أدب وفنون

الفلسطينية إيمان زيّاد: نطرق الخزّان للخلاص من سيوف الاضطهاد

أحيت الكاتبة والشاعرة الفلسطينية، إيمان زيّاد، أمسية أدبية في مقر “مؤسسة القلم العربي” القاهرية، مساء السبت الموافق للرابع من الشهر الجاري، وفي اليوم التالي وقعت صاحبة “شامة بيضاء”، كتابها “ماذا لو أطعمتُك قلبي؟” (نصوص نثرية)، بمناسبة معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ (48)، وذلك في جناح “دار الجندي” المصرية، الناشرة للكتاب.

 

تُعدّ إيمان زياد من الأصوات الشعرية الجديدة في المشهد الشعري الفلسطيني، وهي تقيم في مدينة رام الله، في الضفة الغربية من فلسطين المحتلة. وقد صدر لها قبل كتابها “ماذا لو أطعمتُك قلبي؟”، كتاب بعنوان “شامة بيضاء”، (نصوص)، “دار دجلة للنشر والتوزيع”، عمّان، طبعة ثانية 2015. ويضمّ الكتاب بين دفتيه (129) نصًّا نثريًا ما بين القصير والقصير جدًا. وهي ترى في نصوصها هذه “انعكاسًا لتغيير الواقع المأسوي الذي يدور حولها، من سوداوية إلى بياض ناصع وبريق أمل يشعّ من خلالها، فهي ترى العالم بعين ِأنثى، تحلم وحلمها يولد في كبريائها، شموخها، تعاليها، رفضها، تفانيها الهادئ الذي يعجّ بتراكمات هي الأقدر على وصفه”.

ويرى النقاد أن “الشعور الأنثوي ما زال يطغى على اللون النثري الذي تعتمده الشاعرة إيمان زيّاد، في توصيف ما بداخلها، كمًّا وصفيًا، يحاكي مخيلتها التي أتعبتها أتون الحياة وجماحها”. وهي “كونها تنخرط ضمن دوامات حياتية متقلبة لا هروب منها، ولا انسلاخ إلا بقبول الصورة التي يمكن إحالتها بعد تمحص وتدبر، فهي بحاجة إلى السكينة، الهدوء، الثورة، والتمرد في الوقت نفسه. إخراج المكبوت بسلاسة، ووضعه أمام القارئ، بات لديها مدخلًا مقبولًا وغير ملوث بأزيز الحروب والعنف والمأسوية، وهي تحاول أن تسرد لنا بشاعة الأشياء التي تدور حولها، في وطنها المسلوب غصبًا، بصورة مغايرة، مثلما عهدناها عند شعراء القضية الفلسطينية الكبار.”.

“زيّاد” خصت صحيفة (جيرون)، بشهادة أدبية عما تواجهه المرأة العربية عامَّة، والفلسطينية خاصَّة، من عنف واضطهاد، متنوع ومتعدد المشارب، على اختلاف الثقافات وتعددها في الفضاء العربي، في مطالع الألفية الثالثة، فكانت هذه المكاشفة الإنسانية بلغة الأنوثة والشعر بعنوان: “نطرق الخزّان للخلاص من سيوف الاضطهاد”.

 

الشهادة الشاهدة

إن كنت سأتحدث عن واقع المرأة العربية عمومًا فإنني بالتأكيد سأظلم الكثيرات في مسألة الموازنة بينهن؛ فالمرأة العربية القابعة في زنازين القاهرة تختلف معاناتها عن تلك المعروضة على رفّ النخاسة في أسواق “داعش”، أو التي يتناوب على اغتصابها عشرات المنحرفين في العراق أو سورية، هي ليست نفسها التي جرّها الرمل في ليبيا بين المتنازعين على البلاد، وهي ليست نفسها التي تُرجم ويباح دمها في بلاد أخرى تتاجر بالله، وهي ليست نفسها سلعة الجنس في بلادنا العربية، وهي ليست نفسها التي يمنعها القانون من نسب أبنائها إلى جنسيتها، لتظلّ غريبة بهم، وهي ليست نفسها التي تُقتل بوصفها حاملة شرف العائلة في قانون العهر العربي، وهي ليست نفسها القابعة في صحراء المغرب تنتظر التحرير، وهي ليست نفسها المعتقلة في سجون الصهاينة، كأنها لم تُخلق لتمدّ هذا الكون بالحياة والطمأنينة.

قد تختلف النساء في أنواع التعذيب الذي تواجهه وتختلف في قدرتها على تحمّله. لكنّها بالمجمل؛ تضحي طالما المُعذّب عدو وقاتل وقاهر، بغض النظر عن أسباب الاختلاف معه. إنهنّ مختلفات، وإن تقاطعت معاناتهن. وعلى الرغم من كل هذا، سأفرش بساط واقع المرأة الفلسطينية وأرمي بياضها؛ المرأة التي عانت وما زالت من سطوة الاحتلال الصهيوني الذي -بالطبع- لا يُفرّق بين رجل وامرأة، وبخاصة الآن، في ظلّ تجاهله لكل ما يُسمّى بالمواثيق الإنسانية والمعاهدات الدولية، ليزيد من انتهاكاته للمرأة الفلسطينية. العالم الآن في حالة “القرد الذي لا يسمع ولا يتكلم ولا يرى” أمام ما يفعله الصهاينة منذ احتلال فلسطين في العام 1948 ولغاية يومنا هذا.

لكنّ صمودها أثبت انهيار مفهوم التعذيب والسجن وفشل الصهاينة في تطويع إرادتها، بل على العكس؛ دفعت بها التجربة إلى التمسك بالنضال حتى آخر رمق. ولقد كانت المراهنة على هذه الهمم تحتاج إلى امرأة من نور ونار؛ لتقف أمام القرف المجتمعي الذي ستواجهه. لا أدري من أين خُلقت هذه الأفكار التي تسمح بانتهاك حياتها، إذا ما تعرضت للاعتقال أو الإصابة أو تبعات ذلك، حتى لو كان على أحد آخر من أسرتها.

نعم؛ لا زالت معاناتها تكبر، وبخاصة بعد ظهور الحركات الديّنيّة التي لم يجد أتباعها سبيلًا لفرض أفكارهم إلا من خلال السيطرة على جسد المرأة أولًا، ومن ثم عقلها.

قد تنتهي تهمتها من الصهاينة، لكن المجتمع الذكوري لا ينفي عنها أسئلة تظلّ تلاحقها حتى بعد موتها، ويزيد المجتمع من العُقد في المنشار على كل نساء الوطن، وتزيد الممنوعات، ويزيد القمع والقهر والتعذيب المجتمعي؛ ليشمل كل الناس باسم الدين والخطيئة، والصح والخطأ؛ إذ يُنصّب الذكر نفسه قوّاما عليه ومقررًا وقاتلًا.
أنا لا أنفي أن في مجتمعي استثناءات، لكن هذه الاستثناءات لم تستطع تغيير مجرى الألم المصبوب على المرأة، ولا سيما بعد الانقسام المخزي والقميء بين الضفة وغزة، واتفاق الطرفين على قمع المرأة أكثر.

إن أهم إنجازات السلطة، في غزة، كان منع المرأة من تدخين الشيشة في الأماكن العامة، فربما هي إن فعلت تدعو المتفرج إلى حجرة نومها، لا أدري.

وأهم إنجازات السلطة في رام الله، استقبال قرابين أكثر من النساء المذبوحات على خلفية الشرف؛ لأنه لا مجلس تشريعي يقرر وقف قانون يعتزّ بهذا القتل.
آسفة جدًا، الواقع أوسخ بكثير وألعن، فنحن الآن نصدّق أن لنا دولة، وننتظر آخر الشهر لنقف في طوابير الرواتب، وفي الوقت ذاته، تنسلّ كل سيوف الاضطهاد للمرأة، وأكاد أجزم أن جدة جدتي عاشت في أوضاع وحريّة أكبر من اليوم.

 

الكتابةُ

هي تدوين لتاريخ اليوم، وحفظ روح هذا الوقت للأجيال اللاحقة، والكلمة قد تشعل ثورة إن كانت موّحدة، ولكننا -مع الأسف- نجد أنفسنا منقسمين على أنفسنا، سياسيًا وجغرافيًا وجنسيًا، فكيف يصبح الحرف حجرًا على رأس الساسة والأفكار الذكورية.

الكتابةُ فعل واضح موجه باتجاه قضية معينة، فلماذا مهما طرقنا الخزّان لا أحد يفتح لنا الباب؟؛ لأن طرقاتنا متفرقة وضعيفة.

الكتابةُ تحتاج إلى ظهر، والظهر بالمعنى العامي سند يعتمد الكاتب عليه حتى يُسمع قوله من دون أن يُعتقل أو يتأذى، فلا حرية للرأي والتعبير، ولا صوت يعلو من دون ظهر، والصوت الذي له ظهر سيكون صوتًا مواليًا ومُقنعًا. ومع كل هذا سيأتي نهار نعود به إلى نسب أمهاتنا، ونرسم تاريخًا نظيفًا من كل زيف.

 

جدير بالذكر أن الكاتبة والشاعرة الفلسطينية، إيمان زيّاد، من مواليد الأردن، وهي تعيش منذ طفولتها في فلسطين. حصلت على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية وآدابها، ودرجة الماجستير في “النوع الاجتماعي والتنمية” من جامعة بيرزيت، وتعمل في مجال التدريب والدراسات في مجال التنمية والجندر.

مقالات ذات صلة

إغلاق