قضايا المجتمع

(حرمون) في موسكو يناقش الأكاديميين الروس

أكّد المدير التنفيذي لمركز “حرمون” للدراسات المعاصرة، الخبير الاقتصادي سمير سعيفان، من موسكو، أهمية عقد ندوات علمية بين مراكز دراسات علمية روسية وسورية، واصفًا مثل هذه الندوات بأنها “تُسهم في دعم التداخلات الدولية الأخيرة، التي تحققت اتجاه التسوية السورية”. من جهته أثنى في الجلسة الافتتاحية للندوة الأكاديمية المشتركة السورية- الروسية، أندريه كوروتايف، من “المدرسة العليا للاقتصاد” في موسكو، نيابةً عن “مركز الدراسات الإفريقية” التابع لـ “لأكاديمية العلوم الروسية”، على التعاون الروسي- التركي، ورأى أن روسيا “تخلصت -عبر هذا التعاون- من العناصر الراديكالية التي كانت إلى جانب الأسد، في حين تمكنت تركيا من إبعاد العناصر المتشددة عن المعارضة، والتوقف عن المطالبة برحيل الأسد”.

تأتي ندوة “حول الصراع الدائر في/ على سورية منذ سنوات” التي أقامها مركز (حرمون) للدراسات المعاصرة، بالتعاون مع “المدرسة العليا للاقتصاد” في موسكو، ومعهد الدراسات الأفريقية في أكاديمية العلوم الروسية، على مدى يومي السبت والأحد في العاصمة الروسية، في الوقت الذي تُحاول فيه بعض الأطراف السورية المعارضة ومراكز الدراسات والأبحاث، توضيح الصورة الحقيقية للجهات الروسية الأكاديمية والمستقلة التي لا تخضع لتأثيرات السلطة الروسية خضوعًا مباشرًا، في ما يُعتقد بأنه قد يساعد في تعزيز الرأي العام الروسي المختلف مع السياسية الروسية الحالية في سورية، وتوضيح ما التبس عليه، وفي الوقت نفسه، فهم عمق السياسات الروسية من خبراء روس مستقلين وموضوعيين. شارك في الندوة نحو 25 باحثًا وأكاديميًا وإعلاميًا من السوريين والروس.

في الجلسة الأولى من الندوة، التي ترأسها سمير سعيفان، وتناولت العلاقات الروسية- السورية، تحدث الباحث الروسي سيرجي بالماسوف، عن العلاقات التاريخية بين سورية وروسيا، وقال: إن “سورية هي الحليف الوحيد لروسيا في العالم العربي، وظلت وفية للاتحاد السوفياتي، وهي مقر مهم للمسيحية، والأرثوذكسية خاصة”.

قدّم بالماسوف عرضًا تاريخيًا للعلاقات بين البلدين، مذكّرًا بإعلان الامبراطورة كاترينا، في القرن الثامن عشر عن حمايتها “للمسيحية في العالم والشرق الأوسط، وحصلت حينذاك على دعم المسيحيين والعلويين في المنطقة”.

أكد الباحث أن الدعم الاقتصادي الكبير الذي قدمته روسيا [الاتحاد السوفياتي] لسورية، لم “يحل دون إلقاء النظام السوري بالشيوعيين وراء القضبان، ومحاولة الأجهزة الامنية السورية تسليم طائرة ميغ 25 للمخابرات الأميركية عبر الخداع، وعدم حماية العسكريين العاملين في سورية نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات”.

من جهته أشار الباحث الروسي أنتون مارداسوف، الذي شارك في الجلسة إلى أن سورية ” بقيت أحدَ مشتري السلاح الروسي، وظلّت حليفة لموسكو منذ الفترة السوفياتية، على الرغم من انهيار الاتحاد السوفياتي الذي أضعف روسيا ومواقف حلفائها”.

مشددًا على أن موقف موسكو مما يجري في سورية لم يكن واضحًا في البداية، فقد صُوّرت القضية من طرف النظام السوري على أنها حرب ضد الجماعات الإرهابية”، وشبّه الباحث الوجود الروسي في سورية كالرقص على الجمر، وفي العام الأول للتدخل، صوّر الكرملين أن روسيا موجودة في سورية موقتًا، وليس في نيتها إقامة قواعد عسكرية، لكن في الوقت نفسه، فإن الوصول إلى المتوسط كان مهمًا للكرملين”، لافتًا إلى أن “التردد الأميركي ساهم في تحسين موقف روسيا، ولم يوافق الكرملين على إزاحة النظام، وأصر على ضرورة أن يكون للأمم المتحدة دور”.

رأى مارداسوف أن وجود روسيا في المنطقة “جعل بيدها أوراق تفاوض إقليمية كثيرة، مثل الملف النووي الإيراني والدرع الصاروخي وخطوط الغاز، وتعول روسيا من خلال هذا الوجود على أن تتمكن من تشكيل حلف يواجه الحلف الغربي، على مستويي الخطاب والعسكرة.

أشار الباحث إلى أن من مصلحة روسيا “مقاتلة متطرفي القوقاز في سورية، على الرغم من أن وجهة النظر هذه دعائية أكثر منها واقعية، ومشكلة دمشق أنها لم تسلم الهاربين من القوقاز الذين ساهموا في صناعة التنظيمات الإرهابية المتشددة”.

لفت مارداسوف إلى أن سورية مجال لاختبار الأسلحة الروسية، والمشاركة الروسية في القتال إلى جانب النظام “تفيد اقتصاديًا في الترويج لبيع الأسلحة، وقاعدة طرطوس وحميميم وكويرس مهمة لتطوير الوجود العسكري الروسي في شرق المتوسط، وهي النقاط الروسية العسكرية الوحيدة في المتوسط”.

تناول أستاذ الاقتصاد تيسير رداوي، العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وشدد على أنه “من الأصح أن تكون العلاقة علاقة صداقة وتعاون ومصالح سياسية واقتصادية،” مؤكدًا على أن السوريين لن “يقبلوا بالكيفية التي تحدد بها روسية مصالحها فحسب”.

لفت الرداوي إلى أن استمرار النظام السوري “باستجرار السلاح من روسيا، زاد من الديون الروسية على النظام، وأحدث خللًا في الميزان التجاري الذي يميل لصالح موسكو على الدوام”.

رأى الرداوي أن التعاون الاقتصادي بين البلدين، يجب أن يشارك فيه “القطاع الخاص أيضًا؛ ليخفف من نسبة الفساد، وأن تكون العلاقات التجارية بين البلدين مبنية على التعاون والمصالح المتبادلة”، وعبّر الردواي عن قناعته بأن الشعب السوري “سيحافظ على جميع الاتفاقيات إن كانت بعيدة عن المصالح الانتهازية”.

وعدّ الباحث الروسي، أليكسي مالاشينكو، أن “الاقتصاد لا يحتل المرتبة الأولى في تحديد العلاقة بين الدولتين”، ولا سيما أنْ “لا أحد يعلم كيف ستتصرف روسيا في الشرق الأوسط على المديين: المتوسط والبعيد”، على حد تعبير الباحث، فالروس “يريدون الوجود في الشرق الأوسط، لكنهم لا يعرفون السبب، ربما بسبب الهيبة”، ولا أحد يمكنه “تحديد المصالح القومية التي تريد روسيا أن تحققها في سورية، وبحسابات اقتصادية نجد أن روسيا في مرتبة متأخرة على المستوى العالمي، ولابد من أن يكون هناك تعويض بشكل ما، وربما هو تعويض عسكري، عبر الوجود في الشرق الأوسط، فالسفن التي تبحر إلى هناك، والصواريخ تطير، ويبدو ذلك جميلًا، ويتباهون بأنهم دمروا مقرًا لـ (داعش)، هم في الواقع يحاربون في صف الأسد، وليس ضد الإرهاب”، مشيرًا إلى “عمليات خداع كبيرة يقوم بها الإعلام الروسي في تناوله مكافحة الإرهاب”.

نفى مالاشينكو، أن يشكل الإرهاب الموجود في سورية حاليًا تهديدًا ضد روسيا، “حتى أن عودة المقاتلين من سورية إلى روسيا، هو افتراض غير واقعي، فلا أحد يعرف عددهم، وهم يعودون ولا يُلقى القبض عليهم، ثم ما الرواية الأصح، وإلى جانب من يقاتلون أساسًا، وحتى الأرقام التي تعلنها روسيا غير صحيحة، فلا أحد يعرف عدد المغادرين للقتال في سورية، ولا أحد يعرف كم روسي منهم قُتل هناك، فهل حصلوا على جوازات سفرهم”.

عن أسباب الانتفاضة وعوامل تصعيدها

تحت هذا العنوان تحدث في الجلسة الثانية من الندوة بسام يوسف، وتطرق إلى عمليات “تهميش الأرياف، وتعميم الفقر، وانتشار الفساد والعشوائيات، خلال حكم حافظ الأسد”، فضلًا عن “القمع السياسي، والانغلاق، وسجن المعارضين”، وأشار يوسف خلال مشاركته إلى الكيفية التي استلم فيها الأسد الابن حكم سورية، وكيف “أدخل قوى أخرى في السلطة، وكيف أصبح رهنًا للخارج” مشيرًا إلى أن الصراع “ليس بين مكونات المجتمع السوري على الإطلاق، وإنما صراع مع السلطة الأمنية”.

في حين أكد محمود حمزة، أن “الثورة السورية ليست ثورة جياع، بل هي ضد نظام أمني قمعي”، وتطرق إلى “محاولات النظام تطييف الثورة”، وعمله على “إثارة نعرات قومية ودينية، حيث سلّح ميليشيات كردية حاربت الثورة، واستخدم كل الأساليب التي تضرب الاحتجاجات، كما سعى لأسلمة الثورة”.

في سياق الحديث عن الحل السياسي في سورية؛ شدد أليكساندر أليخانوف، على أنه “يجب أخذ مصالح الأكراد في الحسبان، وأن لا حل عسكريًا في سورية، على الرغم من أن النظام لا يؤمن إلا به”.

من جهتهما، أشارت الباحثتان، أنا برينديكوفا، وألينا خوخولوفا إلى رؤية أطراف المعارضة السورية للصراع والحل في سورية، وتحدثتا عن مجموعة حميميم، والمجموعات التي يقبلها الأسد التي لا ترغب بإزاحة النظام، بل ترغب في تغيير الدستور فحسب، ونوهتا إلى أن ” مشكلة المعارضة، أنها لا تستطيع الاتفاق في ما بينها، ومع هذا؛ يمكن إيجاد بعض النقاط التي تقرب بين الحركات السورية المعارضة، وتحدثتا عن المعارضة غير الممثلة تمثيلًا ملائمًا.

وقدّم باسل العودات بحثًا حول تأثير إيران في القضية السورية، وتاريخ هذه العلاقة وتطورها، ودور إيران منذ بداية الثورة، وميليشياتها وأيديولوجياتها واستراتيجياتها التي اتبعتها في الحرب السورية، سياسيًا واجتماعيًا وعسكريًا، وتأثيرات السياسة الإيرانية على سورية الحاضر والمستقبل.

بينما قدّم أليكساندر شوملين، ورقة أشار فيها إلى ضرورة أن يلجأ الباحثون والمختصون الروس الشباب للبحث عن المعلومات من مصادرها، وعدم التزام الرواية السورية الرسمية فحسب، وانتقد أيضًا “مبالغات الخطاب الروسي المؤيد للأسد”.

في الجلسة التي ترأسها أندريه كورونايف، وتناولت علاقة روسيا بالمعارضة السورية، أشار ايفجيني زيلينيف، إلى أن نحو نصف الروس، وفق استطلاعات للرأي، ضد التدخل الروسي طويل الأجل في سورية، وأوضح الباحث “أن وسائل الإعلام الروسية تروج لمزاعم مفادها أن روسيا نفذت مهماتها في سورية، وطردت المعارضين للأسد من حصنهم في حلب”.

لفت إلى أن المعارضة السورية حصلت على وضعية شرعية في المفاوضات، وهو أحد “نتائج مؤتمر آستانا، كما أن من نتائجه المحتملة، تعزيز مواقع إيران، وإضعاف مواقع تركيا إضعافًا كبيرًا، لكن روسيا تبنّت إجراءات معاكسة، لتقوية مواقف تركيا وتخفيف مواقف إيران”. مشيرًا إلى أن أنقرة وموسكو “أسستا لشراكات اقتصادية استراتيجية، منها مشروع الغاز (السيل التركي)؛ ما يجعل العلاقات التجارية بين إيران وروسيا في خانة التكتيك”.

ونبّه إلى انطباع يتشكل، مفاده “لا توجد استراتيجية روسية حقيقية طويلة المدى حول سورية، أو إنها موجودة لكن سورية ليست العامل الرئيس فيها، بل هي مجرد وظيفة خدمية”.

ذكّر محمود حمزة المشاركين في الندوة بـ “سوء أداء الإعلام الروسي، وكيف كان متماهيًا مع مواقف النظام، وكيف كان لتمسك موسكو بالنظام تأثيراته وتداعياته السلبية على علاقة الشعبين: الروسي والسوري”.

تناول كيريل سيمينوف، وبتفصيل دقيق القوى العسكرية التي تقاتل مع قوات النظام، وتطرق إلى مرجعياتها والجهات الداعمة لها، ومستقبلها.

وتحدثت لمى قنوت بالتفصيل عن “الدولة العميقة ومنهجية العنف والفساد، وإصرار النظام على الحل العسكري، وتحييد الأصوات التي رفضت هذا الحل”، وأشارت إلى “طائفية النظام وخداع مقولة حمايته للأقليات، وعن تحالف الاستبدادين: السياسي والديني في سورية”.

في حين تناولت أوبليتش جين، النتائج القانونية الجنائية للنزاع المسلح في سورية، وشددت على ضرورة محاكمة مجرمي الحرب في المحاكم الدولية، مشيرة إلى أن هذه “المحاكمة حتمية وضرورية لأي حل يُنهي الحرب”. أما أورهان جمال، فقد تحدث حول جذور الراديكالية في سورية: نظرة من موسكو.

من جهته لفت سمير سعيفان، إلى جملة من الصعوبات والتحديات العسكرية والسياسية، في حال وُجد الحل سياسي، الذي سيقبله السوريون طوعًا، وأشار في عدة عناوين إلى أن إعادة الإعمار تحتاج من 150 إلى 200 مليار دولار، وتساءل حول كيفية دمج قوات المعارضة المسلحة بالجيش دون حلّه، إذ سيكون هناك نحو 350 ألف مسلح من المعارضة والنظام، منبهًا إلى أن الاكراد يطالبون بالفيدرالية وعددهم يراوح بين 6 و7 في المئة من إجمالي سكان سورية.

شدد سعيفان على أن “التفاوض في جنيف هو نقطة الذروة للتفاهم، وكل المنصات الأخرى لا تقارن بها من حيث المبدأ”، مشيرًا إلى وجوب “أن يكون هناك تمثيل عادل للجميع في وفد المعارضة”.

ورأى يوري بارمن، أن روسيا تتبع “سياسة استغلال الفرص، إذ ليس هناك بُعد استراتيجي في سياساتها، وتحتكم موسكو -عادة- إلى قاعدة وجود خطوط حمراء لا يمكن أن تتجاوزها، لكن يمكن أن تلعب بين الخطوط، وهي لا تريد أن تتحمل تبعات الأزمة لوحدها، ويجب أن يتحمل المجتمع الدولي كله الأزمة وما بعدها”. ويرى بارمن أن “إدلب لن تشهد أحداثًا كبيرة”، وعدّ أن “روسيا ابتعدت من دمشق بعد أستانا، وهي غير متفقة مع الموقف الإيراني، وعلاقة الأردن مع روسيا مثيرة، فهو ينتقدها لكنه يستمر في شراء الأسلحة منها”.

وتحدث سام دلة عن الخيارات الممكنة لبناء الدولة السورية الجديدة، وشرّح مشروع الدستور الروسي المقترح، وأكّد على لا شرعيته، منتقدًا عددًا من مواده وصوغه، مشددًا على “ضرورة صوغه من السوريين، وأن يُكتب كتلة واحدة، ويُقرأ كتلة واحدة”.

أما أندريه كوروتييف فقد تحدث عن الفرص والتحديات أمام قيام سورية الديمقراطية التعددية، وحاول أحمدوف فلاديمير الإجابة عن سؤال: هل يمكن تحقيق السلام في سورية؟ مشيرًا إلى ضرورة تقديم تنازلات من جميع الأطراف، ومؤكدًا على أنه “لم يعد بالإمكان أن تُحكم سورية من نظام شمولي”.

أكّد الحضور في ختام الجلسة، على أهمية وغنى اللقاء، وأثنوا على الصراحة التي أحاطت بجلسات الندوة ومداخلاتها، وأهمية الأوراق المقدمة وعمقها، وتقدّم الباحثون والمختصون باقتراحات للمستقبل، يمكن أن تسهم في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، وتقديم حلول للمختصين وصانعي القرار، ليس انطلاقًا من مبادئ مثالية، وإنما انطلاقًا من موازين قوى واقعية، يمكن أن توصل إلى حل واقعي قابل للتحقيق.

أشار الحضور إلى أن جميع هذه الأوراق ستُجمع وتترجم إلى اللغتين: العربية والروسية، لما لها من أهمية للقضية السورية على المدى القريب والمتوسط والبعيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق