اقتصاد

تفاصيل دمشق.. الصورة ببعدها المرئي

تبدو الحياة في العاصمة دمشق، أشبه بكابوس، فحواجز جيش النظام ـ خليط من قوات الحرس الجمهوري والميليشيات المحلية والأجنبيةـ تطبق على أنفاس المارة، بعد أن تحولت الشوارع إلى ثكنات عسكرية مغلقة، باستثناء ممرات ضيقة، تتكدس على امتدادها السيارات منتظرة تفتيشها وتدقيق هويات ركابها. (يعتقد الأسد، أن إحكام قبضته الأمنية على مدينة تمثل الرئة الوحيدة التي يتنفس نظامه منها الهواء، من شأنها أن تبقيه على قيد الحياة، أو تطيل من عمره على أقل تقدير). والتيار الكهربائي ينقطع لساعات طويلة عن الأحياء والمنشآت الصناعية والمحال التجارية، في إطار برامج تقنين، لا تشمل أماكن سكن مسؤولي الحزب والدولة وأثرياء الحرب. والأسعار تتصاعد تصاعدًا جنونيًا مقابل انخفاض قيمة العملة المحلية، إذ تعجز رواتب الموظفين، على الرغم من الزيادات الضئيلة التي شملتها، عن سد الفجوة.

وعلاوة على ذلك، مثلما يقول مسعف ج: فإن نسبة كبيرة من السكان تعتمد في معيشتها على مساعدة جمعيات خيرية ومنظمات دولية، توفر الدعم بين فترة وأخرى.

مسعف، 35 سنة، موظف حكومي، تخرج قبل سنتين من كلية التجارة، يسكن حاليًا في حي متواضع يقع على مشارف سفح جبل قاسيون. معظم قاطنيه من الطبقة الفقيرة. لكن مسعف كثيرًا ما يحجم عن استخدام هذا التوصيف، لعدم دقته كما يقول، ليس لأن الفقر عيبًا، بل لأن الوصف لم يعد ينسجم مع ما وصل إليه حال الأهالي في الأوضاع الراهنة، فقد تحولت الطبقة الفقيرة إلى طبقة معدمة، لا تملك أسباب الحياة في حدها الأدنى.

وقال مسعف: لم تعد مشكلتنا تنحصر في الجلبة التي تحدثها الطائرات والمدافع، أو بالطوق الأمني الذي شلّ الحركة الاعتيادية، وحوّل السكان إلى سجناء ضمن أحيائهم، أو بالكهرباء التي قطع غيابها آخر صلة لنا بالحضارة، فثمة ضجيج بشري، يعلو صوته متبرمًا، مما انتهت إليه الحياة في عاصمة تعيش اليوم مخاض انهيار إنساني متوقع. فأغلب العائلات عندنا أو في الأحياء المجاورة تفتقر إلى أمنها الغذائي، بموازاة تدهور سعر الليرة مقابل الدولار، وهبوط قيمة راتب موظف الدولة إلى أقل من قيمة أجار منزل صغير، فأنا مثلاً أتقاضى نحو 32 ألف ليرة، ويبلغ آجار بيتي 40 ألفًا ليرة، ولدي أسرة تتألف من زوجة وطفلين، لا أعرف كيف تنظر حكومة الأسد إلى واقعي وواقع الملايين غيري، وتنفق مليارات الدولارات على حرب مدمرة، من غير طائل، تتشارك في ابتلاع غنائمها مافيات محلية وخارجية.

في أواخر عام 2016، اعترف رئيس الحكومة عماد خميس، في كلمة له أمام نواب ما يسمى مجلس الشعب، بـ “أن البلاد تحولت إلى مزرعة لبعض تجار الأزمة”. وكشف خلال الجلسة ذاتها عجز حكومته عن تلبية المطالب المعلنة، بسبب صعوبات “أفرزها الواقع الاقتصادي، والحرب، وتجار الأزمة، والفساد” رابطًا تنفيذها بتوفر مبلغ 25 مليار دولار.

المفارقة، أن دراسة حديثة (2016) لمؤشرات توقف نشاط الشركات، وتراجع الصادرات، وارتفاع مؤشر البطالة، والتضخم، وعدم تدفق العملة الصعبة، وانهيار البنى التحتية، مقابل زيادة الإنفاق والاقتراض؛ لأجل تمويل صفقات التسلح والأمن، صدرت عن معهد الاقتصاديات والسلام بالتزامن مع تصريحات خميس، لفتت إلى أن الحرب أضّرت الاقتصاد السوري بنسبة 300 بالمئة، وأن كلفتها بلغت نحو 84 مليار دولار، في إثر ارتفاع حجم الإنفاق العسكري إلى 49.1 بالمئة، أي ما يقارب نصف حجم اقتصادات بعض دول الشرق الأوسط، وارتفاع مستوى الإنفاق على الأمن الداخلي إلى  23بالمئة.

من المستغرب أن تتحدث حكومة عن حاجتها إلى 25 مليار دولار، كما يقول الخبير الاقتصادي، أحمد ياغي، بينما تنفق على الحرب عشرات المليارات، يضيف لـ (جيرون): حين يغيب الحكم الرشيد، من الطبيعي أن تضعف فاعلية الدستور في تقييد السلطة، فكيف إذا كانت سلطة شمولية استبدادية، لا تعترف بالنظام الديمقراطي الانتخابي، ولا تؤمن بالشفافية والنزاهة، ولا تقر بوجود مجتمع مدني، ولا تحافظ على المعايير المتعلقة بحقوق الإنسان. وقتها تبدو نفقات الحرب نفقات وجود، ولا أهمية لما تتعرض له البلد من دمار وتراجع على المستويات كافة، أمام الحفاظ على الحكم. يتابع: بات من المعروف كم خسر الاقتصاد، بعض التقديرات تشير إلى أن الخسائر وصلت إلى عشرة أضعاف الدخل القومي لعام 2010، وهذه نسبة من شأنها أن تبقي سورية دولة هشة عدة عقود مقبلة.

في قلب سوق الحميدية الشهير، وقف أحد الصحافيين الأجانب، يتابع بعدسة كاميرته حركة المارة، كان يحاول أن يوثّق حياة دمشق اليومية عبر حركة أسواقها. لم يلحظ ما يعزز رواية الإعلام الرسمي عن الارتياح الذي يعيشه الناس. فقد كانت الوجوه المحلية ـ باستثناء الغريبة منها ـ تميل نحو التجهم والاكتئاب، حتى أصحاب المحلات الذين دفعهم الفضول للوقوف أمام واجهات محلاتهم، لم يرتسم الانشراح على وجوههم، كما العادة في مناسبة كهذه. فدمشق التي بقيت حاضرة، بوصفها مركزًا تجاريًا، تغيرت في الوقت الراهن، وحوّلتها سنوات الحرب إلى مدينة تبحث الآن عن الطعام. هناك -على سبيل المثال- عائلات لا تعرف مذاق اللحم البلدي منذ أشهر، لسعره المرتفع، إذ خرج كما يبدو عن اهتمام آلاف الأسر التي يدنو دخل أفرادها من خط الفقر العالمي، وهو المستوى الأدنى من الدخل الذي يحتاجه الفرد ليتمكن من توفير مستوى معيشة، يقدر حاليًا بنحو 1.9 دولار يومياً للفرد.

م ـ ي، صاحب محل في سوق باب سريجة على الطرف الجنوبي من حي القنوات، يرى أن الأمر لا ينحصر عند هذه المادة، فهناك خضروات وفواكه، يستعصي شراؤها على الجيوب الفارغة، إشارة إلى أصحاب الدخل المحدود، لأن أسعارها هي الأخرى مرتفعة. وسبب ارتفاعها يعود، والقول له، إلى تكلفة النقل المتصاعدة، إذ تضاف إلى فاتورة الشراء إتاوات يسددها أصحاب سيارات النقل لحواجز الجيش والميليشيات الرديفة، من مكان المنشأ وحتى دمشق.

وفق القانون الدولي يتحمل نظام الأسد مسؤولية الحفاظ على حياة المدنيين، وبحسب الخبير الاقتصادي محمد الزعبي، فإن الضغوط التي تمارس على سكان دمشق وريفها من خلال أوضاعهم المعيشية، بدءًا بتدمير المسكن الذي يمثل جنى العمر، إلى تدمير المؤسسة التي توفر حاجاتهم الغذائية والصحية والتعليمية، إلى تقويض مقومات العملية الإنتاجية والتسويقية، هي جزء من خطة أكبر، تهدف إلى تطويع البلد وسكانها،

ومن الواضح، أن وراء الوجوم المسيطر على الوجوه هنا، روايات كثيرة، تخفي وراءها معاناة أناس بدلت الحرب اهتمامهم ورغائبهم. ومن سوء الحظ أنهم ينامون ويصحون على صوت انفجارات ضخمة، ومتاعب معيشية، يبدو أن لانهاية لها على المدى القريب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق