مقالات الرأي

“ضاعت الطاسة”

قال القدماء: “أعطِ خبزك للخبّاز، ولو أكل نصفه”، في إشارة إلى أهمية الاختصاص والمهنية للوصول إلى النتائج المعقولة في الأداء، وبناءً عليه، فقد كان من النادر أن يتنطّح من ليس له ناقة ولا جمل، في اختصاص ما للتصدّي لمهامه أو ادعاء إنجازه، وهذا الأمر يمكن أن ينسحب على مختلف المهن، مهما كانت يدوية أو فكرية. بالمقابل، يبدو للبعض أن الخوض في العلوم النظرية مفتوحٌ لمن يرغب بحيث يُدلي برأيه صوابًا أو خطأً، مستندًا إلى فهم منحرف لموضوعة “حرية التعبير”. وفي العلوم الاجتماعية، صار من المطروق أن تسمع أو تقرأ تحليلات مقتضبة أو موسّعة لهذا المجال أو ذاك، من قِبل من لا يحملون الاختصاص، أو حتى المعرفة السطحية بمفاتيح هذه العلوم.

في ماضٍ قريب، كانت هذه الآراء والتحليلات تتكاثر في الجلسات العائلية أو اللقاءات الخاصة على مستوى ضئيل أو متوسط الحضور. وفي هذه الممارسة كان “المُحلّل” يفيض ويتوسّع في شرح أفكاره وتحليلاته، دونما أثر فعلي على مستمعيه، سوى امتعاض البعض من “ادعاءاته”، أو إعجاب البعض الآخر بالألمعية التي تُميّزه في نظرهم. وكان التحليل الطوعي يملأ فراغ الحديث ويمنحه بعضًا من الثراء. وبالتأكيد، فمن الطبيعي أن يُدلي كل من يرغب برأيه، ويُحلّل موقفًا أو صيغةً سياسية أو اجتماعية، تلوح في المشهد الجمعي. لا حرج ولا ضير في ذلك البتة. ومن المؤكد أن حرية الرأي والتعبير التي تطورت، في العقود الأخيرة في عددٍ من الدول المتقدمة، كما في بعضها المتخلّف، قد أفسحت المجال لعموم المواطنين في التعبير عن آرائهم في المجال الخاص كما في المجال العام. وهذا من المؤشرات الايجابية والصحية في المطلق، ولكنه قد يتحوّل أحيانًا كثيرة إلى عبء حقيقي على الحقيقة، وتطفّل غير محمود على مهنة أو مهن، فمتى يحصل ذلك؟

إن التطفّل على اختصاص الطبيب أو المهندس يُجابه بحدّة ورفض مطلق، من قِبل عموم الناس، فحتى لو أن الطب الشعبي وطب الجدّة لهما مساحتهما في بعض المجتمعات، إلا أن الكلمة الأخيرة هي للطبيب، كما أنه يمكن للمزارع البسيط أن يبني من الطين غرفة يُلحقها بمنزله المتواضع إلا أنه لا يمكن ان يدّعي للحظة بأنه مهندس، ولن يتصدّى بالتأكيد لمهمات الهندسة في محيطه القريب أو البعيد. بالمقابل، فإن التطفّل على العلوم الاجتماعية صار من البديهيات، ويمكن للملاحظ هنا أن يشعر باحتقار عام لهذه العلوم، واعتبارها علومًا خفيفة يمكن لمن يقرأ الصحيفة اليومية أن يتبحّر فيها، كما ساهمت النظم الاستبدادية العربية خصوصًا في تعزيز هذا الاحتقار المجتمعي للعلوم الاجتماعية، من خلال جعلها الأخيرة في قائمة علامات القبول الجامعي، وصارت الكليات المعنية بتدريس هذه العلوم تحظى بأقل الموارد، لرؤية الإدارة المركزية أنها غير مفيدة البتة، وتؤخذ بأدنى الجدية من قبل مرتاديها، لأنها لا تفتح أمامهم أبواب العمل المّدرّ للدخل، وهي تُراقب بأعلى الحذر من قبل عسس السلطة، خوفًا من استخدامها حصان طروادة سياسي، يخشاه المستبد.

في ماضٍ قريب، كان العاملون في هذا القطاع والعالمون به، ينشرون منتوجهم عبر الكتب ضئيلة التوزيع وقليلة القراءة، وفي المجلات المتخصصة التي تقع في يد النادر من المهتمين. وأحيانًا، كانوا يُستشارون من قبل وسائل الإعلام التقليدية. هذه الاستشارات كانت ترتبط برضى السلطان، فهم يُشكلون أخطارًا محتملة والتشكيك بهم هو القاعدة الأمنية التي تُريح المستبد وأعوانه. مع انتشار الفضائيات، صار لهؤلاء متنفس محتمل أحيانًا ومحجوب غالبًا، لأنهم لا يُعجِبون الممول الحكومي أو الخاص لهذه الفضائيات، فصاروا يلجؤون إلى فضائيات غربية باللغة العربية، والتي اتاحت لهم مجالًا أوسع من الحرية في التعبير وفي التحليل، ومع الانتشار الواسع للمحطات الفضائية ودخول الفضاء الافتراضي على المشهد الإعلامي، صار الطلب على التحليل والتعليق والتفسير يتجاوز العرض المتاح، وقد أدت أساليب المحطات، وسهولة النشر في الفضاء الافتراضي، إلى نشوء جيل جديد من المحللين والمعلقين “المتخصصين” في كل المجالات، وصاروا عارفين بمتطلبات السرعة التحليلية والجملة الصادمة والخبر غير الموثّق.

لا يمكن القول إن المجال البحثي والفكري والتحليلي في المسائل السياسية والاجتماعية والفلسفية والفكرية يجب أن ينحصر بنخبة بذاتها، ممن تلقوا التعليم في هذه العلوم، ويمكن القول إن من لا باعَ علميًا له في هذه الحقول يمكنه أن يهرف بما لا يعرف، أو بما يعتقد أنه يعرف، ولكن الإعلام صار خطرًا، إن هو اعتمد على نشر ما تُنتجه المخيلات الذاتية لمن يريد أن يعدّ نفسه خبيرًا، وإن كان من ناظم في القنوات الفضائية أحيانًا، يبقى الفضاء الافتراضي مجالًا واسعًا لرمي ما تتيح المخيلة من تحليلات واستنتاجات، لا ينحصر الاهتمام العمومي بها في إطار تعبيرها عن رأيٍ شخصيٍ لإنسان أراد التعبير، بل يتخطاه ليصير مصدرًا للمعلومات “الموثوقة” التي ستتناقلها جموع القراء. فمن شبه المؤكد إذًا أن العلوم الاجتماعية -على تنويعاتها- تُعاني من كره السلطان لها، ومن استهزاء العامة بها، ومن استثمار الهواة فيها.

مقالات ذات صلة

إغلاق