أدب وفنون

في بُنيَة وبنائيّة “عين الشرق”

لطالما كانت الرواية السورية مُلتاثةً بالتاريخ، إلى درجةٍ شكّلت فيها عبئًا حتى على المُترجم الغربيّ المُتمكِّن، كلّما غامَرَ بترجمة إحداها! وهكذا -أيضًا- ستستدعي روايةُ “عين الشرق” الأسئلةَ ذاتَهَا، عن الزواج الكاثوليكيّ بين الرواية السورية وبين التاريخ، منذ الروايات الأولى مطالع “عصر النهضة” كلّما استدعَت تاريخًا مضى، لمستقبلٍ قد لا يأتي! وهذا ما حصل بالضبط، ما دامَ كلُّ هذا الشرق لمّا يزَل يقبعُ -إن لم أقلْ يَقعِي- في ماضيه!

ثمّة ثلاثةُ أنماطٍ من سؤال التاريخ في الرواية:

  • الرواية التاريخية التقليدية، بما تعنيهِ من سَردٍ مَحضٍ للتاريخ.
  • رواية الراهن المُنتكِسِ نحو التاريخ، بل المُلتاثُ به، مهما حاولت تلك الرواياتُ أن تُقدِّم تاريخًا نقيضًا للتاريخ الرسمي، أقصد: لتاريخ السلطة على مرّ العصور، وأقربَ إلى تاريخ الناس.

أما رواية الراهنِ “بما يتضمّنه هذا الراهنُ من تاريخٍ مضى ومن استفهام الحاضر ومن أسئلة المستقبل” فما تزال في بواكيرها الأولى، وبخاصةٍ بعد ثورات الربيع العربي، وبالضبط، بعد أكثرها تراجيدية: الثورة السورية العظمى على الطغاة والغزاة.

ثمَّة نوعٌ رابعٌ من الروايات الغربيّة بخاصةٍ -وبدأ تقليدها عربيًا- تلك التي تبني خطًا مُوازِيًا للتاريخ، من حيث تجري أحداثُها في الماضي بالطبع، ولكن كما لو أنها تحدثُ في طريقٍ افتراضيةٍ، فرعيةٍ، مُوازيةٍ للتاريخ ذاتِه، بحيث يبدو خلفيةً فيها، بينما يبني الروائيّ عالمًا مُستقلًا عنه، كما في أعمال أمين معلوف اللبناني/الفرنسي، وصولًا إلى “شيفرة دافنشي” لدان براون.. إلخ، وقد انتقلت هذه التقنيّة إلى الكتابة المسرحيّة منذ تجربة “مسرح الشمس” الفرنسي مطلع ثمانينياتِ قرنٍ مضى، كما إلى الأفلام السينمائية بشكل لافتٍ وغزير، بعضُهَا.. حَرَّف تاريخًا بعينهِ بينما يُوحي للمشاهدين بأنه يلتزم الحياد والمصداقية.

 

في عشق دمشق

سيبدو لوهلةٍ أنّي لا أتحدثُ عن رواية “عين الشرق” أو أنّي أتفادى الدخولَ في التفاصيل، من حيث أنّ رواية إبراهيم الجبين هي رواية تفاصيلٍ بالضبط، كَقِطَعِ “البازل” لكنه لا يُرينا إيّاها مُنجزةً وكاملة، وفي ظَنِّهِ.. تورِيطُنَا معه في ترتيب تلك القطع الصغيرة المتناثرة، حتى لنكاد نتوهُ عن كُلِّيَتِها.. من كثرة جزئياتها وكثافتها، كأنما يخاف الجبين أن ينساها جميعها، قبل أن يُدوِّنَهَا، فيكونَ المُصَابَ رقم 21 في العالم بمرض “الهايبرثيميسيا”.

أعترف بعد قراءتي آلاف الروايات، بأنّي ما أسطعتُ تلخيصَ رواية مارسيل بروست “البحث عن الزمن الضائع” في جملتين للقارئ، كما لا أستطيع الآن.. تلخيصَ رواية “الجبين”.

أعترفُ أيضًا بأنّي قد كابَدتُ حتى انتهيتُ من القراءة الأولى لها، ثمّ سأتركها جانبًا حتى أقرأها مرَّةً ثانية، لأتركَ مسافةً بينَ تصورّاتي الشخصيّة عن دمشق التي أراها: طريقَ العالم إلى العالم كلّه، وبينَ ما يراها إبراهيم: عينَ الشرق، وكلانا قادم إليها من الأطراف المَنسيّة البعيدة، حتى صارت جزءًا من جيناتنا، مجدولةً كالضفيرة مع جيناتِ مَسقطِ رأسنا الأول، وهذا ما تفعله دمشق مع عشّاقها.. تَجدِلُهم بها، ويظلّون مُعلَّقين بها كجديلتها، مهما ابتعدوا أو هجَّرتهم السلطاتُ عقابًا لهم على عشقهم لها، كما فعلت بأبي خليل القباني، نجيب الريّس، نزار قباني، عمر أبي ريشة، غادة السمان، زكريا تامر، محيي الدين صبحي، خلدون الشمعة، مواهب وحسيب كيالي.. وسواهم من أبنائها، ومِن غيرِ أبنائها.

أولُ انطباعٍ لي بعد قراءتي الأولى، أنها روايةُ عن عِشقِ دمشق، فلطالما قرأتُ، منذ سبعينيات قرنٍ مضى، قصائدَ وقصصًا قصيرة ورواياتٍ.. تشتمُ دمشق بينما هي تَدَّعي حُبَّها!

وقد راجَ هِجاءُ المُدُنِ والحَوَاضِرِ السورية، وبخاصةٍ دمشق منذ السبعينيات، مع استيلاء حافظ الأسد على السلطة فيها، وتبلور هذا الهجاءُ تلفزيونيًا مع الأجزاء المتلاحقة لمسلسل “باب الحارة” الشنيع، حين حرَّفَ كلَّ تاريخها، لصالح من خرّبوها -حضاريًا وعمرانيًا وخدماتيًا وأخلاقيًا- وألحقوا غوطتها جشعًا بالتصحُّر الذي في البادية، ثم أجهزوا على حواضر الشام واحدةً تلو ثانيها: قصفًا وتدميرًا وتهجيرًا وحصارًا.

 

اختلاط اللغات في العين

لوهلةٍ.. ينتقل قارئ “عين الشمس” من مقطعٍ سرديٍ إلى مقطعٍ مُلتاثٍ بالشعر وبالحنين، إلى مقطعٍ آخرَ، يكاد يكون قصةً قصيرةً مُكتفيةً بذاتها، إلى مقطعٍ ذي لغةٍ صحفيةٍ مَحضَة، إلى مقطعٍ بلغةٍ وثائقية، وهكذا يحتاجُ القارئ إلى فترة استراحةٍ كلّما قطع شوطًا فيها، وبخاصةٍ حين يتسارَعُ إيقاعُ المونتاج بين تلك المقاطع، بل يُحِسُّ القارئ أحيانًا بأنّ شيئًا ما قد تعرَّض للقطعِ، ثم يقوم الروائيّ بالعودة إليه فجأةً.. بعد صفحاتٍ عديدةٍ من انقطاعه، حتى ليبدو أنّ الروائيّ يُغامِرُ معنا وبنا، في اقتراحاته البنائيَّة تلك.

هذا خَيارُ إبراهيم الجبين في بنائه لروايته هذه، وفي إخفاء أسماءِ شخصياتٍ بعينها، كأبي القعقاع عميل المخابرات الأسدية ومؤسس (داعش) في العراق، بحسب رأيِ الجبين، كما في إظهارِ سِوَاهَا.. كأدونيس، وعلينا أن نُعامِلَه كخَيارٍ مُنجَزٍ، مِن غيرِ مواقفَ مُسبَقة، دونما انسياقٍ لذائقتنا الشخصية في تفضيل بناءٍ روائيٍ على آخر، بل أبعدَ عن اعتقادنا الراسخ بأنَّ دمشقَ لا تُحِيطُ بها قصيدةٌ واحدة، أو فيلم واحدٌ، أو لوحةُ واحدة، أو جداريةُ واحدة، أو سيمفونية واحدة، أو روايةُ واحدة، لأنَّ “عَين الشرق” هي عَينُ إبراهيم التي رأتها كذلك، حتى لو أنها غامرت بالإيغالِ في زمنٍ عاصفٍ من أزمانِها، بل في كَشفِ المَسكوتِ عنه من أزمانها، كما لو أننا حِيَالَ فيلمٍ وثائقيّ، أو كتابٍ صحفيٍّ عن مؤامراتٍ لا يعرِفُهَا القُرَّاء، وفي الوقت نفسه حِيالَ رواية.

ثمّة شيءٌ أحسستُ به بعد انتهائي من قراءة “عين الشمس”، كأنما يُريد الجبين أن يبوحَ بكلّ شيءٍ يعرفه عن كواليس دمشق/ الشام، في روايةٍ واحدة! ومن حيثُ تنوس دمشق ما بين ابن عربي وبين ابن تيميّة، كسائر هذا الشرق الذي خَسِرَ عينًا واحدةً على الأقلّ، وأصاب العَشا المذهبيّ والطائفيّ عينَه الثانية، ولم يكسب عَينَه الثالثة!.

حين أنهيتُ قراءةَ 360 صفحة، تذكرتُ أننا في القرن الواحد والعشرين، وأنّ روايةً بهذا الاقتراح البنائيّ، حتى لكأنّها رواياتٌ في روايةٍ واحدة، وبهذا الحجم –أيضًا- قد كُتِبَت أواخرَ قرنٍ مضى، وربما عام 2000 حين ماتَ الوحشُ الأكبر حافظ الأسد، لكنها لم تصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر حتى 2017.

مقالات ذات صلة

إغلاق