تحقيقات وتقارير سياسية

تدمير جسور الرقة

بعد تدمير “التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب” جسور الرقة الرئيسة والفرعية، وترك أهل الرقة على حدود الموت عطشًا وجوعًا، اتجه إلى تدمير الأسواق التجارية؛ للإطباق على المدنيين المسالمين، وكأن هذه الحرب المفتوحة هي حرب على المدنيين، وليست على الارهاب، إلا إذا عدّ “التحالف” أن كل من خرج وثار على النظام الدكتاتوري القمعي هو إرهابي، ويجب القضاء عليه.

لم يترك النظام المجرم سلاحًا إلا واستعمله ضد الشعب، دمّر الجسور والمساجد والمخابز والبنى التحتية للمدن الثائرة، وها هو “التحالف” يُجهز على ما تبقى من المدن السورية، ويكمل ما عجز النظام عن فعله.

الغاية المؤكدة مما يفعله “التحالف” من تدمير وتخريب، هي استئثاره مستقبلًا بالحصة الكبرى لإعادة بناء سورية، واستعادة ما دفعه خلال تخريبه أضعافًا مضاعفة من الأموال التي سيجنيها من إعادة الإعمار.

أهل الرقة يعانون الآن من العطش، على الرغم من أن الفرات كان يروي ظمأ الجميع، وهم يعلمون أنهم باتوا أهدافًا لصواريخ التحالف الذكية التي تتجه بدقة إلى أرواحهم. والتحالف الدولي باتباعه السياسة الجديدة في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتركز على تدمير البنية التحتية، والمرافق العامة للمدن والبلدات التي يسيطر عليها التنظيم، مع بدء حملة ما يسمى “غضب الفرات” التي تشنها ميليشيا ما يسمى “قوات سورية الديمقراطية” بهدف السيطرة على ريف محافظة الرقة وحصار المدينة، ويهدف تدمير الجسور الرئيسة والفرعية في المدينة وضواحيها إلى عزل المدينة عزلًا تامًا عن الضفة الجنوبية لنهر الفرات.

“أفلح” الطيران الحربي، بعد شنه عدة غارات جوية على الجسرين، في إخراجهما عن الخدمة إخراجًا تامًا، بعد انهيار أجزاء واسعة منهما، وتحديدًا الجسر الجديد الذي يعدّ شريان الحياة للمدينة وريفها الشرقي والغربي، وكذلك الجسر القديم الذي كان يُستخدم للمشاة والدراجات النارية والهوائية والسيارات الصغيرة.

يبدو أن التحالف الدولي يحاول منع أهالي مدينة الرقة من العبور إلى الضفة الجنوبية؛ ما يجبرهم على النزوح باتجاه مناطق سيطرة ميلشيا “قوات سورية الديمقراطية” التي باتت على مقربة من المدينة بمسافة لا تتجاوز 20 كم، بهدف تلميع صورة هذه المليشيات وإظهارها على هيئة المحرر والمنقذ.

سياسية تدمير البنية التحتية التي يتخذها التحالف الدولي تعود بالضرر على المدينة والمدنيين؛ إذ إن تدمير هذه الجسور شلَّ حركة المدنيين، وتسبب في أزمة حياتية خانقة، وهذا ما سيجعل أسعار المواد الغذائية مرتفعة وسط حالة فقر مدقع، إضافة إلى صعوبة الحصول عليها.

وكان “التحالف الدولي” قد دّمر في وقت سابق عددًا من الجسور الفرعية في ريف المدينة، كجسر بلدة “السلحبية” ومزرعة “الأنصار” غربي المدينة، إضافة إلى جسري “الكالطة والعبارة” شمال المدينة، والجسر الحربي شرقي المدينة، وأخيرًا استهدفت طائراته المدخل الشمالي لسد الرشيد في ريف الرقة الغربي، بالقرب من بلدة المنصورة؛ ما أدى إلى خروجه من الخدمة، بعد أن أعلنت حملة ما يسمى “غضب الفرات” عن بدء “المرحلة الثالثة” التي تهدف إلى عزل مدينة الرقة، والسيطرة على ريفها الشرقي.

جسور الرقة هي ذاكرة الرقيين، وهي شريان الحياة، من خلالها تأتي وتذهب الحافلات التجارية التي تحقق استقرارًا للسكان، ويعود بناء الجسر الجديد إلى ستينيات القرن الماضي.

أما “جسر الرقة القديم”، فقد افتتح عام 1942، وله في ذاكرة أهل الرقة وريفها ألف حكاية، لقد أعطاهم فأحبوه، ووصلهم بالعالم فعشقوه، وأسعدهم فتغنوا به في أفراحهم وأعراسهم، والتراث الغنائي الرقي يحمل أجمل المعاني وأروع الصور عنه.

الرقة التي لُقبت منذ انطلاق الثورة السورية بفندق الثورة، بسبب احتضانها عشرات الآلاف من النازحين من المدن السورية إليها، ويقدّر سكانها بأكثر من مليون ونصف، تعاني من الحصار والعطش والموت جوعًا، وخطوة التحالف الأخيرة هي القضاء على ما تبقى من المواطنين الأبرياء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق