هموم ثقافية

باب رزق!

فجأة، وخلال وقت قصير نسبيًّا، بات السّوريّ مطلوبًا، ومرغوبًا، ومبحوثًا عنه، تتقصَّى أماكنَ تواجده الصحفُ والمواقع الإلكترونيّة ووكالات الأنباء؛ فضلًا عن المنظمات والمؤسّسات والهيئات.. وغيرها الكثير.

إذا كان لدى سوريّ مشروع مسرحيّ، فالعديد من المسارح في العالم مستعدة لفتح أبوابها له، وإذا كان قد أتمَّ -في السنوات القليلة الماضية بخاصة- كتابة روايةٍ، أو عددٍ من القصص القصيرة، أو قصائد؛ فإنّ أكثر من دار للنشر -عربية أو أجنبية- تُبدي رغبتها بطباعتها وإصدارها.

حتى الخواطر المكتوبة والمشاهدات المصوَّرة على يد سوريّ، ستجد مَنْ يطلبها، ويفيد منها في مجال عمله. لا شيء من سوريّ، أو عنه، أو يتعلَّق به، بات يجوز أن يُرمى أو يُهمل؛ إذ سيكون صالحًا على نحو ما، مُفيدًا بطريقة ما، أو ملائمًا لمناسبة معيَّنة أو لحال من الأحوال.

مُخيَّمات السوريين -في أيّ أرض أقيمت- قوافل المهاجرين والمُهجَّرين، القوارب المطّاطيّة لتهريب البشر، الشاحنات والمركبات -بمختلف أحجامها وأنواعها- إجراءات الزواج، وقائع الانفصال، حالات الطلاق، الجثامين -مُكفَّنة أو من دون أكفان- في العراء أو في المقابر الجماعيّة المُكتشَفة، أوضاع الأعمال والمهن المختلفة، واقع التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات، رسوم الأطفال وأشغال الفتيات، التسوّق والتحرّش والاغتصاب، الوحشة واليأس والانتحار… وكلّ ما يمتُّ بصلة إلى السوريين والسوريّات بات مادةً مطلوبة، مرغوبة، ومُفيدة لإعلام ومؤسسات وهيئات بلدان العالم أجمع. وبات الأمر كذلك، منذ آذار/ مارس 2011 وإلى يومنا الحالي.

أما قبل هذا التاريخ؛ فاهتمام العالم بالمأساة الإنسانيّة للسوريّين يكاد لا يُرى ولا يتميَّز، على الرغم من أن الطغيان كان رابضًا على حياتهم كالكوابيس، طوال أربعين عامًا، وعلى الرغم مما نتج عن استبداده من بلايا، وبلايا لا تُعدُّ ولا تُحصى، وعلى أكثر من صعيد، أشهرها استمرار استعباد الناس بقانون الطوارئ، وما تخلّف عنه من حملات وملاحقات ومداهمات واعتقالات وتهجير ومنع سفر وكمّ أفواه، طالت الآلاف من السوريين، وامتدت لأعوام تساوي -وتزيد في مرَّات- عن أطول مدد الاعتقالات السياسيّة لسجناء الرأي التي جرت في العالم.

الآن -والآن فقط- صار السوريُّ موضوعَ الساعة، والندوات، والمؤتمرات، و.. و.. إلى ما هنالك من أنشطة. أي أن مأساة السوريين، في أفضل نظرة إليها، أمست “الموضة” الرائجة، وفي أسوأ تعامل معها، أضحت مادة للشغل، تغذّي وترفد المنابر الإعلاميّة المختلفة، والمحافل الدولية على اختلاف طرائقها وغاياتها وأهميّتها؛ إلاّ من رحم ربّي، والاستثناء هنا ليس موضوعنا.

ولعلّ مهزلة مأساة السوريين، هي أنهم لطالما كانوا مضطرّين للامتثال في كلّ الأحوال؛ وقبول الإهمال المُجحف المُمارس في السابق (إذ ما باليد حيلة إزاء مَنْ لا يُريد أن يرى)، والاهتمام المُبالغ به الجاري في الحاضر (إذ هو أفضل من الإهمال بالضرورة)، وانعدام التّحرك الدولي الفاعل لإيقاف آلة وآليّات الهرس الدامي للسوريين (إذ ليس في أيدي السوريين تفعيله؛ مهما تعاظمت مأساتُهم، أو اجتهدوا وأجادوا في الشرح والتعبير عن قضيَّتهم).

أليس من المثير للتأمّل والتفكير -من دون التقليل من مأساة الطفل عمران، أو شجاعة الفتاة يسرا مارديني- ألاَّ تتناقل وتهتمّ وكالات الأنباء والصحف والإعلانات ووسائل الاتصال في العالم أجمع -على امتداد أربعين عامًا من حكم الأسدين-  خبرًا وصورة لضحيّة سوريّة من ضحايا الاستبداد والطغيان، كما فعلت مع صورة الطفل السوريّ؛ أو تهتمَّ وتسلط الأضواء إعلاميًّا و”هوليوديًّا” على مبدع سوريّ حيّ -على أيّ صعيد- كما اهتمّت بحادثة الفتاة السوريّة؟

هل كانت صفة البشر، وحقوق الإنسان، منفيةً عن السوريين، خلال ما مضى من سنوات؛ قبل آذار/ مارس 2011، وحلَّت فيهم بعد ذلك التاريخ، فصاروا أهلًا للذِكْر والمتابعة والاهتمام؟ أم أننا -وبإيجاز بليغ لكاتب سوريّ- “لسنا قضيّة، بل نحن باب رزق” ولعلّي أضيف: على الأقل!؟

مقالات ذات صلة

إغلاق