مقالات الرأي

إعلام الحماقة ووصول ترامب

رونالد ترامب يصل إلى كرسي أقوى رجل في العالم، رئيس الولايات المتحدة الأميركية؛ تيريزا ماي تصل إلى رئاسة أحد أقوى دول العالم، المملكة المتحدة؛ اليمين الأوروبي المتطرف يحقق نتائج قوية في الانتخابات الأوروبية، تنذر بقرب وصوله إلى حكم بعض دول أوروبا الغربية أو جميعها؛ هل حصل هذا فجأة وفي غفلة من التاريخ؟ وكيف استطاعت ظاهرة التطرف اليميني أن تصبح قوة في الغرب، قوة تتعارض أساسًا مع مصالح الغرب الاستراتيجية، ومع مكاسب الشركات الكبرى الغربية؟

كي لا نغرق في التاريخ الحديث، يمكن القول إن البداية كانت مع انهيار المعسكر السوفياتي، وانطلاق النظام العالمي الجديد بقيادة وصياغة أميركية منذ التسعينيات. بُني هذا النظام في زهوة فرحة الانتصار على السوفيات، وبغرور المنتصر لكن غير المستبصر، وبتسرع هائل قادته الشركات الكبرى والبنوك والمؤسسات المالية الغربية، فنتج نظام مليء بالعيوب والتشققات؛ لأنه لم يتخلص من عقلية الرأسمال التقليدية بالسعي للربح السريع، ولا من عقلية الحرب الباردة في إدارة الأزمات والتآمر ضمن الصراع الدولي الأزلي. فكانت الأزمة المالية العالمية عام 2008 أول زلزال هز هذا النظام، زلزال لم ينته مثلما يتوهم كثيرون، بل إنه مستمر في هزات ارتدادية قد تؤدي إلى كوارث بركانية. وهنا؛ يكمن السبب الأول لصعود اليمين المتطرف في الغرب، فالعلاج الذي قدمته الحكومات كان على حساب المواطن العادي، لصالح الشركات والبنوك نفسها التي سببت الأزمة أصلًا، وبذلك تخلى الغرب الرأسمالي -إلى حد بعيد- عن أحد أهم أسس قوته، وهي العدالة الاجتماعية النسبية التي كانت مطبقة من خلال توزيع للثروة يقنع الطبقة الأفقر أنها تملك ما يكفي لحياة جميلة نسبيًا.

السبب الثاني الذي أدى إلى زيادة هذا الشعور بالغضب، هو أنه، وعلى الرغم من التطور التكنولوجي الهائل خلال العقود الأخيرة، ودخول الآلة بديلًا من اليد العاملة البشرية، إلا أن ذلك لم ينعكس على حال الطبقات المتوسطة والفقيرة في المجتمعات الغربية، فلم تنقص ساعات العمل، ولا ازداد الأجر، ولم يغط الازدهار الاقتصادي الضمانات الأساسية الصحية والاجتماعية لعموم الناس.

السبب الثالث، والأهم، هو انفجار ثورة الاتصالات والمعلومات عبر العالم. فمواطن القرن الواحد والعشرين بات يملك إمكانية الاختيار بين عدد لانهائي من المصادر لمعلوماته. فبعد أن كانت صناعة الرأي العام الغربي، على الرغم من حريتها النسبية، مساقة من السلطة السياسية والاقتصادية، وإلى حد معقول من النخبة الفكرية خلال القرن الماضي، دخلت هذه الصناعة في فخ الفوضى العارمة، فوضى ناتجة عن عاملين:

العامل الأول هو إعلام الحماقة، مثلما عبر أحد الإعلاميين الأميركيين: لقد أتاحت الإنترنت لمن كان يلقي حماقاته بين أصدقائه في آخر الليل، بعد عدة أكواب من النبيذ، أن يصبح محللًا وإعلاميًا يلقي كلامه أمام الملايين. واستخدام كلمة الحماقة ليس بالمعنى الاستعلائي على حق الناس في أن يعبروا عن آرائهم، وإنما بمعنى عدم الأهلية لمناقشة القضايا العامة عند كثير من الناس، لسبب بسيط؛ أن الأغلبية من عامة الناس مشغولة في ملاحقة همومها الفردية اليومية، وعندما تريد ربطها بالحال العامة للمجتمع تسعى خلف أبسط الأفكار وأسهلها، ولا تستطيع إعطاءها ما يلزم من وقت وجهد لتحليل عمق هذه المشكلات؛ فليس مستغربًا أن تزداد أعداد متبني نظرية أن الأرض مسطحة، وأن تعود أفكار الفوارق بين الأعراق البشرية، والرجل والمرأة إلى الانتشار، وأن تستعيد الأيدولوجيات الدينية الإقصائية قوتها، وأن يجد المعسكر الرافض لاتفاقيات حماية البيئة انتشارًا أكبر، وأن تظهر في الغرب نظرية المؤامرة بشكلها الخرافي، والمتبنية وجود مؤامرة صينية وأخرى إسلامية ضد الغرب.

العامل الثاني؛ دخول كثير من المال إلى سوق الإعلام وصناعة الرأي العام الغربي، فقد أصبحت التكاليف أقل بكثير، ومن الممكن للرساميل الصغيرة أن تُحدث فرقًا في سوق الإعلام، ولأن الصراع في السوق -أساسًا- معقد ومتداخل كثيرًا، فهناك مصالح مالية خلف سياسات العزلة الوطنية، بمعنى الابتعاد عن النظام العالمي التجاري المفتوح، حتى لو تعارضت هذه المصالح مع مصالح كبرى الشركات العابرة للقارات، وهذا الإعلام الدخيل وجد ساحة خصبة في ما سميناه إعلام الحماقة؛ فهذه المصالح القصيرة المدى استطاعت توفير إجابات أقرب إلى الغريزة الإنسانية اللاعقلانية، أي: إجابات سهلة وملموسة لا تهتم بتعقيد الفضاء العالمي، وعزز هذا الإعلام انتشار الأفكار السهلة باستغلال الغضب والتذمر السائد في الشارع الغربي. ليس القصد -هنا- القول إن الإعلام كما كان هو الأفضل مع القنوات الكبرى، أو أنه كان مهنيًا وحياديًا، لكنه كان متسقًا أكثر مع قوانين الصراع في السوق، وفي الوقت نفسه، لا يستطيع تجاهل القيم الإنسانية الأساسية، ولا الإمعان في الكذب والتسطيح المفضوح.

من أسهل أنواع السيطرة على العقل الجماعي للمجموعات البشرية الضخمة، إطلاق عقال الأحكام التعميمية السلبية الساذجة بمضمونها، لكن الكافية لإقناع شريحة واسعة من البشر، لأنها تقدم “شيطانًا افتراضيا” يمكن أن يحمل عبء الخطايا، ويريح العقل الجماعي من النقد الذاتي، وفهم الواقع المعقد. لطالما استُخدمت هذه الوسيلة تاريخيًا في حكم الشعوب، وليس آخرها إطلاق جورج بوش مقولة “إما معنا أو ضدنا”، وترسيخه لفكرة أن العالم يكره الأميركيين من خلال سؤال “لماذا يكرهوننا؟”. وفي السنوات الأخيرة، وخاصة بعد أزمة 2008 العالمية، انتشرت في الشارع الغربي، وخاصة الأميركي، أحكام تعميمية كثيرة، منها ما يدور حول الخطر الأصفر الصيني، وحول الخطر الإسلامي، وأيضًا حول كذب وفساد الطبقة السياسية والمالية التي سببت الأزمات الاقتصادية، وانحسار الثقة بالنخبة الفكرية الصانعة للرأي العام، وقد رأينا أن أهم مرتكزات دعاية ترامب الانتخابية كانت التشكيك في الإعلام والسياسيين والأكاديميين والاحصاءات الرسمية.

إن وصول ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة الأميركية، وصعود اليمين الأوروبي المتطرف، ليس حدثًا مفاجئًا خارج السياق التاريخي، بل هو نتيجة حتمية لفوضى أسسها النظام العالمي الجديد الأميركي، هذه الفوضى خلقت ثغرات كبيرة، استطاع من خلالها اليمين الغربي المتطرف القفز والانتشار السرطاني ضمن هذه المجتمعات، فالمسؤولية الإنسانية والأخلاقية -في الواقع- ليست على هذا اليمين فحسب، وإنما على الطبقة السياسية والنخبوية الغربية أولًا، وبمباشرة أكثر؛ وصول ترامب هو خطية أوباما أكثر منه حظ ترامب السعيد.

هذه الظواهر الغربية متصلة -بالضرورة- بالمشكلات التي تواجهها منطقتنا، ما بين الديكتاتوريات التقليدية الحديدية، وصعود التيار الإسلامي السياسي بجميع أشكاله المعروفة، وبلونيه: السني والشيعي؛ الفرق الأساس عن الغرب؛ هو أن الرساميل العربية، كبيرة وصغيرة، مشتركة في مصلحة تحميق العقل الجماعي؛ لأنها أساسًا نتاج نظم حكم شمولية فاسدة، لكن هذا يحتاج إلى مقال آخر.

مقالات ذات صلة

إغلاق