ترجمات

الغارديان: كيف ترك الشباب اليساري الراديكالي مانشستر الطريق إلى الإسلاموية؟

بعد الفظائع، نستحضر الماضي عندما كان الشباب والمسلمون مشاركين في السياسة الطبقية

محتجو غرونويك في شمال لندن، 1976: “التأسيس لنضالات جيلي”. تصوير: جمعية الصور الصحافية/ وكالة أخبار

 

لو كنتُ اليومَ في العشرين من عمري، أتراني سأنجذب إلى الإسلاموية، أو إلى رغبةٍ في أنْ أكون جنديًا لدى (داعش)؟! مجرّد طرح هذا السؤال يبدو صادمًا، وحتى مهينًا، ولا سيّما لأولئك الذين فقدوا أرواحهم في ساحة أرينا مانشستر، ليلة الإثنين، ويبدو الأمر أكثر إثارةً للصدمة عندما تعطي، ببساطةٍ، جوابًا رنانًا: “لا”، ثم تمضي.

إنّه ليس سؤالًا يحمل المزيد من التشويش. صحيح، لقد أمضيتُ معظم حياتي وأنا بالغ، أقف ضد الإسلاموية. لقد وصفتُ الجهاديين بأنهم مختلين وبرابرة، سأجد أنه أمرٌ لا يمكن تصوره أن أرتدي سترةً انتحارية تحت أيّ ظرفٍ من الظروف، فضلًا عن أنه عملٌ صبياني طائش.

ولكني، عندما كنت في أواخر سنيّ مراهقتي، مع أوائل العشرينات، كنت غاضبًا مثل العديد من الشباب المسلمين الآن، وكذلك كانت حال العديد من زملائي. فلماذا لم ينتهِ بنا الأمر إلى ما فعله سلمان عبيدي، الانتحاري في ساحة مانشستر، أو محمد صديق خان، قائد تفجيرات 7 تموز/ يوليو 2005 في لندن؟

هناك جوابٌ واحدٌ هو أنني -بصفتي فردًا- أملك بوصلةً أخلاقية لا يملكها عبيدي أو خان، بوصلةً تبعدني عن مثل هذه الأيديولوجيات، وعن ارتكاب مثل هذه الأعمال الوحشية. قد يكون ذلك فكرةً مريحة بالنسبة إلي، ولكن لا يمكن الردُّ على المشكلة بكلّ بساطة. الفرق ليس مجرد خلاف في الأخلاق الفردية؛ إنّه متعلقٌ بالأجيال أيضًا؛ إذ عبَّرَ جيلي عن الغضب والسخط بشكلٍ مختلف تمامًا عن الجيل الحالي. قصتي، والتضاد الذي تعرضه مع قصص جيل اليوم، قد تساعد في الكشف عن بعض الأسباب التي مكَّنت سلمان عبيدي أو محمد صديق خان من أنْ يفعلوا ما فعلوا.

نشأتُ في جنوب مانشستر، في المكان ذاته الذي نشأ فيه سلمان عبيدي؛ بيد أن مانشستر في أيامي كانت مختلفةً جدًا عن مانشستر عبيدي. كانت العنصرية في السبعينيات محاكةً في نسيج المجتمع البريطاني بطريقةٍ لا يمكن تصورها الآن. “باكي باشينغ” (عمليات السخرية، والإهانة للأجانب التي يقوم فيها البيض) كانت رياضةً قومية؛ وكان الطعن بالسكاكين أمرًا شائعًا، وتفجير المنازل الآسيوية أحداثًا أسبوعية تقريبًا، ولم يكن القتل أمرًا غير مألوف.

تلقيت معظم تعليمي في مدارس البيض؛ ذاكرتي الرئيسة هي أنْ أشارك يوميًا تقريبًا في معارك ضد العنصريين، وكان أمرًا طبيعيًا، حينئذٍ، أنْ ترجع إلى المنزل، وشفتاك مدماةٌ من الكدمات، أو ثمة كدمات على عينيك، وإذا أبلغت الشرطة عن اعتداءٍ عنصري؛ فمن المرجح أن يعتقلوك لأنهم كانوا عنصريين أيضًا. أو في مواجهات ضدّ قادة النقابات الذين يتآمرون مع الإدارة، لمنع العمال السود، والآسيويين من الدخول إلى موظفي الهجرة الذين يقومون بـ “اختبارات العذرية” على النساء الآسيويات، إذ كانت العنصرية مفتوحة وشرسة ووحشية.

شعرتُ بالغضب الحقيقي من مجتمعٍ لا يقبلني مواطنًا لي حقوق المواطنين الآخرين نفسها. لكنه كان نوعًا مختلفًا جدًا من الغضب الذي يشعر به الآن كثير من الشباب المسلمين، وكانت طرق التعبير عنه أكثر وضوحًا.

لم أُعبّر عن غضبي، تجاه بريطانيا، من خلال منظور أني “مسلم”، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنني لم أكن متدينًا؛ ولكن جزئيًا، أيضًا، لأنَّ قلةً اعتمدت “الإسلام” هويةً عامة. كنا نعدّ أنفسنا “آسيويين” أو “سود”، وكانت هذه عناوين سياسية، لا عرقيةً أو ثقافية.

لم تكن المساجد هي المؤسسات التي شكّلت ما يسمّى الآن “المجتمعات المسلمة”، وإنما منظماتٌ علمانية وسياسية، مثل رابطة العمال الهنود، وحركات الشباب الآسيوية. كانت نضالات المجتمعات الآسيوية مرتبطةً ارتباطًا وثيقًا مع النضالات الأوسع للطبقة العاملة. وكان العمال المهاجرون في طليعة الأعمال الصناعية، من “إضراب المهاجرين” الأول، والمهم بعد الحرب في مطحنة ريد سكار، قرب بريستون لانكشاير، عندما اتخذ العمال الآسيويون إجراءاتٍ ضد سياسة إجبار العمال غير البيض على تشغيل مزيد من الآلات مقابل أجرٍ أقل، إلى “غرونويك”، في لندن، حيث في عام 1976 نفذّت النساء السود، والآسيويات إضرابًا لأكثر من عام، مطالباتٍ بالاعتراف النقابي. وفي هذه النضالات، دعم مسؤولو النقابات، في كثيرٍ من الأحيان، الإدارةَ ضد العمال السود والآسيويين؛ كان غرونويك أول صراعٍ للعمال السود الذين اجتذبوا دعمًا جماعيًا من الحركة النقابية.

قدَّم هذا التاريخ الأساسَ لنضالات جيلي؛ عرفنا المعالم المشتركة للقيم، والآمال، والتطلعات التي تجمع بين الآسيويين والسود والبيض، حيث زودتنا منظمات من اليسار، والحركة العمالية بالأساليب لإضفاء شكل سياسي على المظالم، وآلياتٍ لتحويل السخط إلى وقود للتغيير الاجتماعي.

انجذبتُ إلى السياسة، من خلال تجربتي ضد العنصرية؛ والسياسة جعلتني أرى ما وراء الحدود الضيقة للعنصرية؛ جئتُ لمعرفة أنَّ العدالة الاجتماعية أهم من المظالم التي ارتُكبت بحقي، وأنَّ لون البشرة أو العرق أو الثقافة ليس دليلًا على صحة المعتقدات السياسية.

من خلال السياسة، دخلتُ إلى التنوير، ومفهومات الإنسانية المشتركة، والحقوق العالمية؛ اكتشفت كتابات ماركس، وميل، وكانط، ولوك، وبين، وكوندورسيه، وفرانتز فانون، وسي.إل.أر جيمس.

اليوم، الصورة مختلفةٌ جدًا؛ لم تعد العنصرية التي عرفتها بريطانيا قبل 30 أو 40 عامًا مرئية. العنصرية موجودة بالطبع، والمسلمون غالبًا ما يكونون هدفًا لهذا التعصب، ولكن بالكاد تشاهد العنصرية العنيفة لبريطانيا التي كانت أيام شبابي.

ومما لا يقلُّ عن ذلك أهميةً، التحول فيما يعنيه أن تكون ساخطًا. إنَّ أنواع الحملات، والمنظمات التي شاركتُ فيها، إما أنها تفككت أو أنها صارت عتيقة، وليست السياسة التقدمية التي تعطي شكلًا للاستياء المعاصر، ولكن سياسة الهوية التي شجعّت الناس على مدى العقود الثلاثة الماضية على تعريف أنفسهم بمصطلحاتٍ إثنية أو ثقافية ضيقة.

قدّم تعريف نفسي باسم “أسوَد” لي الدخول إلى مجموعةٍ أوسع من النضالات، ولرؤيةٍ أوسع للعالم، بالنسبة إلى “المتطرفين” اليوم، أصبحت الهوية الإسلامية مجالًا للانفصال عن الشعوب الأخرى، حتى عن المسلمين الآخرين.

في حالة سلمان عبيدي، أُعطي الكثير لدور مسجد ديدسبري، حيث كان يصلي. إنَّ القصة الكاملة لعلاقته مع المسجد لم تُفهم بعد، ومع ذلك، فإنّ معظم الجهاديين المحليين، باعتبارهم يشعرون بالاغتراب عن المجتمعات الإسلامية، كما عن المجتمعات الأوسع، يكرهون عادات وتقاليد آبائهم، ولا يُتاح لهم سوى القليل من الوقت لأشكال الإسلام السائدة، ويقطعون أنفسهم عن المؤسسات المجتمعية التقليدية. ففي السلفية، الشكل غير المتسامح من الإسلام بتعصب، وهي التي يروّج لها أساسًا من خلال الثروات السعودية، يجد الجهاديون هويتهم. إنّها وجهةُ نظرٍ تقود المؤمن إلى مراقبة مجموعة من الفتيات المراهقات، ومشاهدة “تجمع الصليبيين”، كما وصف بيان الدولة الإسلامية مفتخرًا بتفجير أرينا مانشستر، الجمهور في حفل أريانا غراندي.

لأن صفة الهوية قد تغيّرت؛ وبالتالي معنى التضامن، إذ كان “التضامن” -بالنسبة إلى جيلي- مرتبطًا بشكلٍ لا ينفصم مع نضالات الطبقة العاملة؛ واليوم، اختفت تلك النضالات، وتآكلَ تأثير النقابات العمالية، وكذلك قوة اليسار.

إنّ الإسلاميين الشباب الغاضبين اليوم ليسوا مهتمين بمكافحة التقشف، ولا الدفاع عن قضايا الصحة الوطنية، أو حتى بالكفاح ضد العنصرية. إنهم مهووسون، بدلًا من ذلك، في إظهار التضامن مع شعوب فلسطين والشيشان وسورية.

في عصرٍ تلاشت فيه الحركات المناهضة للإمبريالية، وتبدّد الإيمان في بدائل الرأسمالية، يوفر الإسلام الراديكالي الوهمَ، بكونه جزءًا من حركةٍ عالمية من أجل التغيير.

ولكن حتى هنا، الراديكاليون المسلمون غير مهتمين في نضالات الحرية الفعلية؛ إنّ شعوب فلسطين أو الشيشان أو سورية يُنظر إليها على أنها مجرّد رموزٍ للقمع. الجهاديون غاضبون من التدخل الغربي في البلدان الإسلامية في حين أنهم يفجرون أيضًا المدارس، والمساجد والأسواق في تلك البلدان نفسها.

إن “النزعة الدولية” للإسلام الراديكالي هي، في حد ذاتها، وسيلةٌ لخلق رؤيةٍ ضيقة بشكل مكثف، لقطع نفسها عن الصراعات الأوسع نطاقًا. فمنذ جيلٍ مضى، كان من المحتمل أن يكون المسلمون “المتطرفون” اليوم أكثر علمانيةً في كثير في نظرتهم، وكان من شأن تطرفهم أنْ يعبر عن نفسه من خلال المنظمات السياسية. كانوا قد عدّوا إيمانهم مجرّد معتقدٍ في نسيج معقدٍ للهوية الذاتية. معظم المسلمين ما يزالون يفعلون ذلك، ومع ذلك، فهناك عددٌ متزايد من الذين يرون أنفسهم مسلمين بمعنى قبليٍّ عميق، وهم الذين ترك نسيج الذات الغني المجالَ إلى عباءة أحادية اللون حصريةٍ للإيمان.

ولعلّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: “لو أني اليوم في العشرين من عمري، أكنت سأنجذب إلى الإسلاموية؟” ولكن بالأحرى: “لو ولد سلمان عبيدي أو محمد صديق خان قبل جيلٍ، أكانوا سيرفضون الإسلاموية؟” من المستحيل الإجابة، ولكن بطرح هذا السؤال، يمكننا أن نبدأ في التخلص من بعض الأسباب الاجتماعية في هذا العالم الذي جعل مثال عبيدي وخان كما هم.

أنا لا أشير إلى أنّ أيّ شخصٍ، بصرف النظر عن سلمان عبيدي والمتعاونين معه -إذا كان هناك من يتعاون معه- يتحمل المسؤولية عن المجزرة في ساحة مانشستر. ردّة الفعل الانعكاسي على أيّ شخصٍ تحفر عميقًا في دوافع الجهاديين، أي أن يندد بهم بأنهم “تبريريون”.

يشهد على ذلك، إلى حدٍّ كبير، هجوم حزب المحافظين ضد خطاب جيريمي كوربين المسالم يوم الجمعة 26 أيار/ مايو. ولكن ما أقوله لا بدّ أن يتحمل الأفراد المسؤولية عن أفعالهم، ولكنهم يعملون أيضًا ضمن سياقاتٍ اجتماعية معينة. إذا كنا جادين في مكافحة آفة الجهادية المحلية، فنحن لا نحتاج فقط إلى التنديد بالجهاديين على أنهم شرٌ، ولكن أيضًا إلى أنْ نتفكر في كيفية توفير المشهد الاجتماعي المتغيّر مساحةً لهم للعمل كما يفعلون، وإلى أن نتفكر كيف يمكننا إعادة صوغ المشهد.

 

اسم المقالة الأصليHow did the left radicalism of my Manchester youth give way to Islamism?
الكاتبكنان مالك، Kenan Malik
مكان وتاريخ النشرالغارديان، The guardian، 28/05/2017
رابط المقالةhttps://www.theguardian.com/commentisfree/2017/may/28/islamism-separation-other-peoples-even-muslims?utm_source=esp&utm_medium=Email&utm_campaign=GU+Today+main+NEW+H+categories&utm_term=228139&subid=21764362&CMP=EMCNEWEML6619I2
ترجمةأحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق