، في مختلف مساراتها العسكرية أو السياسية، بما فيها مساعي التسوية السياسية.

بكلمة أخرى، الحل في إدلب، أن يكون الاندماج تحت راية القوى المفاوضة في أستانة، وليس العكس. ولا يعني ذلك القبول بالخيار التفاوضي كخيار وحيد لمناوئي الأسد، بل يعني، الدخول في مظلة مقبولة إقليمياً ودولياً، تُجنّب فصائل المعارضة المختلفة الاستهداف الأمريكي والروسي، أو تقلل من احتمالاته، من جهة، وتجنبهم أيضاً حالة الاستقطابات التي قد تؤدي إلى اقتتال مرير بينهم، من جهة أخرى.
في ظل مظلة كهذه، يمكن اللعب على وتر التناقضات بين القوى الإقليمية والدولية. ويمكن الحديث عن القبول بإعادة تأهيل نظام الأسد، شريطة خروج الإيرانيين وحزب الله، تماماً من سوريا. وضع الشرط الأخير كفيل بجعل نظام الأسد، برمته، في خطر. كما أن ذلك الشرط، الذي يؤيده الأمريكيون، سيعزز احتمالات الصدام الإيراني – الأمريكي، والإيراني – الروسي، في سوريا. وهو ما يفيد المعارضة الميدانية السورية، لو استطاعت استثماره.

(*) كاتب سوري

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق