قضايا المجتمع

“المسلخ البشري”… الوقائع المرعبة لا تختزل إجرام ست سنوات

أصدرت منظمة العفو الدولية، تقريرها الثاني، الثلاثاء 7 شباط/ فبراير 2017، عن سجن صيدنايا العسكري، بعنوان “المسلخ البشري”، وجاء في مقدمته، أن “سجن صيدنايا العسكري، هو المكان الذي تذبح فيه الدولة السورية شعبها بهدوء، ويشكل المدنيون الذين تجرؤوا على التفكير بمعارضة الحكومة فحسب، الغالبية الساحقة من الضحايا”.

يتحدث التقرير، الذي يمكن وصفه بالمرعب، عن إعدام آلاف المعتقلين خارج نطاق القضاء العادي، في عمليات شنق جماعية تنفذ ليلًا، وتحاط بسرية كبيرة، من ناحية الإجراءات ابتداءً من جلب المحكوم عليهم بالإعدام، وطريقة تنفيذ الأحكام، مرورًا بمن يحضر العملية، ومن ينفذ، وصولًا إلى نقل جثث الضحايا إلى مستشفى تشرين العسكري، ومن ثم دفنها في مقابر جماعية.

اعتمدت منهجية التقرير، على إجراء مجموعة من التحقيقات، أجرتها المنظمة خلال الفترة ما بين كانون الأول/ ديسمبر 2015، والشهر نفسه من العام 2016 ، بشأن نمط الانتهاكات المرتكبة في سجن صيدنايا، وتسلسلها وحجمها، وأجرت المنظمة في سياق تحقيقاتها مقابلات مع معتقلين سابقين في سجن صيدنايا، وموظفين سابقين في السجن، وحراس ممن سبق لهم العمل فيه، وقضاة سوريين سابقين، وأطباء ممن عملوا في مستشفى تشرين العسكري، ومحامين سوريين، وخبراء دوليين ومحليين في موضوع الاحتجاز في سورية، وأفرادًا من عائلات المحتجزين السابقين والحاليين.

يبحث التقرير في عمليات الإعدام التي تجري في شكل عمليات شنق جماعية، حيث تبدأ الرحلة القصيرة للضحايا، بصدور أحكام الإعدام عليهم عقب محاكمات أمام محكمة الميدان العسكرية في القابون، ولا تستغرق أكثر من ثلاث دقائق، في حدها الأقصى، ثم ترسل الأحكام إلى مفتي الجمهورية ليوافق عليها، ثم يستصدر القرار بالتنفيذ من وزير الدفاع، أو رئيس هيئة الأركان في الجيش السوري، وهما مفوضان بالتصرف نيابة عن بشار الأسد، كما يجري التوقيع على الأحكام من المدعي العام العسكري في المحكمة الميدانية، وأحد ممثلي الأجهزة الأمنية، ويكون عادة من المخابرات العسكرية.

تبدأ عملية التنفيذ للأحكام، بجلب الضحايا من زنزاناتهم، عصر اليوم المحدد لتنفيذ الإعدام شنقًا، أو ما يفضل القائمون على التنفيذ، تسميته بـ “حفلة الإعدام”، ويجري إخبار المعتقلين أنه سيتم ترحيلهم إلى أحد السجون المدنية، ويحشرون في زنزانة في قبو المبنى الأحمر من سجن صيدنايا.

في الليل يقتادونهم بعد وضع العُصَب على أعينهم، ويرحلون في شاحنات أو حافلات صغيرة إلى السجن الأبيض، حيث غرفة الإعدام الموجودة في القبو تحت زنزانات المعتقلين، ليصار إلى إعدامهم في وقت متزامن، في غرفة الإعدامات التي جرت توسعتها في حزيران/ يونيو 2012، وتكرر عملية الشنق الجماعي مرة أو مرتين أسبوعيًا، ويُعدَم ما بين 20 و25 معتقلًا في كل مرة.

يوضح التقرير، مصير جثث الضحايا، التي تنقلها سيارات عسكرية إلى مستشفى تشرين العسكري، لتُسجل، وتُعدّ شهادات تتضمن أسباب الوفاة التي تنحصر في توقف القلب، أوتوقف الجهاز التنفسي، وبعد ذلك، تنقل الجثث لتدفن في مقابر جماعية في قرية نجها، على طريق دمشق – السويداء، أوفي بلدة مضايا غربي دمشق، في أرض تابعة للفرقة العاشرة.

ثلاثة عشر ألف معتقل جرى إعدامهم، وفق تقرير منظمة العفو الدولية، بين عامي 2011 و2015، وفق سياسة ممنهجة، بطريقة لا تمت إلى القانون بصلة، ولا يقتصر الأمر على تنفيذ أحكام الإعدام شنقًا، فبقية الممارسات في سجن صيدنايا لا تقل إجرامًا عن عمليات الشنق الجماعية.

يتحدث التقرير، عن تعرض المعتقلين في السجن الأحمر لبرنامج منظم من الانتهاكات وأشكال الإساءة، من تعذيب منظم من خلال الضرب المبرح، والحرمان من الطعام والماء والرعاية الطبية، ما يسبب تفشي الأمراض بين المعتقلين، ويؤدي إلى كثير من حالات الوفاة بينهم يوميًا.

شهادات عن جمع الجثث

مروان، من درعا، معتقل سابق في سجن صيدنايا قال لـ(جيرون): إن “حالات الوفاة لا تقتصر على المعتقلين الذين كانوا يأخذونهم إلى حفلات الإعدام، فللموت أنواع في صيدنايا، الجوع والمرض، خاصة الإسهال الشديد والسل، إضافة إلى ضرب السجناء لأسباب تافهة، قد تكون لهمسة في إحدى الزنزانات، ما يجعلهم يضربون معتقلي تلك الزنزانة حتى يموت أحدهم، يحدث ذلك بكل بساطة، لا أحد يحاسبهم على ذلك”.

عملية جمع الجثث، كما يذكر التقرير تجري صباحًا في كل يوم بين الساعة التاسعة والعشرة، حيث يجري الإيعاز للمعتقلين أنه في حال وفاة أحد زملائهم أن تلف جثته ببطانية، وتوضع عند باب الزنزانة، وتسلم للحراس صباحًا.

أبو جابر، معتقل سابق في صيدنايا، أكد لـ(جيرون) أن عملية جمع الجثث تجري فعلًا يوميًا “في كل يوم يموت معتقل أو إثنين على الأقل، وفي الصباح يأتي السجان، وينادي برقم كل زنزانة ويسأل إن كان هناك (فطايس) على حد تعبيره، فنلف الجثة ببطانية ونضعها عند باب الزنزانة، ثم نجلس جاثيًا، ووجهنا إلى الحائط، فسحب الحراس الجثث ويأخذونها”.

يركز التقرير على نقاط عدة، تكاد تشمل كل ما يجري في سجن صيدنايا، من جرائم وانتهاكات ممنهجة، تصل إلى جريمة الإبادة، وهي الجريمة التي ورد تعريفها في نظام روما الأساسي، الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية، وتشمل” تعمد فرض أحوال معيشية، من بينها الحرمان من الحصول على الطعام والدواء، بقصد إهلاك جزء من السكان”، إذ تقدر العفو الدولية، أن ممارسات القتل العمد والتعذيب، والاختفاء القسري، والإبادة المرتكبة في سجن صيدنايا منذ عام 2011، جاءت ضمن سياق هجوم واسع النطاق وممنهج على السكان المدنيين؛ بغية فرض سياسات الدولة، ما يجعل من الانتهاكات المرتكبة في سجن صيدنايا ترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، وبالقدر الذي جاء فيه التقرير دقيقًا من ناحية التفاصيل، والأرقام الكبيرة التي ساقها، فقد أغفل فترة زمنية مهمة، إذ توقف توثيق ما يجري بعد نهاية العام 2015، وفق رأي عدد من المهتمين بشأن المعتقلين في سورية.

قالت الصحافية السورية، لونة وطفة، المهتمة بقضايا المعتقلين، لـ(جيرون): إن “أرقام الضحايا ليست نهائية، لأن عمليات الإبادة مستمرة كما ذكر التقرير، ولا يمكن أن نختزل إجرام النظام على مدى ست سنوات برقم هو 13 ألف، ليتحول هذا الرقم إلى حصيلة نهائية، يتبناها السوريون حقيقة مطلقة وحيدة، دون قصد منهم، لاختصار مأساتهم بذلك، وهنا تكمن المصلحة الدولية في تخفيف المساءلة للنظام مستقبلًا”.

تشكل الأفعال الموثقة في التقرير، التي ارتكبها نظام الأسد بحق المحتجزين، انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي، والقانون الجنائي الدولي.

طالبت منظمة العفو الدولية في تقريرها، حيث طالبت سلطات النظام بالتوقف فورًا عن تنفيذ الإعدامات خارج نطاق القضاء، والسماح للمراقبين الدوليين بالوصول إلى المعتقلين، ودخول جميع أماكن الاحتجاز في سورية التي تديرها حكومة النظام، وإخبار عائلات الضحايا عن أماكن وجودهم، وإبلاغ العائلات عن مصير أبنائهم الذين قضوا في مراكز الاحتجاز، كما تدعو إلى فتح تحقيق عاجل ومحايد في هذه الإعدامات، وسياسة الإبادة المتبعة في سجن صيدنايا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق