هموم ثقافية

(قاسم أمين ودوره الريادي في حرية المرأة)

في صعيد مصر ولد قاسم أمين 1863، من أب تركي وأم مصرية، انتقل مع أسرته إلى القاهرة، وأقام في حي الحلمية الأرستقراطي، ثم التحق بمدرسة الحقوق والإدارة، ومنها حصل على الليسانس عام 1881، فكان أول متخرج، وعمل في المحاماة، ثم سافر في بعثة دراسية إلى جامعة مونبيلييه، منهيًا دراسته القانونية بتفوق عام 1885، وفي أثناء دراسته في فرنسا جدد صلاته بجمال الدين الأفغاني ومدرسته، وكان المترجم الخاص للإمام محمد عبده في باريس، وهناك راقت له الحرية السياسية التي ينعم بها الفرنسيون، إذ تسمح لكل كاتب بأن يقول ما يشاء عما يشاء، عمل على مبدأ الحرية والتقدم في الثقافة الإسلامية، وظلّ محاربًا لكثير من العادات الشائعة التي تنسب إلى الدين الإسلامي، مركزًا أبحاثه على العلل الاجتماعية التي تعتري المجتمع المصري بأسلوب المصلح التنويري، وعُرف بدعوته الريادية المبكرة لتحرير المرأة وإطلاق فعاليتها من سجن التقاليد والعادات والنظرة القاصرة.

كان لكتابه “تحرير المرأة” (1899) فعل الزلزال، فقد طالب فيه برفع الحجاب والسماح بالمجتمع المختلط، قائلًا: إن الدعوة إلى التحرر ليست خروجًا عن الدين. وكذلك طالب الرجال أن يتقيدوا بالحدود المطلوبة لتعدد الزوجات، لأنّ العزلة بين المرأة والرجل لم تكن أساسًا من أسس الشريعة، وحض على تحرير المرأة؛ لتخرج إلى المجتمع وتلمّ بشؤون الحياة، فردّ عليه زعيم الحزب الوطني، مصطفى كامل وربط أفكاره بالاستعمار الإنكليزي، بينما عدّ طلعت حرب في كتابه (فصل الخطاب في المرأة والحجاب) “أنّ رفع الحجاب والاختلاط كلاهما أمنية تتمناها أوروبا” وكذلك فعل محمد فريد وجدي في كتابه: “المرأة المسلمة”، ولكن قاسم أمين لم يتراجع أمام نقاده، بل ظلّ يدرس الكتب والمقالات لسنتين أخريين، ثمّ ردّ على خصومه في كتاب بعنوان “المرأة الجديدة” عام 1901، مقدمًا البراهين المؤيدة لأفكاره بالاستناد إلى ثقافته الغربية، مطالبًا بتشريع قانوني يكفل للمرأة حقوقها الاجتماعية والسياسية، ثمّ أهدى كتابه هذا لسعد زغلول، قبل أن يعلن ندمه على التسرّع والغلو بدعوته تلك.

صحيح أنّ المرأة المصرية لم تكن متوقفة، في انتظار دعوته، وأنّ طلائع نسائية من الوسط الثقافي للفئات المتوسطة، راحت تشق ّ طريقها إلى التعليم والعمل، وإن بمحدودية، لكن دعوته كسرت الجليد، وشكلت دعوة جريئة، لكي تأخذ المرأة دورها في الوسط الثقافي. وبوصفه قاضيًا وكاتبًا وأديبًا فذًا ومصلحًا اجتماعيًا، وزعيمًا للحركة النسائية في مصر، إضافة إلى اشتهاره بدفاعه عن الحرية الاجتماعية، وتحقيق العدالة وإنشاء الجامعة المصرية، كما دعا إلى تحرير اللغة العربية من التكلف والسجع، وإلغاء حركات الإعراب منها.

عُدّ قاسم أمين أحد رجال الإصلاح المنتمين إلى مدرسة الإمام محمد عبده، وكان محبًا للفنون، ويعتقد أن الحياة محبة ورحمة، ويهتم بالأسلوب والفعل، معرضًا عن المظاهر، فقد أشار في كتابات متعددة عن المرأة، إلى أنه ليس من المهم أن تخرج المرأة محجبة، إنما المهم تصرفاتها وكيفية اختلاطها ومسارها، وقد لاقت دعوته هذه صدى طيبًا، عند عدد من زعماء الحركة الوطنية والواجهة الدينية والاجتماعية، منهم، سعد زغلول، ومحمد عبده ولطفي السيد، فدعموا دعوته، واتسع تأثيرها، وامتدّ إلى الأوساط الثقافية، لنجد صداها عند شاعر النيل، حافظ إبراهيم، الذي ردد مضمونها شعرًا في قصيدته  المشهورة، في 8 يونيو( حزيران)  1913، ولكنه ظل فيها محافظًا يتأرجح بين الرغبة في تحرير المرأة من العبودية والتضييق عليها، وبين التحذير من إطلاق حبل حريتها على الغارب، فنراه يقول:

مـن لي بتـربيــــة النــســـــــــــاء فإنــــــها             في الـشرق علـة ذلك الإخـفـاق

الأمّ مـدرســـــــــــــــــــــة إذا أعـددتــــــها              أعـددت شـعبـًا طيــب الأعـــــراق

أنا لا أقول دعوا النســاء سوافرًا              بين الـرجـال يجلن في الأسواق

كلا ولا أدعـــــــــــــوكم أن تســــرفوا              في الحجب والتضييق والإرهاق
فتوسطوا في الحالتين وأنصفوا              فالشــــر في التقــــييد والإطـــــــلاق
ربوا البنـات على الفـضيلـة إنـهـا             في الموقفين لـهـن خيـــــــــر وثاق
لا شكّ في أنّ هذا الحذر من الإطلاق الكامل وهذه الوسطية، تنطويان على دافعين في زمنهما المبكر حينذاك، أولهما، أنّ مثقفي الفئات الوسطى من متقدمي ذلك الجيل، لم يتخلّصوا تمامًا من رؤية تأثير مفهومات مجتمعهم، إذ كانوا ما زالوا تحت وطأة الأثر النفسي العميق الغور للمهابة والوقار اللذين يبعثهما مرأى المرأة المحتشمة المجللة بالسواد في النفوس، وهي مهابة تتوافق مع ما يمنحه التجلل باللباس الأسود لرجال الدين، وثانيهما، ما قد يتبع هذه الدعوة إلى السفور من ردة فعل اجتماعية عنيفة، أقلها اتهام الشاعر بالدعوة إلى الفسق والتحلل والخروج على الفضيلة، وهو الموقف الذي تعرض له قاسم أمين من قبله، فأعتذر عن دعوته وحمد الله أنها لم تلق استجابة مباشرة، ليس لعدم قناعته بها، بل لأن المجتمع المصري، بحسب تقديره، لم يرق إلى مستوى الحرية والمسؤولية التي عرفها في المجتمع في فرنسا، خاصة بعد أن رصد مواقف الشباب من الفتيات غير المحجبات ومظاهر التحرش بهن، وذلك لأنّ السفور كان لم يزل يرتبط بالنشوز والتحلل!

وفي اعتقادي أنّ بنية الكاتب الثقافية والأخلاقية وطبيعة تربيته الدينية، كلها مجتمعة، ما لبثت أن عبرت عن نفسها بما يشبه الندم، على ما سماه الغلو في دعوته إلى تمزيق الحجاب، وإشراك المرأة في الأعمال والمآدب والولائم، فحمد الله أنّ دعوته قد خذلها الناس، واستنفرت كثيرين للردّ عليها للذود عن ذروة الفضيلة والأخلاق، وهو الموقف الذي وصفه لأخلاق الرجال في زمانه، فوجد فيه مبررًا كافيًا لندمه وتراجعه عن الدعوة إلى التحرر الكامل؛ إذ قال في جريدة الطاهر 1906: “… رأيتهم، ما مرت بهم امرأة أو فتاة إلا تطاولوا عليها بألسنة البذاءة، وما وجدت زحامًا مرت به امرأة إلا تعرضوا لها بالأيدي والألسن”. وفي ظني أنّ ما تعرّض له من هجوم عنيف، ومن تجيش شعبوي اجتماعي وثقافي، ومن أمثال ما كتبه الشيخ محمود شاكر في كتابه “أباطيل وأسمار” وآخرون غيره، واجهوه بكل حدة وبشتى الأوصاف، السبب الأهمّ، في هذا الندم وفي إعلان تراجعه عن دعوته المندفعة ومغالاته فيها، في مجتمع لم يزل أميًا وأسيرًا لتقاليد ومفهومات مغلوطة، ينزلها في وعيه وإيمانه بمنزلة الأحكام الدينية القاطعة.

مقالات ذات صلة

إغلاق