ترجمات

ترامب قد يكون عامل تقسيم للشرق الأوسط

الصورة: تجمع المحتجين في مطار جون ف. كينيدي في نيويورك بتاريخ 28 كانون الثاني/ يناير 2017. كريغ رتل-أب.

بقرار الرئيس دونالد ترامب التنفيذي الذي يمنع مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة من دخول الولايات المتحدة، أُلغيت عشرات الآلاف من التأشيرات الأسبوع الماضي.

تُظهر الحوادث التي تكشفت لنا حجم الاضطراب الحاصل بسبب أمر ترامب الذي وقعه قرارًا تنفيذيًا في 27 كانون الثاني/ يناير الماضي. وقعت أولى الحوادث في محكمة فيدرالية في فيرجينيا، خلال جلسة استماع متعلقة بقضية إيقاف سحب التأشيرات، من شقيقَين يمنيّين كانا قد وصلا إلى مطار دوليس في واشنطن بتاريخ 28 كانون الثاني/ يناير. قالت وزارة العدل، في البدء، أنّه قد أُلغيت 100 ألف تأشيرة، لكن وزارة الخارجية ادّعت، بعد ذلك، أنّ الرقم أكثر قربًا من 60 ألفًا.

 

لقد توجت رئاسة ترامب أسبوعًا من الاضطراب القانوني والسياسي، أثاره فرض حظر قد يؤدي إلى إعادة تشكيل شبكة التحالفات والضغائن التاريخية التي تحكم الشرق الأوسط الحديث، إذ قُسمت دوله إلى معسكرين: معسكر الدول التي تأثرت بالحظر، وتلك التي لم تتأثر به؛ تبع ذلك موجة غضب في دول المعسكر الأول؛ إذ حظرت إيران مواطني الولايات المتحدة من دخول أراضيها، وطالب البرلمان العراقي حكومته بردّ مماثل، في حين اتهم مسؤول من الحكومة الليبية المدعومة أميركيًّا، أميركا بـ”التمييز العرقي”، بينما ساد الصمت التكتيكي في أماكن أخرى، فقد امتنعت حكومات دول حليفة للولايات المتحدة، لم يتأثر مواطنوها بالحظر، منها مصر والسعودية، عن التعليق، أما الإمارات العربية المتحدة، فقد دافعت عن الحظر.

لقد بدت أوامر ترامب التنفيذية، عبر المنطقة بأسرها، وكأنّها تأذن بفصل مقبل من اضطراب العلاقات مع الولايات المتحدة، فقد دعا ترامب، خلال حملته، إلى منع دخول المسلمين جميعًا إلى الولايات المتحدة منعًا كليًا وشاملًا.

لقد شكلت سياسة ترامب، في الأسبوع الأول من إدارته، استمرارًا لخطابه في أثناء حملته، ومن الواضح أنّه لم يعطِ التبعات الجيوسياسية لهذا القرار أيّ اهتمام. وفي هذا الإطار، قال روبرت فورد، السفير الأميركي السابق إلى سورية، ودبلوماسي ذو خبرة طويلة في شؤون الشرق الأوسط: “لا يستطيع الأميركيون التصرف بمعزل عن العالم، بل إنّ سلوكهم غالبًا ما يثير أجوبة من القادة السياسيين الآخرين الممتلكين لقواعد سياسية خاصة بهم، ولكن لا أعتقد بأّنهم قد فكروا بما سبق على الإطلاق، في ما يتعلق بإيران والعراق، أظن أنهم قالوا: “لا نكترث لهم”.

الصورة: الرئيس دونالد ترامب يوقع قرارًا تنفيذيًا يفرض بموجبه حظرًا لمدة أربعة أشهر على اللاجئين من دخول الولايات المتحدة، وتعليق سفر الأشخاص من سورية وإيران وخمس دول ذات أغلبية مسلمة أخرى لمدة 90 يومًا. البنتاغون، واشنطن 27 كانون الثاني/ يناير 2017. كارلوس باريا- رويترز.

يواجه حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة -الآن- خيار القبول الصامت لسياسة يبدو أنها ستستهدف استهدافًا تمييزيًا مواطنين من دول عربية ومسلمة أخرى، أو أنهم سيخلّون بالعلاقات مع إدارة الولايات المتحدة الجديدة؛ وذلك بتعبيرهم عن تحفظهم على القرار.

قليلون هم الذين يبدو عليهم رجحان العمل بالخيار الأخير؛ فمن بين الدول غير المشمولة بالحظر، لم تعبّر سوى قطر عن انتقادها للسياسة الجديدة. وبسؤاله عن الحظر، أخبر السفير المصري السابق لدى الولايات المتحدة، عبد الرؤوف الريدي، مجلة “TIME”: “هل من المفترض على مصر أن تتحدث عن، أو تعلّق على، كلّ ما يحصل في الولايات المتحدة؟”

وكان ترامب قد تحدث، في 29 كانون الثاني/ يناير 2017، مع الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، لكن لم يتضمن البيان السعودي عن المكالمة أدنى إشارة إلى الحظر. وفي أبو ظبي، عبر وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد النهيان، في 1 شباط/ فبراير 2017، عن دعمه لسياسة ترامب بقوله: إنّ القرار التنفيذي “لم يكن موجهًا ضد دين بعينه”. والتزمت حكومة إسرائيل اليمينية الصمت، بينما أطلق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تغريدة؛ دعمًا لخطة ترامب في بناء جدار على الحدود الأميركية- المكسيكية، ولكنّ الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، اعتذر بعدئذ لنظيره المكسيكي عن ذلك التصريح.

لقد شهدت الولايات المتحدة معارضة أكبر بكثير مما شهده الشرق الأوسط، إذ أدّى الأمر التنفيذي الذي صدر في 27 كانون الثاني/ يناير، إلى أيام من الفوضى في مطارات الولايات المتحدة الدولية، بينما كان مسؤولو الجمارك والحدود يحاولون جاهدين تفسيره.

وصرح البيت الأبيض، في البدء، بأنّ القرار سيسري أيضًا على المقيمين الدائمين القانونيين في الولايات المتحدة، أي: حاملي “الغرين كارد”.

وقد عكس القرار نمط شخصية ترامب؛ فهو حاد وغير متوقَّع، وغامض في بعض الأوقات. وفي هذا الصدد يقول ه. أ. هيلر، الزميل غير المقيم في المجلس الأطلسي ومعهد الخدمات المتحدة الملكي في لندن: “إنّه شخص غريب الأطوار، وهذا أحد الأمور التي تقلق الجميع في العالم، فهو لا يقول أمورًا فحسب. إنّه يُنتج سياسات، كمسألة حظر المسلمين المجنونة تلك، لا يعرف أحد -تمامًا- القصد من ورائها، لذلك؛ فهم [الناس] مشوشون.” ويضيف: “تخيل أنت تجلس في إحدى وزارات الخارجية تلك، هل ستجد فرقًا بين تغريدات دونالد ترامب، الشخص العادي والحقيقي، وتغريداته رئيسًا للولايات المتحدة (POTUS) هل هنالك فرق في ما يتعلق بالسياسة؟ هذه هي الطريقة التي سيقارب بها الناس هذه المسألة.”

الصورة: متظاهرون يؤدون الصلاة خلال تظاهرة ضد حظر الهجرة في مطار دالاس فورت وورث، بتاريخ 29 كانون الثاني/ يناير 2017. لاورا بوكمان- رويترز.

إنْ مثّلت السياسة الجديدة تحديًا لحلفاء أميركا في الشرق الأوسط، فقد أعطت، في الوقت نفسه، فرصة لمنافسيها؛ ففي العراق، سيقوّض الحظر نفوذ الحكومة المدعومة أميركيًا؛ ما سيمنح منافسيها المناصرين لإيران فرصة سياسية، وطلب البرلمان العراقي من الحكومة الرد بحظر الأميركيين من دخول العراق، وهي خطوة قد تؤدي إلى فشل مهمة أكثر من خمسة آلاف عنصر من الجيش الأميركي الموجودين في البلاد؛ لمساعدة القوات العراقية في قتالها ضد الدولة الإسلامية. وفي إيران، سيقوي الحظر المتشددين في مواجهة المسؤولين الذين يفضلون التسوية والمفاوضات مع الولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك، يقول الخبراء: إنّ الحظر شيشكل ذخيرة خطابية للدعاية الجهادية للدولة الإسلامية التي ستستطيع استخدام سياسة ترامب في التجنيد.

هنالك مخاوف من أن يؤدي أمر الحظر إلى تغيير في مقاربة البيت الأبيض للعالم الإسلامي خلال السنوات الأربع المقبلة. هنالك، بكلّ تأكيد، تاريخ من العداء تجاه الإسلام، حيث كان ستيفن بانون، كبير استراتيجيي البيت الأبيض وصاحب النفوذ، قد وصف الإسلام بالدين “القاتم”، كما قال مستشار الأمن القومي، مايكل فلين، مرّةً: إنّ الخوف من المسلمين “عقلاني”.

وعن هذا يقول شادي حميد، عضو مؤسسة “بروكينغز” في واشنطن: “أعتقد أنّها تعكس كرهًا راسخًا للإسلام عند ترامب، وفي أوساط مستشاريه، وأعتقد أنّ الدليل على ذلك ضخم جدًا، نعرف أنّ أناسًا، مثل ستيف بانون ومايكل فلين، قد عبرا علانيّة، ليس عن كرههما للتطرف أو الإسلامية الأصولية فحسب، وإنّما عن كرههما للدين الإسلامي كذلك، وعن رؤيتهما للإسلام بوصفه تهديدًا أيديولوجيًا وحضاريًا.”  وأشار حميد إلى أنّه من المرجح أن تقود سياسات ترامب إلى جعل صورة أميركا أكثر سوءًا في الشرق الأوسط، وفي العالم الإسلامي الأوسع، وأضاف: “عندما تُغلق أميركا حرفيًّا حدودها أمام عدد كبير من الناس، وتتوعدهم بالمزيد خلال السنوات الأربع المقبلة، كم سيدوم أثر ذلك؟ هل من الممكن أن يزول الأذى الحاصل في حال انتُخب شخص آخر بعد أربع سنوات؟ لا أعلم. لكن أعتقد أنّ أربع سنوات من ذلك النهج ستؤدي إلى ضرر دائم للطريقة التي تُرى بها أميركا”.

وبمرور الأسبوع أعطت إدارة ترامب إشارات أكثر عن نهجها، مشيرة إلى اتخاذها خطًا أكثر تشددًا مع إيران، فقد وجه فلين، في 1 شباط/ فبراير 2017، تحذيرًا رسميًا لإيران بعد هجومٍ على سفينة تابعة للبحرية السعودية، الاعتداء الذي اتُّهم حلفاءُ إيران، المتمردون الحوثيون، بشنه. وقد تصاعدت التوترات في الجمعة 3 شباط/ فبراير 2017، وذلك عندما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات جديدة بحق 25 شخصًا وشركة إيرانية.

قد تشير النتائج المترتبة من أسبوع من الزمن إلى طبيعة سياسة ترامب في الشرق الأوسط: زرع مزيد من الانقسام السائد بين المملكة العربية السعودية السنية وإيران الشيعية، بينما ستجد الأطراف الأخرى صعوبة متزايدة في التعامل مع تلك الفجوة.

 

اسم المقالة الأصليHow Trump’s Presidency Could Become a Dividing Line in the Middle East
الكاتبجاريد مالسين

Jared Malsin

مكان النشر وتاريخهمجلة التايم البريطانية، 04/02/2017
رابط المقالةhttp://time.com/4658762/donald-trump-middle-east-saudi-arabia-egypt/?xid=homepage
ترجمةأنس عيسى

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق