تحقيقات وتقارير سياسية

“طرش الدم” و “سَفاد” العدالة

في عجيبة من عجائب القرن الواحد والعشرين والتاريخ من قبله، بينما تقوم روسيا بصياغة دستور “علماني” عصري وديمقراطي فذ، لما كان يسمى الدولة السورية أو الجمهورية العربية السورية! يقوم بعض ما يُسمى الوجهاء والزعامات التقليدية في مدينة السويداء بنشر وثيقة، لا يمكن لأحد الجزم بمرجعيتها التاريخية وثائقيًا، تسمى “طرش الدم”!، والعجيب في الأمر أن السويداء محافظة تُسمى آمنة ومستقرة، حسب زعم النظام السوري، وتتبع في السيطرة لحكمه الذي يحميه النظام الروسي بفرط قوته العسكرية في محاربة الثورة، وقوى الإرهاب المنتشرة في سورية من (داعش) و(النصرة) وغيرها، وهي التي لم يقربها لغاية اليوم!

“طرش الدم” وثيقة، يقوم عدد من الوجهاء الاجتماعيين في السويداء، بجمع التوقيع عليها تفيد بهدر دم كل شخص في جبل العرب، يقوم بعمليات الخطف والاعتداء على الأعراض والأملاك، على أن تُعمّم الوثيقة على العائلات في المحافظة، للالتزام بمحاسبة كل فرد منها يقوم بمخالفة الوثيقة. والوثيقة أتت على أثر الكشف عن قيام عصابة من أبناء السويداء بخطف ممرضة في التخدير، أشيع أن (داعش) قد طلبت من العصابة أن تحضر لهم مخدرين مقابل مبلغ كبير من المال!

الملفت للنظر هنا ليس معنى الوثيقة واستعارتها اللفظية التي تفيد بالجزالة والعنف والردع والموروث العشائري القديم فحسب، بل عدم لجوء الزعامات التقليدية هذه لتسليم أفراد العصابة للنظام وأجهزته الأمنية، أو حتى للقضاء؛ ما له من دلالات ومؤشرات عدة، أهمها: عدم ثقة المجتمع بعدالة القضاء، ومحكوميته للأجهزة الأمنية التي تحكم البلد، والثاني فرض مرجعية عشائرية في الحكم المحلي بدلًا عن النظام أو بمجاورته، وربّما بتزكية منه!

في الخلفية، ليست المرة الأولى التي تتم فيها عملية خطف أو قتل أو سرقة في المحافظة، حيث تتالت أحداثها وتكاثرت بشكل، بات يهدد أمن واستقرار كل مقومات المجتمع المحلي، وذلك مع انتشار محموم لفوضى السلاح وتسليح الميليشيات المحلية المدعومة من الأجهزة الأمنية، إضافة إلى انتشار الاتجار بالمخدرات والمحروقات وانتشار كبير لسرقة السيارات وخطف البشر وطلب الفدية المالية بمقابلها. وما يفسر تنامي العنف في المجتمع المحلي في السويداء وكل سورية عمومًا، هو لجوء السلطة إلى حلها العسكري والأمني العنيف، والمفرط بالعنف في مواجهة المطالب الشرعية للثورة منذ ما يزيد عن ستة أعوام، فالسلطة تفقد كل مقوماتها السياسية والدستورية والشرعية عندما تلجأ إلى العنف. وهو ما تؤكده حنة أرندت في كتابها (في العنف) حيث تقول: “إن كل انحطاط يصيب السلطة هو دعوة مفتوحة للعنف”، فالسلطة السياسية ومقومات وجودها باتت مفقودة في معظم المناطق السورية، وما تبقى منها هو سلطة إكراه وقوة عسكرية، وأقلها حالة مراقبة وحذر أمني كما في مدينة السويداء؛ ما يجعل المجتمع المحلي يبحث فعليًا عن طرق ردع لكل عمليات الخطف والسرقة والاعتداء على أمن المواطنين البسطاء؛ ما مهّد العودة إلى القوانين الاجتماعية وأعراف المجتمع المحلي في كثير من الحالات للتعامل بحكمة، بغية تحييد الفتنة التي يمكن أن تقع بين أبناء البلد الواحد، خاصة أنها محكومة بعلاقات القربى الوطيدة. لكن هذه المرة، في غرابة يستنكرها نخبة المجتمع ومتعلموه كافة، جاءت محاولة العودة إلى أحكام المجتمع العشائري لما قبل قرن من الآن، لتعيدهم إلى حكم الإقطاع أو الزعامات التقليدية، وتعيد إنتاج النظام الديكتاتوري للهيمنة على المجتمع من الشباك، وعبر هذه الزعامات نفسها، أضف إلى تقويض أي دور للمتبقي من مؤسسات الدولة وحكم القانون الوضعي.

“طرش الدم” وأي وثيقة عُرف مشابهة هي “سَفاد” (تزاوج بين جنسين مختلفين ينتج صنفًا هجينًا غالبًا يكون عقيمًا، كتزاوج ذكر الحصان مع أنثى الحمار ليولد البغل) غير شرعي، تزاوج بين عدالة مدنية غير متحققة وبين موروث شعبي أهلي غارق في العرف والتقليد الاجتماعي ما قبل المؤسساتي وما قبل الدولة، فإذا توفرت لأعراف كهذي مناخات النمو والحياة، كحسن نية في إيجاد مفاعيل الردع المجتمعية للظواهر المهددة لأمن ناسه، فستنتج نظامًا عقيمًا -اجتماعيًا- عن مواكبة التطلعات العامة للشعب للسوري والمتخارجة بشكل خاص مع القيم المدنية التي يعيشها غالبية أبناء محافظة السويداء، كما ستضعه أمام خيارين لا ثالث لهما: النظام بسلطاته الأمنية والديكتاتورية، أو النظم العشائرية الغارقة في القروسطوية، في مشابهة متتامة مع تلك المتناقضات التي وقعت فيها معظم المدن السورية، في خياري النظام أو القوى المتطرفة (داعش) و(النصرة) وغيرها!

 لم تنتج النهجية البعثية التي حكمت سورية، طوال عقود لليوم، سوى مظاهر العنف والإرهاب السياسي والقهرية النفسية والسلوكية، وأيضًا كانت مؤجج كل الحركات الشعوبية والأقلوية والميليشاوية التي استباحت المجتمع الأهلي كما المدني الجنيني. حكم البعث هذا، لم يكن سلطة سياسية ذات طابع محدد قط، فهو نظام حكم أوليغارشي يعتمد حكم القلة العسكرية والأمنية، وأيضًا نظام النفعية المحض في البراغماتية المشوهة التي تبرر غايتها السلطوية كل وسائل العنف واللعب على حبال التوازنات والمصالح واعتماد سياسات الترهيب والترغيب بحذاقة، بحيث يجدل مواليه في حلقات الفساد وشرانقه ويرهب خلافهم بالقوة والإكراه. وما تنتجه المجتمعات المحلية من عبثية العنف اللامنتهي والمفتت للمجتمع هي مسؤوليته بالمبدأ، فكل مظاهر “التشليح” والخطف والسرقة والقتل في أماكن سيطرته هي من نتاجه ذاته من مجرمي البلد الذين أطلقهم من السجون يعبثون بالدم السوري وحياته ومصيره، وما مظاهر التعصب الديني والتقوقع الطائفي المرافقة لانتشار محموم للأفكار الغيبية والعشائرية إلا نتاج فشله الذريع، ليس فقط في شعارته الزائفة “التقدمية” بل بتنمية بدائلها الموغلة بالدم والانفلات من أي عقالة قانونية أو أخلاقية. فكيف يمكن للمجتمع المحلي، بعد أن يثق بشعارات حماية الأقليات وحرب الإرهاب، وهو لا يستطع حماية مواطنيه من إرهاب العصابات المنتشرة، بل ويمهد لها كل سبل النمو ويطلق سراحها بعفو تلو العفو، ويبقى معتقلو الرأي والضمير في ظلام سجونه ومحارقه.

المجتمع المحلي في مدينة السويداء، ما لم تكتمل لديه قناعة الضغط الشعبي على المتبقي من مؤسسات الدولة القضائية وضرورة فصلها عن الأجهزة الأمنية، لتأخذ مسؤوليتها في حماية المجتمع وإنصاف قضاياه الجنائية، بحيث تحقق موضوعي الرادع والقانونية المستقلة عن العشائرية والاجتهاد والتقليد، فستبقى الفوضى والعنف والأفكار العشائرية الغيبية هي عنوان المرحلة الرئيس، وسيبقى أمن الناس رهينًا بعبث الأجهزة الأمنية الخفية ومنتجاتها من زعامات شعبية مفترضة، ليبقى “سَفاد” العدالة والحقوق المهدورة سائدًا، يهدد كلية المجتمع في حياته الفردية ووجوده السياسي العام؛ ما قد يؤدي لفتنة اقتتال محلي لا تحمد عقباه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق