مقالات الرأي

السوريون وسؤال الأمة

توّلدت أسئلة الدولة والأمة والقومية والوطنية في سورية، كما في بلدان أخرى في العالم العربي، بعد انهيار الخلافة العثمانية، حيث جاء تآكل الخلافة وتداعيها، وغياب سلطانها عن البلدان التي كانت تابعة لها، بمنزلة ولادة جديدة لتلك البلدان، وولادة جديدة للفكر، ومن ضمنه الفكر السياسي، وواجه مثقفو ما بعد انهيار الخلافة أسئلة، طرحتها عليهم الأوضاع الجديدة، خصوصًا أن بلدانهم راحت تخضع إلى احتلالات غربية، حملت معها تحدّيات كبرى، وفي مقدمتها أسئلة الوجود الاجتماعي والسياسي.

وعلى الرغم من النضال المشترك الذي خاضه السوريون، ضد الانتداب الفرنسي إلا أن التنظير حول الوطنية السورية لم يشغل بال النخب السورية التي لم تبلور أطروحات نظرية خاصة بهذه الهوية، ما يمكّننا من القول إن عناصر المشترك الوطني الفاعلة على المستوى الشعوري/ الوجداني لم تنتقل إلى ساحة الفكر السياسي، وهو ما سيفسّر لاحقًا جزءًا من حالة القفز على عناصر الوطنية السورية نحو ساحات ما فوق وطنية.

إن السجال الذي خاضته النخب السورية، بعد جلاء الانتداب الفرنسي، ذهب إلى ساحة التاريخ، فقد رأى القوميون العرب أن عناصر الأمة العربية تقوم على اللغة والتاريخ المشترك والرسالة القومية للأمة العربية (زكي الأرسوزي مثالًا)، إضافة إلى “وحدة الوجود السياسي والعمل السياسي للأمة” (كما رآها ميشيل عفلق، ونديم البيطار)، بينما تبنى الإسلاميون مفهومَ الأمة انطلاقًا من الرابطة الدينية، وما تفرضه هذه الرابطة من طموحات وآمال سياسية، تتناغم مع قراءة تأويلية “تراثية” للنص الديني، بينما اتجه أنطوان سعادة، ومن ورائه القوميون السوريون، إلى اعتماد عاملي الجغرافيا والحضارة.

في كل تلك الاتجاهات الفكرية/ السياسية بقي النظر إلى الهوية الوطنية هو العنصر الغائب، أو في أحسن حالاته مؤولًا لمصلحة عناصر أخرى في نظريات الأمة للقوميين والإخوان المسلمين والقوميين السوريين. وعاشت سورية، منذ أوائل ستينيات القرن الماضي، تحت حكم حزب البعث؛ ما مكّن هذا الحزب من فرض هيمنة فكرية، أعاقت إنتاج فكر سياسي يقوم على بناء تصورات مطابقة للواقع السوري من جهة، ويفكك من جهة أخرى العناصر الميتافيزيقية التي قامت عليها أطروحات القومية العربية والإسلامية والسورية، وحتى المجهودات التي قام بها المفكر الراحل ياسين الحافظ، وعلى الرغم من تبنيها فكرًا نقديًا يسعى إلى المطابقة، إلا أن تلك المجهودات لم تخرج نوعيًا عن ارتباطها الميتافيزيقي بعنصر التاريخ في نظرية الأمة الذي تبناه القوميون العرب.

ليس الشحّ في الإنتاج المعرفي المطابق الذي يقطع مع كل ميتافيزيقيا، في نظرية الأمة، وحده هو المشكلة، بل في واقع الدولة الوطنية التي مثّلها حكم البعث، وهربت من مواجهة أزمات الداخل نحو الخارج، معتمدة على ميتافيزيقيا النظرية السياسية في اكتساب أحد أوجه شرعيتها، في الفضاء السياسي الإقليمي، وهو ما جعل كل التناقضات الوطنية تتحول إلى عناصر ملتهبة، بانتظار لحظة الانفجار.

لقد كشفت تجربة السنوات الست الماضية في سورية أن أزمات الدولة الوطنية، وأزمة غياب النقاش الفكري والسياسي حول مفهومات الهوية الوطنية، والدولة، والأمة، لعبت دورًا مهمًّا في الاستقطابات الحادّة التي عاشتها سورية؛ ودفعَ السوريون ثمنها باهظًا، خصوصًا مع ظهور حالات نكوصية، تمثل الجهادية السلفية أحد أوجهها، إضافة إلى انكشاف الشرخ بين مسمى الدولة الوطنية وبين طبيعة مؤسساتها في سورية.

أفصح الهروب إلى انتماءات ما قبل وطنية أو ما فوق وطنية، في الحالة السورية، عن انكسار عميق في الهوية الوطنية، وكشفت التوجهات السياسية لمعظم القوى السياسية عن غياب أي مفهوم تعددي للأمة في عقلها السياسي، وعن فوات كبير في تصوراتها لعلاقة المكونات القومية بالدولة، وبالأمة، في الوقت ذاته، وهو ما جعل من الافتراق السياسي أمرًا بديهيًا بين قوى المعارضة نفسها.

وإذا كان سياق تطور الأمة/ الدولة في الغرب هو سياق متصل جذريًا بمفاعيل التطورات الاقتصادية والاجتماعية، وبفكر التنوير، ومن ثم الحداثة، وعدم اعتبار التعدد القومي على نقيض من الأمة، حيث إن كثيرًا من الشعوب الأوروبية هي شعوب متعددة القوميات، فإن سياق التطور في بلدان المنطقة، وعلى الرغم من تباين التجربة التاريخية بين بلد وآخر، لم يبلور أي تطابق بين الدولة والأمة، ما سمح للدولة أن تكون دولة فئة قومية دون أخرى، كما في تجربة حزب البعث.

إن اكتساب نضال السوريين معنًى مستقبليًا لا ينهض فقط على مكاسب إزاحة نظام سياسي شمولي وفاسد وأمني، بل في الفرصة الواقعية التي أتاحتها الحالة السورية لإعادة بناء الهوية الوطنية، وتخليص مفهوم الأمة من أي بعد ميتافيزيقي ديني أو تاريخي، وإعادة الاعتبار له بوصفه مفهومًا مولّدًا للهوية، وإقامة دولة متطابقة مع أمة التعدد القومي، بكل ما سيحتاجه ذلك من ترميم للمشترك الإنساني العام، ودستور يعكس اعترافاتٍ صريحة بحالة التعدد.

مقالات ذات صلة

إغلاق