ترجمات

واشنطن بوست: إهانة/ تحقير دونالد ترامب للتاريخ

00

تتغير اللوحات البنائية في أوروبا، والرئيس ترامب هو في قلب هذا الاضطراب. وقد عبّرت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بصراحة عن هذه النقطة، يوم الأحد 28 أيار/ مايو، حين قالت: “لقد انتهت، بشكل أو بآخر، الأوقات التي يمكن أن نعتمد فيها اعتمادًا كاملًا على الآخرين”. والنتيجة هي أنه “يجب علينا نحن -الأوروبيين- أنْ نمسك مصيرنا حقًا بأيدينا”.

وتماشيا مع هذا الخط، أصبح من الواضح أنَّ الولايات المتحدة لم تعد الشريك الموثوق الذي يمكن لبلدها، ولبقية بلدان أوروبا، من أن تعتمد عليه منذ فترةٍ طويلة. منذ الحرب العالمية الثانية، قادت الولايات المتحدة الطريقَ نحو بناء نظامٍ دولي جديد متمركزٍ حول الناتو، والاتحاد الأوروبي، وكذلك بالإيمان في الديمقراطية والأسواق الحرة.

كانت بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا دولًا أساسية في هذا الجهد الذي حافظ على السلام طوال 70 عامًا، وحقق الازدهار لملايين من الناس، ووقف في مواجهة التهديد السوفياتي، وساعد على إنهاء الحرب البوسنية، ومكافحة التطرف في أفغانستان.

ما تزال هذه الشراكة، عبر الأطلسي، حيوية. ولكن كيف، وكيف ستقوم بمهمتها بشكلٍ جيد، بينما تراجعات القيادة الأميركية غير واضحة. وحتى الآن، لا أحد يتحدث عن حلّ الناتو؛ وما تزال أوروبا تعتمد على أمنها على ترسانات أميركا النووية، والتقليدية، لكنَّ تصريحات السيدة ميركل أكدَّت على الانقسامات العميقة بين أوروبا والولايات المتحدة، هذه الانقسامات التي يستفيد منها، بوضوح، الرئيسُ الروسي فلاديمير بوتين فحسب، ويتوق إلى أن يتفكك الحلف، خصم موسكو في أثناء الحرب الباردة.

قبل أن يحضر السيد ترامب اجتماعاته الأولى في منظمة حلف شمال الأطلسي، ومجموعة الدول الصناعية السبعة الكبرى في الأسبوع الماضي، أعرب القادة الأوروبيون عن أملهم في أن يتمكنوا من إطلاعه على القضايا الحاسمة. يبدو الأمر الآن، وكأنه أوهام. وقد ركّز السيد ترامب على أكثر دوافع الحملة المدمرة التي قام بها بترهيب الأعضاء الآخرين مطولًا، لما سمّاه مستوياتهم غير الكافية من الإنفاق العسكري، ورفضه التأكيد على التزام الدفاع المشترك المتبادل بين (الناتو). كما تخلى عن الحلفاء حول قضايا أخرى. وعرض خطًا أكثر تصالحيًا مع روسيا، ورفض -على الرغم من مناشداتهم- تأييدَ اتفاق باريس بشأن تغير المناخ.

وعندما عاد إلى بلده، أثار السيد ترامب الحرائق أكثر متذمرًا، في تغريدةٍ، من أن ألمانيا تدفع “أقل بكثير مما ينبغي للناتو والجيش. سيئ جدًا بالنسبة للولايات المتحدة هذا التغير”. ولم تُظهر ملاحظاته أيّ تقديرٍ لكيفية عمل حلف شمال الأطلسي، وكيف تدفع السيدة ميركل في الواقع بلدها إلى إنفاق المزيد على الدفاع، وبشكلٍ أعم، كيف أنَّ مثل هذه التعليقات تهين حليفًا موثوقًا به.

لم يتعمق استياء أوروبا إلا عندما بدا أنَّ الكونغرس يشجع السيد ترامب، فلم يبدِ الجمهوريون الذين كانوا يفتخرون، ذات يومٍ، بأنهم دعاة للأمن القومي، سوى القليل من القلق إزاء الطريقة التي تعامل بها السيد ترامب مع أعضاء الناتو، أو تجاه العلاقات بين مساعدي السيد ترامب، وروسيا. وفى تصريحٍ للسيناتور بوب كوركر -رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ- حول جولة ترامب إلى أوروبا والشرق الاوسط، قال: إنها كانت “إعدامًا إلى حدِّ الكمال”.

تأتي هذه الضغوط الجديدة على الحلف في وقتٍ سيئ. لقد أُرهقت أوروبا من الأزمة المالية اليونانية؛ ومن صعود الاستبداد في تركيا وهنغاريا وبولونيا؛ ومن قرار بريطانيا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، ومن تدفق اللاجئين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وفي الوقت نفسه، استغل بوتين الذي كان حريصًا دائمًا على توسيع النفوذ الروسي، كلَّ ضعفٍ، وكلَّ أزمة، إلى جانب تحريض عدد قليل من أتباعه. غزت روسيا أوكرانيا، وتدخلت في الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا. كما تدخلت في دول البلطيق، وزرعت حلفاء يمينيين متطرفين في هنغاريا، وغازل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على الخاصرة الشرقية للناتو. وهو الآن يغازل إيطاليا، عبر سفيرٍ ماهر في روما، ويمول الأحزاب المناهضة للمؤسسة.

ثمة بعض النقاط المضيئة: الأولى هي أنَّ السيدة ميركل تبدو ملتزمةً بالاضطلاع بدورٍ قيادي، بينما تنسحب الولايات المتحدة؛ والأخرى انتخاب فرنسا للرئيس إيمانويل ماكرون الذي أبدى استعداده للعمل في شراكةٍ مع السيدة ميركل. وهما ليسا دائمًا على اتفاق، ولكن ألمانيا تحتاج إلى فرنسا، والسيد ماكرون مستعدٌ تمامًا.

كانت الزيارة الخارجية الأولى التي قام بها السيد ماكرون إلى برلين؛ وبعد أيامٍ فقط، أظهر أنه لا يخاف من تولي المسؤولية. بعد تحية السيد ترامب، اعترف السيد ماكرون عمدًا أن الاستمرار في مصافحته من شأنها أن تكون موقفًا سياسيًا: أنا لست ضحيتك. وقد قام بموقفٍ قوي بالقدْر نفسه، عندما التقى، في فرساي، بالسيد بوتين الذي كان قد عمل على الأرجح لمساعدة منافسه، مرشحة اليمين المتطرف الرئاسية مارين لوبان. احتفى السيد ماكرون بالسيد بوتين، ولكنه لم يتلطف معه في الكلام عن الدور المدّمر الروسي في الصراع السوري، وفي أوكرانيا، وفي نشر أخبارٍ مزيفة. كانت الرسالة التي يجب على أوروبا التمسك بها في المستقبل: لا يمكن حل أيّ مشكلةٍ رئيسة، من دون التحدث إلى روسيا، ولكن الاختلافات مع موسكو لا ينبغي أنْ تُخبّأ.

في الوقت الراهن، يبدو الأمر كما لو أن السيدة ميركل، والسيد ماكرون سيحافظان على التحالف على قيد الحياة، على الأقل حتى يعي السيد ترامب الحاجة إلى قيادةٍ أميركية، أو حتى يحل بدلًا منه رئيس حكيم آخر.

اسم المقالة الأصليDonald Trump’s Insult to History
الكاتبهيئة التحرير، The Editorial Board
مكان وتاريخ النشرواشنطن بوست، The Washington Post، 31/5
رابط المقالةhttps://www.nytimes.com/2017/05/31/opinion/donald-trump-nato.html?em_pos=small&emc=edit_ty_20170531&nl=opinion-today&nl_art=0&nlid=77714386&ref=headline&te=1&_r=0
ترجمةأحمد عيشة

مقالات ذات صلة

إغلاق