أدب وفنون

السمكة الذهبية

“أيتها السمكة الذهبية، احترسي، أوهاق وشباك كثيرة ممدودة إليك في هذا العالم”.

هذا ما جاء في مقدمة الرواية، وفي المتن:

“لا أعرف اسمي الحقيقي، الاسم الذي وهبتني إياه أمي يوم ولادتي، ولا أعرف اسم والدي ولا المكان الذي ولدت فيه. كل ما أعرفه هو ما قالته لي المرأة العجوز التي اشترتني، “لالا أسمى”، وصلت عندها ذات ليلة ولهذا سمتني ليلى: الليل. أتيت من الجنوب، من البعيد جدًا، ربما من بلاد لم يعد لها وجود. بالنسبة إليّ لم يكن هناك شيء من قبل، وحده ذلك الشارع المغبر، الطير الأسود والكيس.

عندما تتحول الأسماء من ذات إلى موضوع، وتنتقل نقلة نوعية، وتتغير تبعًا للموضوع، تموت الذات وتتحول إلى شيء. ولالا أسمى، هذا أيضًا ليس اسمها الحقيقي”.

إننا أمام مأزق حقيقي. يقول النص: إن اسمها أرينا، يهودية إسبانية. حين اندلعت الحرب بين اليهود والعرب في الجانب الآخر من العالم، كانت الوحيدة التي لم تغادر”الملاح” في المغرب. اعتصمت وراء الباب الأزرق الكبير وامتنعت عن الخروج.

إذن، إنه سجن، عزلة اغترابية ذاتية أو تمرد على هيكلية هذا العالم. إن يولد الإنسان في مكان مسدود الأبعاد، في حالة عزلة عن وجوده، ومن دون إدراك لهذا الوجود، أو مفاتيح ثقافية، كممر عبور إلى هذا العالم المأسور، الذي يحول حياة المرء إلى سجن، إلى عالم مركب من الوحدة، وفقدان التوازن. في هذه الحالة، ماذا عساه أن يفعل؟

النص الروائي الذي بين أيدينا، السمكة الذهبية، للروائي الفرنسي، جان ماري كوستاف لوكليزيو، بسيط في لغته وحبكته، يغلب عليه السرد الطويل، بيد أنه عميق في تناول موضوعه من داخله. ويمكننا الدخول في ممراته من خلال الأسلوب الشيق والسهل.

ننزل مع النص رويدًا رويدًا في متاهات الواقع المتعدد، ندخل إلى عوالم الناس المتناثرة والمتناقضة، والمدن الصغيرة والكبيرة، الفقراء والمهمشين الذين يبحثون عن وجودهم في عالم قاس ومشتت.

يسلط الضوء على غربة الإنسان، اغترابه، عدم القدرة على الإمساك بنفسه، بموطئ قدم، يضع روحه وجسده عليه. إنه البحث القلق عن كل شيء: بحث عن الأمان المفتقد والحرية المفتقدة، ونزوح نحو تأكيد الذات الغائبة، ومحاولة القبض على المجهول، والخوف من الضياع.

ليلى، الطفلة الصغيرة الضائعة، عاشت طفولتها من دون هوية، أو اسم أو انتماء، في عالم مركب وقاس، في مكان ضيق. تخاف الظلمة والليل: “أذكر أنني كنت أستيقظ أحيانًا، وأحس بالخوف يدخل إليّ ثعبانًا باردًا”. تخاف من كل شيء، من الأصوات المسموعة من الشارع، من الرجال. وإذا حاول أحدهم أخذها إلى خارج فناء البيت الذي تعيش فيه: “كنت أصرخ وأبكي متعلقة بالجدران، أو أركض لأختبئ تحت إحدى قطع الأثاث”. بيد أنها تعشق الفضاء الطلق، السماء، والطيور: “كنت أعشق صيحات الطيور عند الفجر، صرير طيور الخطاف في الربيع بمحاذاة الأسطح”.

إنه الخوف الوجودي، عدم الشعور بالأمان في مكان مستقل عنها، عن موطنها وموطن الإنسان كله. أحيانًا كثيرة، يسوح المرء وراء السؤال: “من أين جاء الإنسان، من الفضاء أم من الأرض؟ ولماذا لا يتصالح مع الأرض؟ ولماذا لديه طموح جامح أن يحلق بعيدًا عنها؟”

هذه الرواية تكثيف مركب للاغتراب والنزوع نحو البحث عن الذات في المجهول. عن أرض صلبة، يلمس من ذلك رائحة دمه، أن يقبض عليه في طبقاته، ليتأكد أنه ينتمي إليه. منذ وجد الإنسان التاريخي، منذ فجر التاريخ، والتمدن والأنسنة، وهو في حالة تشتت، ومحاولة القبض على الريح العابرة حتى لا يصبح كائنًا عابرًا فحسب.

بعد وفاة لالا أسمى، تفجر داخل ليلى نزوع نحو الحرية، التمرد دون قيود، وعدم الركون إلى الذل والخضوع. المكان الذي لا يعجبها تتركه وتتوه في الشوارع والحارات والأماكن الأكثر قسوة، بحثًا عن نفسها كعصفور دوري، لا يقبل الأسر والسجن. زارت بلدانًا كثيرة، ودولًا كثيرة، وفعلت ما يروق لها ويتناسب مع شخصيتها. في الحقيقة، ليس سهلًا أن يعيش المرء مستقلًا، حرًا صاحب إرادة وقرار في هذا العالم المركب، الغريب. أعرف أن الموضوع ليس جديدًا. كل قوافل البشر جاؤوا تحت أغطية أخلاقية وإنسانية بيد أن محصلة ما حدث أنهم دفعوا نحو مزيد من الانحدار إلى الهاوية.

لا أحب النهايات الجميلة، ولا اتناغم معها. فهذه النهايات وهمية كما حصل في نهاية الرواية أن تصل ليلى إلى ذويها. فالوصول إلى الأهل، الجذور التي خلفتها الأنسنة ليست إلا جذورًا متحركة، قلقة لا جذور لها. ما زالت البشرية مغتربة، وستبقى، ما دامت الشروط القائمة، قائمة كما هي، ومنتجة وستنتج مزيدًا من الخضوع.

كانت ليلى، تخاف التواصل مع الناس عندما كانت طفلة صغيرة في كنف سيدتها التي رعتها، المرأة العجوز التي اشترتها، لالا أسمى: “كنت أحب كثيرًا الصعود إلى السطح لنشر الغسيل. من هناك، أرى الشارع والسطوح المجاورة، المشاة، السيارات، وحتى من بين جانبي أحد الجدران طرف النهر الأزرق الكبير. من هناك في العالي، كانت تبدو لي الأصوات أقل فضاضة. كنت أحسن أنني في مأمن.”

ما أقسى أن يعيش الإنسان في قفص، حبس من نوع مختلف، متعدد الأشكال والألوان، في عنق كل واحد قيد، له لون ومقاس، وقفل، يفتح ويغلق عليه على الرغم منه. وهل حقيقة أن الإنسان يشعر إنه في مأمن في ظل المدينة، المدنية من خارجها؟ هذه الاسئلة تحتاج إلى إجابات شافية وعميقة.

عملت الجدة، لالا أسمى، المرأة المسنة على تعليم ليلى القراءة والكتابة باللغة الفرنسية والإسبانية، والحساب والهندسة وأصول الدين، دينها: “الإله في دين الجدة لالا أسمى لا اسم له، وفي ديني اسمه الله. كانت تقرأ لي مقاطع من كتبها المقدسة، وتعلمني كل ما عليّ الامتناع عن فعله، كالنفخ على ما سأتناوله، وضع الخبز على القفا، أو أمسح بيدي اليمنى. وإنه يجب قول الحقيقة دائمًا، والاغتسال كل يوم من رأسي حتى أخمص قدمي”.

تتعرض الجدة لالا أسمى لجلطة دماغية تضطر ليلى تحت ضغط زوجة أبنها إلى الخروج من البيت والنزول إلى الشارع، لأول مرة في حياتها، وهي في الثانية عشرة من العمر: “شعرت كمن يخرج من نوم طويل.”

نسيت ليلى نفسها، ووقفت تنظر مبهوتة إلى البنات الصغار في مثل عمرها يلبسن التنانير الزرقاء والقمصان ناصعة البياض، وهن يذهبن إلى المدرسة، يحملن الحقائب، الكتب المحزومة بشريط مطاطي.

كانت ليلى متمردة بطبعها، على الرغم من أنها عاشت طفولة صعبة جدًا، خطفت من أبويها وبيعت في السوق، لا تعرف أي شيء عن عالمها القديم. تعرضت للاغتصاب وهي في الثانية عشرة من العمر. هربت من الغاصب، تمردت على عبوديتها، أصبحت في الشارع وحيدة، صغيرة في السن، بيد أن روح الحرية كانت ترفرف في قلبها وروحها. لم تكن خائفة من التشرد والضياع، خوفها كان من الشوارع الغريبة، من الأماكن الغريبة التي تتنكر لبؤسها وحرمانها من الحب والعطف والحماية.

أن تكون أنت أنت، صدى ذاتك، متصالحًا معها، مع هذه الذات العائمة المغتربة في هذا العصر، ليس بالأمر السهل. أولى خطوات التمرد هي قدرة الفرد أن يكون هو ذاته، بلا قناع في عالم يفتقد إلى الحرية والحب.

تقع الرواية في مئتين وثمانية عشرة صفحة. والكاتب جان ماري كوستاف لوكليزيو، حاصل على جائزة نوبل للآداب لعام 2008.

مقالات ذات صلة

إغلاق