مقالات الرأي

مرحلة ثانية من الانتفاضات العربية!

تطرح الاحتجاجات المستمرة، في الريفين المغربي والتونسي، أسئلة كثيرة عن الربيع العربي الذي ظن كثيرون أنه تحوّل “خريفًا”، إذ لم يتورع هؤلاء عن النعي المبكر له (وبشماتة ولؤم أحيانا)، مستندين إلى ما آلت إليه بلدان مثل سورية وليبيا واليمن، في حين تأتي احتجاجات اليوم لتعيد الأمور إلى المربع الأول، في المغرب وإلى مرحلة متقدمة أكثر جذرية في تونس.

راوح الربيع التونسي، خلال السنوات التي مضت، في نقطة لم يبارحها، ديمقراطية سياسية مفرغة من محتواها الاجتماعي الاقتصادي؛ إذ تمكنت الثورة وقواها من الدفع باتجاه إحداث انتقال سياسي تكللت بلجنة “الحقيقة والكرامة” التي لم تزل تعقد جلساتها وسط جدل سياسي يخترق المجتمع سياسيًا وأيديولوجيًا، إذ يخشى كل طرف أن تؤدي النتائج والاعترافات الحاصلة إلى ضرب شعبيته، لذا يعمل هؤلاء (ومنهم من أبناء الثورة الذين استفادوا طوال السنوات السابقة، إذ تشكلت لديهم مصالح سياسية، مثل النهضة، ونداء تونس، وغيرها) على عرقلة المسار بطرق شتى.

إلا أن المسار السياسي الناجح في تونس لم يصل الشق الاقتصادي، وهو الجوهر الأساسي للربيع، فإذا كانت الجماهير تريد حرية، فليس لأنها تريدها لذاتها فقط، بل لأنها تريد أن ينعكس ذلك في مستوى معيشتها، ولهذا تلازم دائمًا شعار الخبز مع الحرية، فغياب أي منهما يعني أن المعادلة لم تزل مختلة، وهذا ما دفع الفقراء التوانسة للعودة إلى الشارع، بعد أن فقدوا الأمل من الطبقة السياسية الجديدة، بل بعد أن استفزتهم الأخيرة بطرح مبادرات للمصالحة مع العالم الاقتصادي القديم للدكتاتورية، عبر ما عُرف بقانون المصالحة الاقتصادية؛ الأمر الذي ولّد حركات احتجاج جديدة، منها حركة “مانيش مسامح”، لتتوالى صفحة الاحتجاجات مجددًا، والتي كانت احتجاجات تطاوين الأخيرة تعبيرًا عنها، ما دفع رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، إلى طرح قانون مكافحة الفساد والبدء بتطبيقه، وسط جدل عمّا إذا كان الأمر مناورة لامتصاص الحراك أم أنه خطوة جدية لمحاربة الفساد. بغض النظر عن نية الحكومة، فإن ما يجري يوضح أنّ الاحتجاج سيبقى قائمًا ما لم ينعكس الربيع في حياة الناس بشكل مباشر، عبر إيجاد فرص عمل، وتوسيع القاعدة الإنتاجية والتوسع في بناء المشروعات القادرة على تنمية المناطق المهملة، وتأمين فرص عمل. وهنا يمكن القول إنّ الثورة التونسية بدأت تخطو نحو مرحلتها الثانية، وهي محمّلة بوعي جديد، وعي يدرك فشل النخب السياسية؛ وبالتالي يبحث ويسعى لخلق نخب وأحزاب جديدة، ويدرك أن الثورة لم تكتمل، وهي لا تكتمل إلا باستمرار ضغط الشارع، لأن قوى الماضي وقوى الثورة المضادة، داخليًا وإقليميًا، تسعى لوأد كل ما تحقّق.

في الشق المغربي، لوحظ أنّ احتجاجات الريف المغربي تجذرت أكثر، بعد إعلان السلطة المغربية انقلابها بوضوح على المكتسبات المغربية التي تحققت، منذ عام 2011 وحتى اليوم، إذ بينت خطوة السلطة، عندما أبعدت زعيم حزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران، لصالح العثماني الذي شكل الحكومة بسهولة، بعد أن وضعت كل العراقيل أمام الأول، على الرغم من أنهما ينتميان إلى حزب العدالة والتنمية! تبيّن حينئذ أن ما تنازلت عنه سلطة المخزن المغربي ليس اقتناعًا، وإنما اضطرارًا لتفادي أحداث الربيع ولإجهاض حركة 20 فبراير/ شباط التي ساهم بنكيران نفسه في إجهاضها ليتجرع السم نفسه اليوم، إذ ظنّت السلطة أن الشارع همد وانتهى أمره، بعد أن طغت أحداث (داعش) والحروب الأهلية على مطالب الربيع المحقة، لتفاجأ بأنّ الشارع لم يزل محتفظًا بقوته، وأنه قادر على البدء من جديد، بما يعني أن السلطة عرّت نفسها أكثر وكشفت نفسها أكثر، فمن صدق في عام 2011 الإصلاحات الشكلية التي قام بها الملك لن يصدقها اليوم؛ ما يعني أيضًا أنّ قطاعات أكبر ستنضم للحراك، وهو ما تشي به الأرض المغربية اليوم، مع فارق أنه لا يوجد بنكيران هذه المرة، لينقذ السلطة بعد أن استخدمته لأغراضها هو الآخر.

إلا أنّ المقلق هنا أيضا، أن ثمّة جذرية تتصاعد بوضوح، فهذا الصدام بين القوى القديمة والقوى الجديدة، إن لم يجد متنفسات سياسية له، سيؤدي تدريجيًا إلى ولادة قوى سياسية جذرية راديكالية، تتسوّد الساحة وتأخذ الجمهور معها، نحو مناخات التشدد والإقصاء (بالمعنى السياسي لا الديني)، الأمر الذي يوضح لنا أن القوى السياسية السائدة اليوم (سلطة ومعارضة) تعاني فواتًا تاريخيًا كبيرًا، فأغلبها لم يدرك بعدُ عمق التحولات الحاصلة، وبالتالي عمق السياسات التي عليه تبنيها ودعمها وتطبيقها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فالوصول إلى السلطة ليس نهاية المطاف، بل أن تتمكن من تحقيق مطالب الناس، عبر وضع شعار “الخبز والحرية” في استراتيجية حقيقية للتغيير، بحيث يشعر المواطن العادي والفقير بأن ثمة فرقًا قد حصل. دون ذلك، ستمضي حركات الاحتجاج وتتجذر، وستخلق حركاتها الجذرية التي قد تكون شعاراتها مفارقة للواقع أيضًا.

يبقى الأمل أن تكون حكومة الشاهد جادة في محاربة الفساد، لإعطاء الإصلاح معناه الحقيقي، فيما يبدو الأمل مفقودًا في الحالة المغربية، بعد أن خسرت السلطة كل أوراقها، فإما السير في الإصلاح الحقيقي الذي لن يجد مَن يصدقه من دون تطبيق حقيقي جاد أو السير نحو مآلات لا يتمناها أحد.

مقالات ذات صلة

إغلاق