قضايا المجتمع

الإسلام والمواطنة

استطاع التيار التنويري الأوروبي الذي قاد صراعًا ضد الكنيسة والقصر، من خلال فلاسفة ومفكرين وإصلاحيين، وضع اللبنات الأولى لمفهومات حقوقية معاصرة، على رأسها المواطنة والديمقراطية والعلمانية.

وساهم الفكر السياسي الحديث في تأطّير مفهوم المواطنة من خلال الحقوق الواجب أن يتمتع بها المواطن، لكنه ربطها بثقافة الديمقراطية وممارساتها من جهة، والعلمانية من جهة أخرى. وبتطور هذه المفهومات انتهت الدولة الأيديولوجية، ولم يعد الناس على دين ملوكهم؛ إنما بما تحتوي دساتيرهم؛ وباتت الدولة اليوم محايدًة اتجاه كل مواطنيها دون تمييز ديني أو قومي أو مذهبي.

وبما أننا نعيش في جغرافيا تشهد صراعًا بين أنظمة مستبدة وشعوب تطالب بحقوقها؟ فإن الانتقال إلى شكل الدولة الجديد، يتطلب -أولًا- تحقيق مفهوم المواطنة بما يقتضيه ثقافيًا وسياسيًا واجتماعيًا؛ كي نخطو الخطوة الأولى باتجاه التنمية والحضارة.

يتطلب ذلك من التيار الإسلامي إجراء مراجعات لمصطلحات فقهية كثيرة لم تعد صالحة لعصرنا، ومعرقلة لعملية التحول الحضاري، ومن هذه المصطلحات (أهل الذمة) وهو اجتهاد فقهي كان متوافقًا مع شكل(دولة الخلافة) ذات الطابع الديني، لكنه غير صالح لترسيخ ثقافة وتأسيس دولة المواطنة المحايدة تجاه مواطنيها كلهم؛ لما يترتب على المصطلح من أحكام فقهية؛ تميز بين المواطنين على أساس ديني؟!.

فما الفارق بين المواطنة وأهل الذمة؟

حقوق المواطنة معروفة تاريخيًا، وإنْ لم تكن بالمسمى والتوسع المعاصر ذاته؛ إذ كان يمنح الإنسان ما يسمى “حق التراب”، أيّ: العيش وسط قوم له مالهم وعليه ما عليهم، ولقد تضمنته (صحيفة المدينة). والمانح لحق التراب مسألتان: حق الدم أيّ نسب الإنسان إلى قومه؛ ومصاهرة مجتمع ما والعيش معه.

المواطنة لغًة: اسم، ومصدر واطنَ، ومنه مواطن اسم فاعل من واطنَ، فنقول: واطن سكانَ البلد. أي عاش معهم في موطن واحد. وهذا المصطلح في الدولة الحديثة يمنح صاحبَه حقوقًا كاملة غير منقوصة سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، يتساوى فيها مع باقي مواطني الدولة التي يعيش فيها.

أما ذمّي: فمصطلح فقهي ارتبط في الذهنية الفقهية والإسلامية عمومًا، ويُقصد به المواطن الذي لا يدين بديانة غالبية أهل الوطن، ومن ثَمّ؛ فهو ممنوع من تولي مناصب معينة؛ ويدفع الجزية.

ولا يمكن الولوج في النسق العالمي المتقارب جدًا نتيجة الثورة الإلكترونية لنكون جزءًا منه؛ ولن ننجح في إنشاء دولة حديثة قبل الانتهاء من معضلة مصطلح “أهل الذمة” الذي ينتقص من حق غير المسلمين، من أبناء الوطن؛ نتيجة أحكام فقهية سالفة.

الإسلام والمواطنة

حتى تُزال عوائق تأسيس دولة المواطنة، نحن بحاجة ماسة إلى مراجعات شاملة، لثقافتنا وأفكارنا ومصطلحاتنا التاريخية تجاه الآخر إنسانيًا ووطنيًا ودينيًا، وبما أننا نطالب دائمًا بمراجعات لإرثنا التراثي، فإن أولى تلك المراجعات تتعلق بأهل الذمة؛ حتى نصل إلى الدولة الحديثة.

إن أي دارس منصف للقرآن الكريم، سيجد بوضوح أنّ الإنسان هو القيمة المركزية له؛ فالقرآن الكريم يبدأ باسم الله وينتهي باسم الإنسان(الناس) ويؤكد أن البشر كلهم ينحدرون من أصل واحد ومكرمون إلهيًا. ولا يقبل بالانتقاص من حق الإنسان لاعتقاده؛ حتى ولو كان الاعتقاد مخالفًا لما عليه أبناء المجتمع.

مفهوم أهل الذمة لم يذكر في القرآن إطلاقًا! بل هو اجتهاد فقهي وعُرف عالمي، كان مقبولًا في المجتمعات كلها، لكنه لم يعد كذلك اليوم، وبما أن الإسلام يقوم على العدل ويدعو إليه؛ ويحضُّ على المساواة بين خلق الله؛ وبما أن دولة المواطنة تنشد العدل والمساواة لمواطنيها في الحقوق والواجبات؛ فليس هناك مانع شرعي من استبدال مصطلح “أهل الذمة” بالمواطنة وتجاوز ذلك الاجتهاد الفقهي وما يترتب عليه.

ولا بد من الاعتراف أن هذا المصطلح بات مؤذيًا لغير المسلمين في مجتمعاتنا؛ ويُنقِص من حقوقهم السياسية والثقافية والاجتماعية، وحول ذلك يقول الشيخ يوسف القرضاوي:

إن كلمة أهل الذمة إذا كانت تؤذي المواطنين من غير المسلمين فلا حرج من حذفها، ولا مانع من أن تستبدل بها كلمة مواطنين، وقد ذكر الفقهاء أهل الذمة من أهل دار الإسلام، ومعنى أهلية الدار هو المواطنة بالتعبير الحديث.

ويُسجل هذا الاجتهاد للمجدد رفاعة الطهطاوي؛ إذ إنه أول من طالب به، وأطلق عليه وصف “المنافع العمومية”، كذلك الفقيه الدستوري الكبير عبد الرزاق السنهوري، طالب بإعادة النظر في فقه المعاملات، قائلًا: العبادات لا اجتهاد فيها، أما المعاملات فهي محل اجتهاد، بما يتوافق مع العصر. لكنه اضطُهِدَ فخسرنا مفكرًا ومجتهدًا قلَّ نظيره.

أما المفكر الإسلامي فهمي هويدي، فعدّ إلغاء مصطلح أهل الذمة مساعدًا مهمًا في إعادة بناء الجسور بين أبناء المجتمع الواحد؛ لأجل نهضته قائلًا:

إذا حاولنا أن نضع أيدينا على مفاتيح الجسور التي أقامها القرآن والسنة بين المسلمين والآخرين، يكفينا -في البداية- أن نمسك بمفتاحين، الأول في سورة البقرة: لا إكراه في الدين. المفتاح الثاني في السورة ذاتها (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين). يقودنا المفتاح الأول إلى التعرف على الأصل في رؤية الإسلام لمسألة الاعتقاد؛ ما يعطي الاعتقاد حصانة غير قابلة للانتهاك، ويفتح الأبواب للحوار بالحكمة والموعظة الحسنة. حيث أخوة الإنسان هي القاعدة، والكلمة الطيبة هي الوسيلة. ويقودنا المفتاح الثاني إلى التعرف على الأصل في موقف الإسلام من قضيتي الحرب والسلام، إذ إن المسلمين مطالبون بالتعايش مع نظرائهم في الخلق تحت ظلال المودة والرحمة، ما يفتح أبواب التعاون على مصاريعها.

أما ما أنتجته المدرسة السلفية ضد الآخرين بعنوان “الولاء والبراء”؛ فإنه قائم على فهم مغلوط لآيات قرآنية، ومناٍف للعدل والمساواة ودعوة الإسلام إلى التشاركية العالمية، وهي مقاصد ثابتة قرآنيًا، وأما محاولة مُنظِّر السلفية الجهادية “أبو محمد المقدسي” في كتابه “ملّة إبراهيم”؛ لتأصيل تلك العقيدة فلم تكن مقنعة إطلاقًا؛ إذ ردّ عليها فقهاء سلفيون وخالفوه في ما ذهب إليه؛ لكن كتابه المذكور باتَ مرجعًا للسلفية الجهادية في هذا الباب.

القرآن الكريم فتح لنا أبوابًا مع غير المسلمين، مصاهرًة ومتاجرًة ومعايشًة وتحاورًا؟! لكن الابتعاد عن الثقافة القرآنية أدى إلى انحرافات فقهية انتجت تمييزًا وظلمًا للآخرين. القرآن وإنْ لم يتحدث عن مفهوم المواطنة كما نعرفه اليوم، إلا أنه ذمَّ أقوامًا مارست التمييز والاضطهاد ضد الأخر من أبناء المجتمع على أساس ديني أو عرقي؟ فدافع أرقى دفاع عن المسيحيين حينما جرى اضطهادهم من السلطة الحاكمة في (سورة البروج) وذمَّ كثيرًا اضطهاد فرعون لبني اسرائيل، وأوضح أن أكبر عقوبة للإنسان تتمثل بإبعاده من موطنه؛ لاعتقاده أو لمعارضته السياسية، ولقد مورس هذا الاضطهاد ضد غالبية الأنبياء، عليهم السلام؛ إذ أُبعدوا من مواطنهم وحُرموا مواطنتها؟

ولا يعني طرحنا هذا للمواطنة أننا مستلبون غربيًا، كما يتهمنا أصحاب الثقافة التربصية المقدسون للتراث! إنما يعني أننا منسجمون مع هدي القرآن ومقاصده، وثبت أنّ الدولة المحايدة دولة المواطنة هي الأكثر عدلاً مع مواطنيها. فإذا كانت المواطنة مقصدها العدل فالإسلام لا يكون إسلامًا إلا بالعدل. وإنْ كان المقصود بها التكريم الآدمي فالقرآن أول من حثّ على هذا! وأمرنا أن نحكم بين الناس، لا على الناس، بالعدل. فالدين لله والوطن للجميع.

ومن يعارض ذلك من الاسلاميين بذريعة “بدعة الولاء والبراء” فنقول له: إن الخلق كله عيال الله كما قال رسول الله، فلا مانع من المواطنة إسلاميًا إلا عند من يرى نفسه من الاسلاميين أنه شعب الله المختار.

يمكن من خلال الوعي والمعاصرة والاسترشاد بمقاصد القرآن، تأصيل مفهومات المواطنة والديمقراطية والمجتمع المدني، المؤسسة لثقافة السلم الأهلي، وأنّ المراجع الإسلامية المؤصلة لنظرية الحقوق في الإسلام تؤكد هذا!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق