أدب وفنون

لا أستطيع البكاء

ما إن أنهى آخر جملة، كان يحاول أن ينفذ من خلالها إلى داخلها، حتى اشتعلت وأخذت تقول بلغة سريعة وكلمات متتابعة بلا توقف، وبأنفاس متقطعة تلهث: لا أحد يولد منسيًا؛ أو بالشكل النحوي الصحيح: لا يولد أحد.

الصراخ يبتدئ حتى مع الأصم والأبكم؛ أول جملة في الحياة ذات مغزى ثري، فكلامك كله بعدها، ليس مجديًا، أو بجدوى هذه المرثية!

لطالما سمعت الصرخة هنا، دائمًا وأبدًا..

حين أقع كل يوم. كل يوم، حين أضع رأسي فوق وسادتي، أحاول الاستغراق في كل الأشياء إلا النوم؛ فهو الغاية التي أنشدها كل ليلة، حيث في كل ليلة أخاف السقوط من علٍ!

ذلك الحلم لا يتعدى الأجزاء الصغيرة من الثانية، لكنني أعيشه بكل حواسي، بكل ما أوتيت من واقع، وأخافه، أخاف السقوط من علٍ! في كل حلم أرى نفسي على قمة جبل مرتفع، وفي كل مرة يختلف شكل الجبل، فمرة هلامي، ومرة صخري، ومرة بلون أسود، ومرة ثلجي، لكنني كل مرة أكون هناك في انتظار الصرخة، ثم يتسربل شعور الخوف باطنتي شيئًا فشيئًا؛ فأسقط واستيقظ على شهقة الجسد ورجفة القلب الصباحي. أشهق.

لقد اعتدت الأمر، لكنني لم أعد أستطيع النوم ولا الاستيقاظ! أتعلم أنني أصبحت أشعر وكأنني أعيش في برزخ؟

لقد امتلأ جوفي كثيرًا. ذاكرتي تعج بالأسماء.. الصور والأحاديث والثرثرات اليومية التي تتفجر كل ثانية في رأسي.

لمسات الحب التي تحولت إلى كراهية، تضخ مع كل قطرة دم؛ لقد امتلأت كثيرًا.

وكلما نظرت لجوفي؛ وجدت هاوية، هاوية من شغافي، هشة وباكية، مقعرة ومجوفة يملؤها بحر ما.. ربما الدموع التي لم أعد أستطيع ذرفها.

إنها تنسكب للداخل دائما –ربما- وتأخذ أشكال انكسارات روحي التي تركتها دفينة في الأسفل دائمًا.

بواطن مكسورة للروح التي باتت تهرول بإرث أزيائها.

روحي جافة وصلدة. إنها لم تعد تنزف.

أترى هذه القوة التي أبدو عليها دائما؟ أتراها!!

إنها فراغ تلبّسه زيّ ماردٍ.

وقد أخبرتك سابقًا كيف يمشي المارد، بجوفه البارد الخاوي الذي يصفر ويعوي.

أذكر يومها تعابيرك الوجهية كيف انقشعت خوفًا من التشبيه، وهولًا من خيال مرعب يكبر كل ألم.

 هذا طيفي الأزرق!

 فإن كنت لا تدري عن الأزرق فدعني أخبرك قليلًا عن صفاته.

إنه لونٌ بارد مضجرٌ أجوف، إنه لون الصقيع والبرد، لون جوفي المتجمد، وروحي التي توقفت عن الإزهار، هذا لوني اليوم الذي لا حول لي به.

وإن أحببت أن تسلني عنه أكثر!

فأرجوك أخبرْ فنّانك التشكيلي المفضل، ليمحوه ويحوّره بين ألوانه، لونًا أشدّ حدة وأقل تفصيلًا، أقل كثافة من ذاكرتي التي تعبت من وظائفها، ومن حمل التفاصيل.

أأسمعك تسألني ماذا تريدين؟

أنا لا أريد شيئًا يا صديقي، لكنني ساقية بلا ماء.

فهل أعود للجريان؟

وبأي شكل أعود؟!

أريد أن أبكي البحر؛ أن أسقط فيه وأبكيه قطرة قطرة..

أريد أن أكون الجبل الذي ينهار في البحر، ويغرق بنشوة الماء والملح..

أريد أن أرى في المنام أنني أبكي، أتعلمُ ما يعني أن تفقد قدرتك على البكاء؟

 يعني أن تصبح سجين نفسك، تسمع ولا تقوى على الكلام، ترى ولا تستطيع البوح.

لا أحد يعلم عن جوفك المنهار. لا يسمعون حوائطك المتهدمة، ولا القنابل التي تتفجر فيك.

أنت الأرض التي انقلبت على أعقابها

فجوفها للخارج وباطنها لك وحدك

الخارج الذي يعج بالتفاصيل.. التفاصيل التي باتت تنخر كسوسة في حلقك، والتي عبأت بها أشلاءك، فكلما حاولت النهوض ارتطمت بحطام نفسك الهزيلة.

أرید ان أكتب، وأنا عارية، في ساعات البرد القارس، لا أرید لملابسي أن تثقل جسدي المتعب كما لا أرید لحروف الجر والعطف أن تزاحم لغتي في تجسدها، حین أحاول أن أتأرجح بخیالي! أذكر كلمة أرجوحة، فاذهب بعیدًا بأسئلتي: من اخترع الأرجوحة؟!

لا بدّ أن يكون شخصًا بالغًا في الحلم، یرید أن یبقى بین جناحین في برزخ ما؛ لا موتًا ولا حياة.. ولا بد أنه یخاف من العدم، لا یحب أن يقترب من الظل، ولا بد أنّه یحبّ الطیران، ویحب أن یبقى فوق الارض. موازيًا للغيوم. یحب العودة ولا یحبها. یحب الأسماء ويكرهها، وسأقول لك -أیضًا- إنني أحب ّ أن ألتقي بأحد الكتّاب، لأشكره على جملة واحدة فقط.. لا بدّ أنّها حررتني، وطمأنتني بأن قلبي ما یزال حیًا. لكنّه مدفونٌ في أخدودٍ ما، تحت أكبال من الورق.

 وأخيرا!! هل أسمعك تسألني عن الحب؟

لا أسمعك ولكنني أعتقد أنك ستسألني عنه. أنا لا أحب، ولا أعرف أن أحب، وهذا هو جحيمي -كما يقول دوستويفسكي- لا بدّ أنك تعتقد أن قلبي جثة هامدة متفحمة، لا تعتریها أنغام الاشتیاق أو موسيقى الحكايات القديمة عن الحب، إلا أن هذا لیس صحيحًا. أنا أحب أن یمتلئ قلبي حتى الفیض، بهذه الأشیاء المنمقة، فهي التي تهدهدني وتعیدني تباعًا إلى الحياة.

لكنني أفقدها دائمًا، دائمًا وأبدًا، ولمَ؟! السبب بسیط، هو علاقتي بها. سأعرف الحب، متى توقفت عن الغوص في الأشیاء والأشخاص، ومن ثمّ الانقلاب علیها..

فاسمعني أرجوك..

أنا لا أريد إلا أن تسمعني، لأعاود الولادة من رحمك..

مقالات ذات صلة

إغلاق