مقالات الرأي

في العنف السياسي والاجتماعي

العنف هو التسبب في أذى نفسي أو جسدي أو في الممتلكات، وتجلياته الوفيرة تظهر في الفكر أو القول أو السلوك، وهو ظاهرة حياتية ارتبطت بالأحياء عامة، وبالإنسان خاصة، وهو ممارسة موجهة، تتأثر بالثقافات والطبائع المهيمنة، وتم النظر إليه على سويات متعددة، بحسب الدوافع والأسباب والنوعية.. والأصل في الطبيعة هو العنف الذي يتجلى بوصفه أحد مظاهر صراع البقاء، وعلى المستوى الإنساني يولد الإنسان عنيفًا، وإن كان من حيث الممارسة لا يبدو كذلك، فأصل العنف يتعلق بالاستئثار والاستحواذ ومركزية الأنا (الفردية أو الجمعية لاحقًا)، فالطفل يبدأ بإدراك العالم من خلال محيطه، وبوصفه مركزًا لهذا المحيط، ويتميز بأنانية مفرطة تمنحه الإحساس بأنه يجب أن يستحوذ على كل شيء، ولضعف بنيته يعبر بالبكاء والتجهم إذا مُنع من أي شيء، ولو كانت لديه قدرة على ممارسة العنف، لربما مارس عنفًا بلا حدود، مع نمو قدرات الطفل، ينمو إدراكه وفهمه، وتهذبه الثقافة التي يحيا في وسطها، ليتحول إلى كائن أقل عنفًا غالبًا. فالطابع الإنساني وإن كان يرتكز على قدرات بيولوجية وفيزيائية، إنما يأتي من البيئة، وليس من البنية، بمعنى آخر يكون الإنسان إنسانًا بثقافته وممارساته، وليس ببدنه أو مظهره.

ما يضبط العنف هي الثقافة، فالمنجز الفلسفي والأخلاقي يرتقي فكريًا وتاريخيًا من خلال لجم العنف وتقنينه، إلا أن التفسيرات الحافة بهذه المنجزات بحد ذاتها تتحول إلى محرضات على العنف، لذلك؛ فإن العنف الممارس باسم الأخلاق أو المبادئ (السامية) يكون أكثر ضراوة واتساعًا، وهذه الإشكالية لا يمكن حلها، ما لم يجري التعامل مع العنف على أنه وباء، ينتشر بقدر ما تتوفر له البيئة الملائمة، وأنه جائحة لا يمكن ضبطها أو منعها ما لم تقترن مواجهتها بثقافة أشبه بالثقافة الصحية التي تقلق من ظهور الوباء في أي بقعة من العالم، خشية انتقاله وانتشاره.

وإن كانت مواجهة الأوبئة والجوائح مهمة عامة، يتصدى لها الجميع، كذلك العنف، لا يمكن ضبطه أو لجمه إلا عبر إدراك هذا الشبه، والعمل عليه (على المستوى الإنساني عامة)، فالتوجهات السياسية التي تدير العالم من خلال خلق الأزمات السياسية والاقتصادية والثقافية، لا تستطيع أن تحصر هذا العنف في بيئة معينة، لأن العنف يتشظى، وينتشر، ويقتحم أكثر المجتمعات تحصنًا ضده، هذا الفهم لم يتجذر في الواقع الإنساني، وسيبقى العامل الأكثر تدميرًا للحضارة. ما لم يقترن فهمه بتأصيله في السياسات العامة، لأن محاربة العنف لا يمكن أن تجري عبر الاقتصار على بيئات محددة، وهذه المهمة مُناطة بالمجتمعات الأكثر هيمنة بالدرجة الأولى، لأنها -من جهة- تنمي العنف من أجل استمرار الهيمنة، ومن جهة ثانية، لا تقوم بمعالجته، بوصفه وباء يجب لجمه في كل مكان لئلا ينتشر.

ولذلك؛ فإن أي نظام عالمي قائم على التمييز لن يستطيع أن يحقق انتصارًا حاسمًا على العنف، والمؤسسات الأممية وعلى رأسها (الأمم المتحدة) غير صادقة في زعمها محاربة أشكال العنف والتطرف، وعاجزة عن معالجته، لأن بنيتها قائمة على الامتيازات والاستثناءات.

وعلى المستوى الاجتماعي، فإن مظاهر العنف وممارساته أيضًا ترتبط بالسياسات، وبالسياسات الداخلية على الأخص، ويختلف عن العنف الأيديولوجي كليًا، فالعنف الأسري أو الاجتماعي، يجري تفسيره من خلال تفسيرات ثقافية أو عرقية، وهو تفسير سياسي مجانب للحقيقة، يتعامى عن كونه تعبيرًا عن الضغط والضياع وعدم الاستقرار، ولو دققنا في العنف الاجتماعي لوجدنا أنه ينتشر في الأسر الفقيرة والكادحة، والبيئات المهمشة، وقلما يظهر في الأسر المستقرة والبيئات التي تستأثر بالاهتمام، في خضم الهجرات الديموغرافية الراهنة، تشير السلطات في مجتمعات الهجرة إلى نسبة مرتفعة من العنف الأسري تجاه الأطفال والنساء والعاجزين، وأيضًا العنف الاجتماعي، وخاصة بين الفئات الشابة، وتعالج الأمر بردّه إلى الثقافات التي يأتي منها هؤلاء المهاجرون، لذلك؛ تتسم سياسات الاندماج بأبعاد ثقافية فحسب، بينما تهمل العوامل الاقتصادية التي تؤمن السكن والمعيشة والاستقرار، مع أن كل حوادث العنف إنما تكون نتيجة فقدان هذه العوامل. فالعنف يظهر في الأسر التي تعاني أوضاعًا اقتصادية وحياتية قاسية، بينما يغيب في الأسر الآمنة المستقرة، بغض النظر عن خلفيتها الثقافية أو الأيديولوجية، لا شك في أن هناك نسبة من العنف تمارس بسبب الاختلافات الأخلاقية والحقوقية، إلا أن النظر إليه من خلال هذا البعد وحده لن يحل المشكلة، بل إنه يفاقم العنف والأزمات المولدة له.

سياسات الاندماج ما لم تبدأ بالاستقرار المعيشي، فإنها تكون مشبوهة، وتتحول إلى سياسات تدجين، لدفع الفئات المهاجرة للعمل في قاع المجتمع، وحتى مبادئ تكافؤ الفرص، لن تفلح في إنقاذ هذه الفئات من هذا المصير، لأن إتاحة الفرص في عدالة يجب أن تبدأ بإتاحة البيئات المهيئة لاستثمارها.

ومثالًا على ذلك، فإن عقوبة الأطفال في الإرث الثقافي التربوي للعرب والمسلمين، تمر في مراحل ست، تبدأ بالإعراض، وتنتهي بالتنبيه، ثم تكرر هذه الخطوات، ولا تصل إلى التوبيخ مثلما هو في بعض الثقافات الأوربية والغربية عامة، ذلك أن التوبيخ بحد ذاته درجة من درجات الإهانة. ومع ذلك فإن ظاهرة العنف تجاه الأطفال واضحة في المجتمعات العربية والإسلامية، وأيضًا في بيئات المهاجرين منها، هذه الظاهرة ليست ظاهرة ثقافية، إنما ظاهرة اجتماعية ناتجة عن طبيعة الأنظمة الحاكمة وأدوات الإنتاج فيها، وأيضًا الأحوال والتحولات الاقتصادية. فضغوطات الحياة اليومية، والإحساس بالعجز أو الإجحاف ينميان عوامل العنف داخل الأفراد، الذي -بالتأكيد- سيتجه نحو الفئات المستضعفة كالأطفال والنساء والعاجزين من المسنين والمعوقين.

لا شك أن العنف السياسي الناتج عن القمع والكبت والاستبداد، يفرز مزيدًا من مظاهر العنف وأنواعه في المجتمع، وتعزز من مستوياته وانتشاره السياسات الاحتكارية والاستعمارية والاستعلائية، التي أيضًا تدمر البنى الاجتماعية المستقرة، سواء بالأزمات السياسية أو الاقتصادية. احتكار السلطة غالبًا ما يتم تحت شعارات كبيرة، وتمنح السلطة الحاكمة لبنيتها حق التعسف في فرض تصوراتها بحجج شتى، تتصدرها حجتان: المحافظة على الثقافة الخاصة وحماية المجتمع، والتنمية الشاملة باتجاه الأفضل في كل المجالات. وهما أمران لا يمكن تحقيقهما في ظل القمع والاستبداد.

أي جهد حقيقي تجاه لجم العنف ومحاربته، يجب أن يقوم على إدراك أنه لا يختلف عن الأوبئة، بمعنى التصدي له حيثما ظهر، وبأي شكل تجلى، ومهمة التصدي له لا تتوقف على المحاسبة، إنما وبشكل رئيسي على تجفيف منابعه، ومعالجة دوافعه. من خلال إدراك عميق بأن العنف لا يمكن حصره في بقعة دون أن ينتشر في سواها، وأنه لا ينحسر إلا بعوامل الاستقرار.

ربما لا زال الواقع الإنساني بعيدًا كل البعد عن هذا الإدراك، أو هذه الممارسة، وقد يتطلب فهم العنف المزيد من الوقت والدماء والدمار، إلا أنه يبقى الأفق الذي لا بد منه.. والذي يحول مجريات الصراع بين البشر، إلى صراع مع البيئة، عندما يعي الإنسان خرافة الندرة، وأن هذه الكرة الأرضية تحتمل من البشر ما يفوق عددهم اليوم بعشرة أضعاف، أو عشرين ضعفًا.

جاري العجوز يكرر القول: الضيق يا بني ليس في الأمكنة، إنما هو في النفوس!

مقالات ذات صلة

إغلاق