مقالات الرأي

البعبع السنّي الموهوم أم الوحش الديكتاتوري المدعوم؟

لم يكن وزير الخارجية الروسي لافروف باطنيًا، عندما برّر تدخل بلاده في سورية لجانب النظام الديكتاتوري الأسدي، بأنّ السنّة يرغبون في الوصول إلى الحكم عن طريق ثورتهم؛ ما يُشكّل تهديدًا وخطرًا على الأقليات.

وبقدر ما هي صريحة وجريئة هذه العبارة من لافروف، فإنها تثبت حقيقتين: الأولى أن الحُكم في سورية أقلوي طائفي تحت يافطة البعث، والثانية هي مشاركة كثيرٍ من السوريين، من أبناء الأقليات، لافروفَ في تفسيره للثورة السورية.

تبقى الثورة، من يوم انطلاقها الأول، ثورةَ شعب يبغي التحرر ودولة العدالة، وليست ثورة فصائل وأجندات شكّلت تكريسًا لهواجس الأقليات، ولكن ما تجب الإشارة إليه أن سنّة سورية وقعوا بين نارين، نار الأقلية (الطائفية) التي ساندت النظام ونار الأقلية الإسلاموية الراديكالية البعيدة عن جذر تطلعات السوريين، وهذا المأزق الذي وقع فيه عموم الشعب السوري يُشكّل الدافع الأول لهجرة كثيرين من أبناء الشعب السوري إلى خارج البلاد، ولا يعني بقاءُ السوريين في مناطق النظام أو مناطق الفصائل المسلحة رضًى على شرعيته ومشروعيتهم، وإنما هي ظروف الحياة وقدرة الإنسان على الرغبة في التأقلم مع أسوأ الظروف.

يبدو أن هناك منهجية عالمية وإقليمية، خلال السنوات الست المنصرمة، في دفع الطبقة الكبرى من الشعب السوري من الأقليات والسنّة عمومًا للالتحاق بأحد المعسكرين، معسكر النظام وأخواته، أو معسكر الإسلام السياسي وملحقاته، أي للتخندق طائفيًا ومذهبيًا، فمن صناعة الأفلام عن خلافات الصحابة بعد وفاة الرسول، وتأسيس المظلومية الشيعية، إلى دراما “الغرابيب السود” وغيرها من مئات “اليوتيوبيات” و”الفيسبوكيات” التي تحتقر ديانة الأمة، إلى تحميل ابن تيمية جرائم الجهاديين، إلى استحقار وتجريم رمز من رموز المسلمين كصلاح الدين، إلى حوادث الإرهاب والتفجير التي تجري في أوروبا، إلى عقد الصفقات المهينة مع ساسة المنطقة، وكل هذا يضعنا أمام سؤال: ماذا وراء إذلال السنّة؟ ماذا وراء أن يصير السنّة في المنطقة، كعرب الجزيرة العربية في التاريخ، تتلاعب بهم سياسة الشرق والغرب والمنتصف؟

هل حقًا المشكلة في الشرق إسلامية أم سياسية تحررية بحتة؟ ما دامت الأقليات تُشكّل هاجسًا لدى الغرب، فلماذا لا يتعامل بالمنظور نفسه مع الأقليات السنّية أو المسلمة في البلدان غير العربية؟

كل هذه الإشكالات يجب بحثها والمصارحة بها، ولا سيّما أننا نتكلم عن واقع افتراضي لم يحدث، ونغضّ الطرف عن واقع حقيقي يحدث يوميًا من استباحة دماء الأبرياء في الشرق والغرب، ثم لنخلص إلى حقيقة، تريد هذه الأنظمة تكريسها غربيًا وعالميًا، نحن صمام الأمان في العالم، وانزياحنا عن الحكم يعني مزيدًا من التطرف والقتل!

تُعلّمنا دروس التاريخ أن إصلاح الفكر والأديان لا يمكن أن يكون بغير مناخات الحرية والتفاهم، وأن مطالبة السنّة بإصلاح مناهجهم هي دعوة حق وواجب حضاري، ولكن كيف يكون هذا الإصلاح تحت رعاية أنظمة، شرعنت وجودها على هذه المناهج، أو تغطي على جوع شعبها منعًا من ثورة جوع مصرية عبر لعبة الأقباط وحمايتهم؟

لطالما كان السنّة في التاريخ هم العدة والعتاد في وجه أي معتد أثيم يستهدفها، والأقليات على حد سواء، ولطالما كان السنّة وعاءًا حضاريًا لعموم الأمة وثقافتها وأديانها، فما الذي يدفع اليوم إلى استعدائها وجعلها العدو الأكبر؟ وهل هذا يُساعد في حركة إصلاحية إسلامية تنويرية للإسلام، أم يعزز مقولات الراديكالية الإسلامية؟

في إحدى معارك اللاذقية، قام فصيل مسلح بعمل مشين، وهو خطف نساء من الطائفة العلوية، ليتم تسليمهم بعد خمس سنوات، ولم تمس منهن شعرة في سجون هذا التنظيم، بينما خُطف 250 ألف سوري ومنهم نساء طالبوا بالحرية، أُعدم منهم تحت التعذيب ما يزيد عن عشرين ألف سجين، وقد أُحرقت جثثهم! هذه رمزية على هاجس من يخاف ممن؟ إذا كان فصيل إرهابي متطرف لم يستطع أن يُجاري النظام واستخباراته الطائفية في أخلاقه.

أحداث الثمانينيات ومعركة السلطة والإخوان، في ذلك الوقت، يجب أن تُعلمنا درسًا: الظلم والقهر يدفع الإنسان للتقية أحيانًا، ولكن سرعان ما ينفجر عندما تسنح له الظروف. لذلك يجب علينا ألا نحيدَ عن معركتنا الأساس مع هذه الأنظمة الجهنمية التي لا تعرف سنّة محمد ولا شيعة علي، وهي على استعداد لاستيراد أي فكرة من الشرق والغرب، اشتراكية أو ليبرالية، ومن المسيحية والإسلام، ومن زنوبيا وطير الفينيق، لتعزيز موقعها، إنها سلطة تقوم على الخداع، فلا يجب أن ننخدع مثنى وثلاث ورباع، وإلا فالهلاك ينتظر الجميع.

مقالات ذات صلة

إغلاق