مقالات الرأي

في سؤال الهوية أو من نحن؟

“نكون أو لا نكون”، هذه جملة عودتنا عليها الخطابات السياسية التي سادت في العقود الماضية، مع أنها تنطوي على مشكلات عديدة، أولها، أنها تغفل الحاضر، بكل مشكلاته، وتذهب مباشرة إلى المستقبل. وثانيها، أنها تعتقد أن معضلات العالم العربي تنبع من المشكلات والتحديات الخارجية. وثالثها، وربما أهمها، أنها تتعاطى بصيغة الـ “نحن”، أي بلغة جمعية، بعدّ أن مجتمعاتنا بمنزلة كتلة واحدة، صلبة وناجزة ونهائية، وهو ما ثبت عدم صحته، بدليل أحوالنا اليوم.

بديهي أن هذه النظرة الواحدية التنميطيّة، تعسّفية وقاصرة ومضرّة، والمشكلة أنها هي التي تفسّر تعاطي بعضهم مع مشكلة اليمن، مثلًا، بوصفها تكمن في وجود الحوثيين، وفي أمكنة أخرى ربما في وجود الأمازيغ، أو الكرد، أو النوبيين، أو الاقباط، أو الشيعة، مثلًا، كأن هؤلاء هبطوا من السماء، أو غرباء أتوا من خلف الحدود، وليسوا من نسيج هذه المجتمعات وجزء من ثقافتها وحضارتها.

الواقع أن هذا النمط من التفكير المطلق والساذج يؤدي إلى إضعاف مجتمعات المنطقة وتفكيكها، بدل أن يقويها، وهذا ما يمكن ملاحظته من تجربة حكم حزب البعث (القومي) في العراق وسورية، إذ إنه يدفع بعض مكوناتها لإيجاد بدائل للدفاع عن ذاتها من خارج الحدود، أو يجعل الوحدة المجتمعية هشة وقلقة ومحكومة بالمخاوف المتبادلة وانعدام الثقة، كما أن هذا وذاك يحفّزان ديناميات الصراع الهوياتي، التي من شأنها تفكيك المجتمعات المعنية.

وعدا عن أن مشكلة أي جماعة بشرية لا تكمن في هويتها، إثنية أو دينية أو مذهبية، وإنما هي تكمن في نمط السلطة السائدة، ونمط الحكم وتوزيع الموارد، أي إنها مشكلة عامة، فإن مشكلة الجماعات المذكورة، لا تكمن في وجودها، بقدر ما تكمن، أولًا، في تبنيها سياسات استئصالية، كردة فعل على ما تعتقده ثأرًا للمظلومية التي وقعت عليها في زمن سابق. وثانيًا، في قبولها الانضواء في التوظيفات السياسية لدول إقليمية، ما يموضعها خارج إطار أي مشروع وطني في مجتمعاتها. وثالثًا، في انتهاجها العنف بدل انتهاج الوسائل السلمية والديمقراطية، وهو ما تفعله جماعة الحوثي في اليمن والميليشيات الشيعية في العراق و”حزب الله” في لبنان والجماعات الإسلامية المسلحة والمتطرفة في سورية، وجماعات كردية في هذا البلد أو ذاك.

هكذا اكتشفنا في السنوات الماضية، وبسبب الأيديولوجيات السلطوية، ملكية وجمهورية، قومية ودينية، أن مجتمعاتنا مفكّكة، وهوياتنا ملتبسة، وأن إجماعاتنا، وإدراكاتنا لذاتنا متوهّمة، أكثر مما نعتقد. فقد عرفنا، في وقت متأخّر، وبثمن باهظ، أننا لسنا عربًا فحسب، أو مسلمين فحسب، إذ إن هؤلاء يتوزعون سنّة وشيعة ودروزًا وعلويين واسماعيليين وسلفيين وصوفيين وجهاديين. وثمة عرب مسيحيون، أرثوذوكس وكاثوليك وبروتستانت. فوق ذلك؛ ثمة أكراد ونوبيون وأقباط وأمازيغ والتركمان والشركس. وإلى جانب الهويات القومية والاثنية ثمة هويات، أو انتماءات وعصبيات أيديولوجية، لا تقلّ في أهميتها عن سابقتيها.

والحقيقة فإن المشكلة لا تكمن في التنوّع والتعدّدية، وإنما في محاولة إخفائها أو في محاولة قتلها، ذلك أن هذين (التنوّع والتعدّدية) ربما يكونا عامل حيوية وإثراء وقوّة للمجتمعات المعنية، في حال توفّرت لذلك الإدارة الملائمة، والنظام السياسي الملائم، والثقافة المنفتحة والمتسامحة.

وحقًا إنه لمن المدهش، مثلًا، أن ترى في بلد حديث، من الناحية الزمنية، كالولايات المتحدة الأميركية، التي يقاس عمرها ببضع مئات من السنين، تعايشًا سليما بين مواطنيها الذين يتحدّرون من كل أجناس الدنيا وأديانها، وأن يحدث ذات الأمر، أيضًا، في بلد موغل بالتاريخ مثل الهند، مع أكثر من مليار نسمة. ولعل ردة فعل المجتمع الأميركي على قرارات رئيسه (دونالد ترامب) أخيرًا دليلًا على ذلك، أي إن التسامح الداخلي ينتج عنه تسامحًا مع الخارج أيضًا.

في مقابل هذين البلدين (الولايات المتحدة والهند)، فإن واقع البلدان العربية يبعث على المرارة، والحسرة، ولا سيما مع عدّ العرب لذاتهم أمة عريقة تمتد لآلاف السنين، ومع اعتدادهم بلغتهم العربية، وبثقافتهم المشتركة، إذ إن كل ذلك لم يجعل التعايش في المجتمعات العربية سليمًا، وبنّاءً، ولم يؤمن الهوية الوطنية أو القومية الجمعية، على النحو الحاصل في الهند أو الولايات المتحدة، مع ما نشهده من سيادة الانتماءات قبل الوطنية (الاثنية والدينية والعشائرية والمناطقية) في مختلف البلدان العربية.

واضح أن الفارق يكمن في أن الدولة في الهند، وفي الولايات المتحدة، انبنت على المواطنة الفردية، أي على العقد الاجتماعي بين المواطن الفرد، الحر، والدولة، وليس على العقد الاجتماعي بين الدولة، والجماعات الاثنية أو الدينية. ذلك أن غياب الدولة، بعدّها دولة مؤسسات وقانون ومواطنين، ينفي الفرد لصالح الجماعة الدينية في أحوال معينة، والاثنية في أحوال أخرى ينتمي إليها ليس بخيارة الحرّ والخاص، وإنما من خلال الولادة والوراثة اللتين تؤبّدان الهويات والعصبيات ما قبل الوطنية.

على ذلك لا مناص للخروج من التفكّك الاجتماعي والاحتراب الأهلي، إلا بالتحول إلى دولة مواطنين، ديمقراطية دستورية، وقبول واقع الاختلاف والتنوع والتعددية في مجتمعاتنا، وعدّها عامل قوة وحيوية وغنى. هذا ما أفادت به التجربة الأوروبية، مثلًا، ويبقى لنا اختيار كيفية تعلم هذا الدرس، بالطريقة الصعبة او بالطريقة السهلة.

مقالات ذات صلة

إغلاق