مقالات الرأي

الأميركيون: نكون أو لا نكون؟

لم يقلها بوب فيرغسون، المدعي العام في ولاية واشنطن، بهذه الصيغة الشكسبيرية. مثلما أن فيرغسون ليس هاملت، وريث مملكة الدانمرك قبل 400 سنة، الذي واجه نفسه بذلك السؤال: هل أقتل عمي الذي قتل أبي، أم أسمم نفسي؟ وأجاب نفسه: أكون أو لا أكون… تلك هي المسألة؟ في الحال الأميركية الترامبية كان السؤال أكبر من الأشخاص. نكون أو لا نكون تلك هي المسألة؟ كان سؤال الأمة الأميركية والدولة الأميركية المترامية الأطراف، ذات الخمسين ولاية، وزعيمة الأمم الحرة، وصاحبة الدستور الأكثر ديمقراطية في العالم. قال فيرغسون النائب العام في ولاية واشنطن بلسان الأمة الأميركية: لا أحد فوق القانون، ولا حتى الرئيس، وفي قاعة المحكمة، فإن الدستور هو الذي يسود، وليس الصوت المرتفع. بوب فيرغسون أول مدعٍ عام يعلن إجراءات قانونية ضد الرئيس الأميركي، على خلفية قرار تعليق استقبال اللاجئين، وحظر دخول مواطني 7 دول إلى أميركا، وينجح. لم يكُ سبب موقف فيرغسون، ومعه حاكم ولاية واشنطن، ومن قبلُ موقف نجوم الفن والثقافة والصحافة القانون، وملايين الأميركيين الذين تظاهروا في معظم المدن الأميركية ومطاراتها، إنها ليست قضية منع شعوب بعض الدول واللاجئين من دخول أميركا، أو تحريم الإجهاض، أو بناء سور على حدود المكسيك فحسب. وإنما كان السبب الأساس الخوف من العودة بأميركا إلى زمنٍ سادت فيه العنصرية؛ بسبب اللون والجنس والأصول القومية، إلى زمن الرق والحرب الأهلية بين عامي 1861 و1865، بين الولايات الجنوبية والشمالية؛ بسبب قوانين الرق، وانتصرت فيها قوى اتحاد الولايات الأميركية المناهضة للرق، ولكن على حساب مقتل حوالي سبعمئة وخمسين ألفَ جندي، بخلاف آلاف القتلى من المدنيين وتدمير البنية التحتية للولايات الجنوبية والتي استغرق إعادة إعمارها حتى العام 1877. كان الخوف من تغيير مسار الديمقراطية وتجاوز الدستور وسيادة المنطق العنصري والشحن الطائفي والقومي ضد الأقليات؛ ما يُهدد الأساس الذي نهضت عليه أميركا بوصفها بلدًا حرًا مفتوحًا لكل البشر، دون تمييز عرقي أو اثني أو جنسي، هو الذي دفع معظم المحاكم التي أصدرت قرارات بوقف تنفيذ قرار ترامب، ومن بينها محكمة بوسطن الفيدرالية، ومحكمة ولاية فرجينيا الفيدرالية، ومحكمة “سياتل” الفيدرالية، ومحكمة بروكلين الفيدرالية بولاية نيويورك. إضافة إلى أنَّ الخوف ذاته دفع 97 شركة اتصالات عملاقة، بما في ذلك آبل وفيسبوك ومايكروسوفت وتويتر ونيتفليكس وأوبر، لرفع مذكرة قضائية تعلن أن مرسوم ترامب التنفيذي حول الهجرة ينتهك قوانين الهجرة والدستور، منبهةً إلى أن معظم تلك الشركات نهضت بعقول وسواعد المهاجرين أو أبنائهم، مثل ستيف جوبز مؤسس شركة آبل العملاقة، وهو ابن رجل سوريٍ حمصيٍ مهاجر. لقد شعر معظم الأميركيين مذ سمعوا وقرؤوا برنامج دونالد تراب الانتخابي أنه متجه بقوة لخرق الدستور، ومن ثمّ؛ القضاء على أساس وبنية أميركا. كان الرجل واضحًا في التعبير عن مواقفه العنصرية، فهو قد قال: سنحارب الإرهاب الإسلامي، ولم يكتف بالقول: سنحارب الإرهاب. وهو تطاول على أعظم قيمة يعتز بها الأميركيون وهي أن قوام الولايات المتحدة هم المهاجرون عندما أعلن أنه سيُرَحِلُ ملايين اللاجئين غير الشرعيين منهم، وأنه سيبني سورًا على حدود المكسيك. لا أحد في الولايات المتحدة الأميركية يدعي أنه أميركي الأصل. قال بيل كلنتون الرئيس الأميركي السابق: كلنا مهاجرون، وكل ما في الأمر أن بعضنا سبق بعض في الوصول. قال حاكم واشنطن الديمقراطي، جاي إنسلي، الذي حضر المؤتمر الصحافي إلى جانب روبرت فرغسون: إن قرار ترامب الأخير يمثل إهانة لجميع الأميركيين من جميع المعتقدات ويشكل خطرًا عليهم. إنه قرار متهور ومتعجل وغير أخلاقي. أما زعيمة الديمقراطيين في مجلس النواب، نانسي بيلوسي، فرأت أن القرار ليس في مصلحة البلاد ومخالف للدستور ويعرض أمن أميركا للخطر، وأن رأيها هذا لا يُمثّل النواب الديمقراطيين وحسب، وإنما يُمثّل أعضاء جمهوريين أيضًا. في اليوم التالي لتنصيب ترامب، السبت 21 يناير/ كانون الثاني، خرجت تظاهرة نسائية في ما سمي الزحف إلى البيت الأبيض، قُدر عدد المتظاهرات والمتظاهرين الذين انضموا إليها بحوالي المليون. ارتدت كثيرات من النسوة قبعات زهرية اللون؛ تعبيرًا عن إيمانهن بانتصار الأمل والحرية. في لوس أنجلوس -أيضًا- تجاوز العدد نصف مليون، والعدد نفسه في نيويورك، كما نُظمت ستمئة مظاهرة في أميركا ودول غربية أخرى ضد توجهات ترامب التي عُدت انتهاكًا للدستور الأميركي، ولقيم العدالة والمساواة. الحكم القضائي الذي أصدره بوب فيرغسون، واجهه ترامب بالقول: إن الخطوة التي اتخذها القاضي سخيفة، وسأواجهها بالطعن. وقد فعل ذلك وفشل، وهكذا استطاع القضاء الأميركي أن ينتصر ويُبطل العمل بقراره التنفيذي. ما يؤرق الأميركيين الآن، أن ترامب لا يزال يؤمن بتوجهاته ويعمل على تنفيذها. ويجدون أنفسهم في معركة لابد أن يخوضوها إلى النهاية ويربحوها، لتظلَّ أميركا بلدًا مُحصنًا بالدستور الذي كَلفَ آباءهم وأجدادهم دماءً غزيرة.

مقالات ذات صلة

إغلاق