مقالات الرأي

لماذا استطالت دوامة العنف؟

كثرت التساؤلات حول أسباب استمرار الدمار ودوامة العنف التي انزلقت إليها الثورة السورية، كل هذه السنوات (الرقة مثلًا تتحضر للتحرير للمرة الثالثة، خلال أربع سنوات)، وذلك على الرغم من حجم التدخلات الخارجية الهائل، وعلى الرغم من أن كل تلك التدخلات كانت مباشرة وعسكرية، مما يوحي بأن الأطرف الداعمة تتدخل بكل ثقلها لحسم الصراعات التي تدور على الساحة السورية، من أقصاها إلى أقصاها.

التدخل الأميركي، منذ العام الماضي، تعدى حدود الاكتفاء بتوجيه ضربات جوية وصاروخية إلى إرسال قوات برية على الأرض. كذلك التدخل الإيراني لم يعد يكتفي، منذ فترة، بإرسال قوات من حزب الله اللبناني، بل دعَّم ذلك التدخل بعناصر مقاتلة، من متقاعدي وخبراء الحرس الثوري أو من عناصر من ميليشيات طائفية يعتقدون أنهم أتو ثأرًا للحسين وليس نصرةً لبشار الأسد. أما التدخل التركي بدوره فقد تجاوز مرحلة تدريب بعض كتائب الجيش الحر وتسليحها إلى إرسال قوات برية، دخلت الأراضي السورية منذ عام 2016. وقل مثل هذا عن التدخل الروسي والعراقي والخليجي. غير أن كل تلك التدخلات لم تؤد سوى إلى استمرار حالة الدمار والعنف أولًا، وإلى تراجع الأمل ببزوغ أي شكل من أشكال الحلول الممكنة والخروج -ولو جزئيًا- من دائرة العنف تلك.

أقصى ما تحقق الوصول إليه هو اتفاقات تهجير قسرية من بعض المناطق، بعضها أخذ يثير مخاوف من تغيير ديموغرافي راحت تفوح منه رائحة طائفية. فضلًا عمّا بات يسمى باتفاق “مناطق خفض التوتر” الذي تشرف عليه روسيا. عندما سمعتُ بهذا المصطلح أول مرة كنت أظن أن بعضهم أطلقه من باب الدعابة، فإذا به وثيقة، قدمتها روسيا فعلًا، وتم التوقيع عليها تحت ذلك المسمى بالتعاون مع تركيا وإيران، كما صرح بذلك بوتين، في 4 أيار/ مايو 2017.

لم يعد السوري المتابع لوضع ثورته يكتفي بالتفسيرات البسيطة لاستمرار العنف خلال السنوات السبع العجاف الماضية، بأقوال تتذمر من “الحظ العاثر للثورة السورية” (عنوان مقال لأكرم البني في الشرق الأوسط) أو “الصدف السيئة التي اعترضت مسارها”، ولا بتفسيرات الإسلاميين المستفزة للسوريين، وتقول -على طريقة المحيسني- إن الدمار استطال في بلاد الشام بسبب “انتشار سب الله سبحانه وتعالى بينهم”. يضاف إلى كل ذلك بعض التفسيرات التي تتخذ من الشكوى والبكائيات والتذمر شكلًا لتفسير ما يحصل في الثورة من السورية، من خلال الحديث العاطفي عن عدم توحد السوريون ضد الطاغية، أو خذلان العاَلم لنا، أو أن الداعمين للنظام أكثر جدية من الداعمين لقوى الثورة، أو الحديث عن مؤامرة ضد السنّة، وما إلى ذلك من تفسيرات أتعبها الدمار والخراب والتهجير وكمية العنف التي يتعرض لها المدنيون السوريون.

في السياسة لا يوجد أمر غير مفهوم، أو أمرٌ لا يخضع للتفسير العقلاني. حتى الصدف -وهي موجودة في العالم والتاريخ- يمكن أن تفهم عقلانيًا، وأن يكون لها مبرراتها.

إن العنف -كما هو معروف للجميع- لا يخرج عن كونه أمرًا، يراد منه تحقيق أهداف سياسية عجزت السياسة عن تحقيقها، أو إذا استعرنا لغة المنظر العسكري الألماني كارل كلاوزفيتش: “الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى”. غير أن الذي حصل أنه إذا كانت الحروب الكلاسيكية تنتهي عادة إلى رابحٍ يأخذ كل شيء، وخاسر يفقد كل شيء؛ فإن الوضع في الحروب الحديثة تغيّر كثيرًا، إذ من الممكن أن كل أطراف الصراع تنتهي وتخسر كل شيء، وقد تكون هذه هي كلمة السر التي تفسر استمرار الصراع في سورية، بهذه الطريقة الوحشية التي وقع ضحيتها ملايين المدنيين السوريين. وهذا يعني أن استمرار التدمير والعنف في سورية أكثر ما يراد منه توقع إنهاك كل الأطراف إلى أقصى درجة ممكنة، وترك كل الأطراف تدمر بعضها بعضًا.

وهنا نجد أننا أمام نتيجتين بارزتين: الأولى تبين أنه لا فروق جوهرية بين حسابات الداعمين للنظام وحسابات الداعمين لقوى الثورة بمختلف أطيافهم. مثلما ليس هناك فرق حقيقي بين غايات النظام وتابعيه وبين غايات (داعش) وجبهة الشام وتحرير الشام وجيش والإسلام، وباقي الفصائل الإسلامية المسلحة. فالكل لا يريد توقف الصراع لأن له غايات، ليس من ضمنها إنهاء حالة العنف أو ترك طرف يحقق النصر الكامل على الأطراف الأخرى -باستثناء إيران- بل على العكس من ذلك فإن استمرار الدمار والعنف في سورية لفترة أطول يجعل الداعمين أقرب إلى أهدافهم، كما أنه قد يطيل من عمر النظام والكتائب الإسلامية التي تحاربه. هكذا أصبحت سورية المفيدة هي سورية التي يطول الصراع فيها: النظام يعتقد أن الاستمرار في العنف قد يحقق له المزيد من المكاسب لاعتقاده أن نَفَس داعمية أطول من نفس داعمي خصومه، خاصة أنه لم يعد معنيًا بكل سورية، لأنه وجد من المفيد أن يستمر في سياسة التنازل عن كل شيء إذا كان هذا التنازل قد يبقيه فترة أطول. روسيا تريد إطالة الصراع لأنها تعتقد أن الورقة السورية مهمة لتحقيق تفاهمات مستقبلية مع أميركا، وكلما كان النظام ضعيفًا أكثر كلما أصبح ورقته أسهل في المساومات، ولا سيّما أن روسيا لم تنتزع ورقة الاعتراف بها من أميركا بوصفها شريكًا دوليًا في مناطق النزاع التقليدية. كذلك نجد أن بعض دول الخليج تعتقد أن من الأفضل تحويل الثورة السورية إلى جحيم مستمر، حتى لا يفكرأحد من شعوب المنطقة في أي شكل من أشكال الثورات أو الانتفاضات.

(داعش) وباقي الكتائب الإسلامية تريد استمرار دوامة العنف “إلى الأبد” (أحب مصطلح على قلب حافظ الأسد)، فهي أولًا ليس لديها ما تخسره في النهاية، وثانيًا ليس لديها ما تقدمة للناس، وسيفتضح أمرها وشعاراتها الرنانة عندما ينتهي العنف. كذلك تركيا التي تعتقد، ضمن الظروف المتاحة، أنها يمكن أن تحقق مكاسب إذا ما استمر الصراع، على أمل تمكنها من تحقيق نقاط إضافية ضد الأكراد. أما أميركا فتتعامل -كعادتها- مع كل الصراعات وفق سياسة “الاحتواء المزدوج” التي مارستها قبل ذلك في تعاملها مع حرب الخليج الأولى والثانية، أي دعم الطرفين بأشكال مختلفة، حتى يدمربعضها بعضًا (فضيحة إيران – كونترا زمن رونالد ريغان مثال واضح على هذه السياسة. كذلك يمكن أخذ اتفاقات الإدارة الأميركية مع إيران حول برنامجها النووي، واتفاقات توريد الأسلحة للسعودية الأسبوع الماضي بغية تأهيل الطرفين لخوض صراع عسكري، احتمالاته ليست مطروحة في الوقت الحالي، كمثال آخر).

وقد وصل الأمر إلى أن أحد أطراف الصراع في سورية -وهو حزب “الاتحاد الديمقراطي” الكردي بزعامة صالح مسلم ومن يمثلهم- تلقى دعمًا من أميركا وروسيا وتركيا والنظام في الوقت نفسه، وتحالفَ مع أطراف محسوبة على السعودية وإيران والنظام وتركيا وأميركا (أهم مساعدة تلقاها الأكراد من تركيا عندما سمحت الأخيرة لقوات البشمركة باستعمال الأراضي التركية للدخول إلى الأراضي السورية لمنع سقوط كوباني بيد داعش عام 2014، وهذا ما حصل بالفعل).

أما النتيجة الثانية المترتبة على ذلك الفهم الحديث للعنف فتتحد في أنه إذا كانت الشعوب تلجأ إلى العنف، سواء بوسائل لا عسكرية كالتظاهرات والاعتصامات والإضرابات وغيرها، أو بوسائل عسكرية مختلفة، فإن العنف هنا بقصد إجراء تغيير جذري على أرض الواقع وإحداث نقلة نوعية تجبر السلطة إما على الرحيل أوتقديم تنازلات بالجملة والمفرق. في حين نجد أن العنف المضاد للثورة السورية المتسخدم اليوم بأشكال مختلفة يراد منه الإبقاء على الوضع قبل الثورة والعودة بالثورة إلى نقطة البداية، وربما أبعد من ذلك، أو بلغة حنة أرندت: “الحروب هي لخلق استمرارية تظل محكومة بما سبق فعل العنف”.

ألم يقل ابن خلدون يومًا: “إن الطغاة يجلبون الغزاة”، ولكن لم يخطر بباله أن الطغاة لا يجلبون الغزاة وحسب، بل يخدمونهم ويسلمونهم مفاتيح المدن أيضًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق