أبحاث ودراسات

أميركا بين قيم الحداثة وقيم ما بعد الحداثة

أنتجت “الحداثة”، في سيرورتها، مقولة “المركزيّة”، كقيمةٍ عليا، من جملة مقولات كثيرة. فتشخّص بذلك ما هو مركزيّ، وفاعل، وعنصريّ، من جهة، وما هو هامشيّ، ومنفعل، ومتقبل للغريب والمنافس، من جهة أخرى.

وخلافًا لسيرورة “الحداثة” هذه، تحاول “ما بعد الحداثة”، تأسيس مقولة “اللامركزيّة”، بوصفها قيمةً عليا أيضًا، نقيضًا لمقولة “المركزيّة”، ولكنها ما زالت تصطدم بالعقبة التي سمّاها باشلار “عقبة الوعي السائد” على مستوى العالم حتى الآن؛ ذلك الوعي الذي يتمثّل بنتائج الانتخابات التي تميل لصالح “المركزيّة” والاستقطاب والتمركز على الذات، إضافة إلى المشروعات السياسيّة المنكفئة عن التفاعل مع العالم، والمكتفية بحل مشكلاتها الخاصّة على حسابه، فضلًا عن الآراء التي ترتاح للملاذ الذي توفره لها “المركزيّة” ورعويّتها للقاصرين.

ومثل هذه العقبة يمكن معاينتها -ببساطة- من خلال انتكاسة أميركا أخيرًا عن قيمة “اللامركزيّة” ما بعد الحداثيّة، والتشبث بقيمة “المركزيّة” الحداثيّة. وتكفي نظرة عابرة لرئيس أميركا الجديد، وعملية انتخابه، وفحوى سياساته المعلنة تلك التي باشر باتباعها منذ 20 من الشهر الماضي، للتأكد من صحة هذه الفرضيّة.

وعلى الرغم من كثرة الكارهين لقيم “ما بعد الحداثة”، فإنها قيم تقوم أساسًا على تقويض “المركزيّة” عمومًا. وسواء أكان مثل هذا الكره صادرًا من معرفة أو من جهل بهذه القيم، أو أكان صادرًا من مصلحة تتعارض أو تتوافق مع هذه القيم، فإن ما يهمنا -هنا- هو انتكاس أميركا ممثلة برئيسها الجديد وناخبيه ومناصريه ومحازبيه عن قيمة “اللامركزيّة” هذه، والتداعيات المترتبة على مثل هذا الانتكاس، وإصرارهم على قيمة مركزيّة أميركا تجاه العالم من خلال شعار “أميركا أولًا” لا العالم أولًا، وترسيخ مركزيّة الشمال المتقدم إزاء هامشيّة الجنوب المتأخر، والعودة لقطبيّة دوليّة مركزيّة وحصريّة، سواء أكانت أحادية أو ثنائيّة أو متعددة، إزاء انعدام القطبيّة المتنامي، وكذلك تأكيد مركزيّة الذكر تجاه الأنثى مما حفلت به حملة ترامب الانتخابيّة من تبجح قضيبيّ.

فمنذ “عصر الأنوار” في القرن السابع عشر وحتى سبعينيات القرن العشرين، تداعت شعوب العالم إلى تمثّل قيمة المركزيّة الحداثيّة، فتموضعت المركزيّة في الدولة والسلطة والاقتصاد والاجتماع والثقافة. وظهر أمامنا الفاعل السياسيّ الوحيد والمركزيّ والحصريّ. وسادت بهذا مركزيّة العقل تجاه الجنون، ومركزيّة الذكر والقضيب إزاء المرأة، ومركزيّة الرجل الأبيض تجاه الرجال الملونين، ومركزيّة الحضارة الأوروبيّة الغربيّة إزاء طرفيّة حضارة الشرق، ومركزيّة الشمال المتقدم والغني تجاه هامشيّة الجنوب المتأخر والفقير، ومركزيّة الدولة تجاه مواطنيها، ومركزيّة السلطة ومركزتها في الدول والسُلط والأحزاب والرؤساء والنقابات، لا انبثاثها في الفرد والمواطن والأفعال الصغيرة والموضعيّة والمحليّة… الى آخر ما هنالك من مركزيّات كانت قد أنتجتها الحداثة وحوّلتها إلى قيم عامة.

وهكذا، ظهر في العالم مركز فاعل هو اللاعب بألف ولام التعريف، وأطراف منفعلة هي مادة التلاعب، ظهر الفاعل والمفعول به، فسادت استنادًا لهذا بدهيات عديدة مثل: الدماغ مركز الإنسان، القضيب مركز الذكر، الذكر مركز الأنثى، الرحم مركز الأنثى، الشمس مركز المجموعة الشمسيّة، أوروبا مركز العالم، الشمال مركز الجنوب، القضيّة الفلسطينيّة مركز العروبة… الخ. واستمر تفضيل المركز على الهامش والثانوي في الوعي العامّ، وتمادى مثل هذا الوعي في إهمال الهوامش والأطراف فتنامى استنزافهم وسحقهم.

إنَّه وعي يُضمِر أنَّ المركز راشدٌ بينما الهامش قاصر، المركز يقول الحقيقة وفيه الثروة والقوّة، بينما الهامش يقول الأكاذيب وفيه الفقر والضعف. أجل هذا واقع موجود له أسس في الثنائيات الوجوديّة من قبيل المرأة/ الرجل، السيف/ الترس، الحاكم/ المحكوم، الراشد/ القاصر، الغني/ الفقير… ولكن ترامب يريد تأبيده لا تغييره ودفعه للأمام. وحتى يكون ترامب رئيسًا ما بعد حداثيّ، كما يرى بعضهم، لابدّ له من أنْ يتصف بصفة اللامركزيّة مؤشرًا إلى ذلك، ولكنه بخلاف ذلك يسعى إلى المركزيّة الحداثيّة ويتماهى معها. وهنا نسجل ملاحظتين اثنتين على مثل هذا الخطاب: 1- إنَّه خطاب مؤبد للثنائيات الوجوديّة ولا يرى فيها واحدًا أو وحدة، ويكتفي بصراع الاثنين، فهو منتكس عن هيراقليط الذي أكد على الواحد، وقال بانشطار الواحد إلى اثنين؛ أي انشطار المكان إلى فوق/تحت، يمين/يسار، شمال/جنوب، شرق/غرب… انشطار الحرارة إلى برودة/سخونة، انشطار الإنسان إلى ذكر/أنثى، سيد/عبد، غني/فقير… 2- إنَّه خطاب لا يشغله الانتقال من الثنائيات الوجوديّة العقيمة إلى إمكانية الثنائيات المفهوميّة الخصبة.

وعلى خلاف هذه المركزيّة، أنتجت ما بعد الحداثة، بدءًا من سبعينيات القرن العشرين، نقدًا جذريًا لحالة المركزيّة هذه. إنَّه نقد يسعى لتقويض المركزيّة بصورها المتعددة والمتنوعة، ويهدف لعدم تقليدها حتى لا نواجه مركزيّة مقلوبة ينقلب فيها المركز هامشًا والهامش مركزًا. وهنا لم يعد ثمة طريق واحد للتحديث هو الطريق الأوروبيّ فقط كما يُعتقد. وتنامت نسبيّة الثقافات وخصوصيتها لغياب المعايير المركزيّة عن الحق والعدل والواجب والجمال والمنطق، وباتت المركزيّة تمثِّل مرض الحداثة القاتل. وأنموذج هذا المرض هو كل من القطبيّة الدوليّة ومجلس الأمن وهتلر وموسيليني والقذافي والأسد وصدّام وشافيز… وأخيرًا ترامب.

ثمة علاقة بين المركزيّة والعنصريّة؛ لأنَّ العنصريّة هي عنصريّة المركز أساسًا تجاه الأطراف والهوامش. إنَّ نمو المركزيّة هو نمو للعنصريّة. فالمركزيّة والعنصريّة مفهومان يتراجعان معًا مثلما يتقدمان معًا.

مثال ذلك “الحركة النسويّة” Feminism التي تهدف إلى تحويل الأنثى إلى مركز على طريقة الذكر، فنكون أمام مركزيّة مقلوبة، ولكن في المركزيّة لا يهم من يملأ المركز؛ لأنَّ نتائج العنصريّة تكون نفسها. فتنمو هنا عنصريّة الأنثى مركزًا من عنصريّة الذكر. فالمساواة بين الرجل وبين المرأة في الحقوق، التي هي أساسًا حقوق الذكر، وتُقلِدها الحركة النسويّة، استنادًا إلى إلغاء الفروق الفرديّة الواقعيّة بينهما، هي مساواة عنصريّة تجعل منها حركة لا تغادر المركزيّة. وكذلك نجد “مدرسة التبعيّة”، التي ينتمي إليها سمير أمين، ونظريّتها عن “المركز والأطراف”، وكيف سيأتي التغيير من الأطراف لمعاناتها من تناقضاتها ومن تناقضات المركز عليها، فإنْ أتي التغيير تتحول الأطراف إلى مركز يمارس العنصريّة كما المركز الذي سبقه، فهي مدرسة تدور بفلك المركزيّة أيضًا لتعاود الكرّة إلى ما لانهاية.

مع نهاية الحرب الباردة وظهور العولمة وتنامي نقد المركزيّة الذي أنجزه تيار ما بعد الحداثة بدأ التغيّر في مفهوم القطبيّة الدوليّة، وتحققت بالثنائيّة القطبيّة أيام الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وبين الاتحاد السوفياتي. ومرت فترة تسعينيات القرن العشرين كأنها قطبيّة أحاديّة، انفردت بها الولايات المتحدة. ثم بدا العالم وكأنه متعدد الأقطاب بمرحلة ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر. وأما الآن وفي سياق ثورات الربيع العربيّ، يبدو العالم منعدم القطبيّة، وهذا الانعدام بالذات هو ما يحاول ترامب أنْ يقوضه ليعيدنا إلى القطبيّة من جديد. فهل ينجح بذلك؟

إنَّ المتشبث بالمركزيّة، يرى أوروبا الغربيّة مركزًا للشرق الأدنى والأقصى والأوسط، الشمال الغني ّمركزًا للجنوب الفقير، الذكر وقضيبه مركزًا للأنثى ورحمها من جهة، ومن جهة أخرى يرى الأطراف، المهمشين، الثانويين، الجانبيين… ذبابًا من الطبيعي سحقهم. ففي حين أنَّ الحداثة ترتبط بمركزيّة الهوية والسلطة والوحدة واليقين، فإن ما بعد الحداثة ترتبط بلا مركزيّة الفروق والانفصال والشك وتفكيك مركزيّة النصوص.

ويمكن لنا تلخيص المشكلة الآن على الشكل الأتي: تسود في الحداثة عملية مركزة الفاعل السياسيّ وحصره في فاعلين محددين، كما سادت في مركزة وحصريّة حقوق الإنسان ومبدأ “مسؤولية الحماية”، بينما يسود تقويض المركزيّة والحصريّة في عالم ما بعد الحداثة. وهذا يعني تعميم الفاعل السياسي ورؤيته في جميع الفاعلين دون استثناء: المركزيّين منهم والهامشيّين.

لقد قوّضت ثورات الربيع العربيّ حصريّة الفاعل السياسي ومركزيّته، وبات الفاعل السياسي مبثوثًا ومعممًا. وبينت لنا هذه الثورات أنَّ المشكلة في مفهوم المركزيّة ذاته لا فيمن يحتل المركز. فلا يهم إنْ كان الذكر/القضيب هو المركز أو الأنثى/الرحم هي المركز، كذلك لا يهم فيما إذا كانت المركزيّة أوروبيّة أو صينيّة أو عربيّة أو فارسيّة أو يونانيّة أو أميركيّة، وكذلك في القطبيّة الدوليّة؛ لأنها تبقى تدور في فلك المركزيّة وتمارس عنصريّة المركز. وقد قالت هذه الثورات بالصوت العالي: إنَّ المهمشين هنا، وهم فاعلون ولا يأبهون بالمركز والمركزيّة والحصريّة. قالت أيضًا: لا كبيرة جدًا لمركزيَة المعيار وكونيّته كما يحب ترامب، ونعم لنسبيّة المعيار وارتباطه بنسبيّة الثقافة كما يكره.

كان كل هدف نضال الشعوب والأفراد في الماضي أنْ تتحول إلى مركز، أما الآن؛ فبات هدفنا أنْ نحيا هامشيتنا بدون الشعور بالعار منها، في سيرورة الفاعل السياسيّ اللامركزيّ.

مقالات ذات صلة

إغلاق