تحقيقات وتقارير سياسية

رسائل إيران الدموية

اضطرت الثورة السورية كثيرًا من الباحثين إلى العودة للأرشيف؛ بهدف دراسة تاريخ المنطقة، امتدادًا من شرق المتوسط إلى حدود الصين، من حيث الجغرافيا والديموغرافيا وتاريخ الخرائط، بل والبحث التفصيلي في المذاهب والإثنيات والأنظمة الاقتصادية، وتضارب مصالح الدول في هذه المنطقة غير المستقرة.

كان تفجير كابول الأخير مُحرّضًا للعودة مجددًا للبحث، ربما لإيجاد الربط المنطقي بين ما يحصل في كابول وما يحصل في التنف، حيث الحدود السورية-العراقية، ومواقف فرنسا وألمانيا الداعمة (نسبيًا) للثورة السورية.

يبدو للوهلة الأولى أن الحديث بهذا الشكل غير منطقي، أو ينقصه الترابط، لكن تاريخ الأحداث في المنطقة يقول إن الربط منطقي، لكنه مُعقّد تبعًا لتعقيدات المنطقة بشكل عام.

كان أول ظهور علني لتنظيم “الدولة الإسلامية” في أفغانستان، في كانون الثاني/ يناير 2015، حين أعلن حافظ سعيد خان ـوهو قائد سابق في طالبان- عن تأسيس (ولاية خرسان)، لكن بالعودة قليلًا إلى الخلف نجد أنه قبل عام من هذا التاريخ، وتحديدًا في 18 أيلول/ سبتمبر 2014، أعلن جيمس كلابر -مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية- عن (جماعة خرسان) وقال إنها مجموعه صغيرة تعمل مع جبهة النصرة في سورية، وقد تُشكّل أكبر حلفاء الدولة الإسلامية، وفي 23 أيلول/ سبتمبر 2014، صرّحت القيادة المركزية الأميركية بأنها نفّذت ثماني غارات جوية ضد مقارّ لجماعة خرسان غرب حلب، وتكرر ذلك القصف في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، وغارة ثالثة في الشهر نفسه.

نقلت (نيويورك تايمز) في تقرير لها، عن مسؤولين رفيعي المستوى في الإدارة الأميركية، أن تنظيم (خرسان سورية) يقوده الكويتي محسن الفضلي، القيادي السابق النافذ في تنظيم القاعدة، الذي فرّ من أفغانستان إلى إيران، ومكث فيها حتى عام 2012، وكان خلال إقامته يعمل على تمويل القاعدة، خلال عامي 2011 و2012 بمعرفة السلطات الإيرانية، وغادر إيران في شهر نيسان/ أبريل 2013 إلى سورية، ليقود جماعة خرسان في سورية!

ليس هناك ضرورة للتذكير بأن جميع حلقات القاعدة والنصرة وتنظيم الدولة وجماعة خرسان جميعها متداخلة، لكن ما يربطها جميعها هو إيران كعامل مشترك.

قال وزير العدل الأميركي إريك ولدر لموقع (ياهو نيوز): “لدينا معلومات عن التنظيم منذ عامين”، أي منذ عام 2012، أي قبل ثلاثة أعوام من إعلان التنظيم عن نفسه عام 2015، لكن المثير أن تعرض أميركا مكافأة، قدرها سبعة ملايين دولار، لمن يُدلي بمعلومات تؤدي إلى قتل أو اعتقال محسن الفضلي، وهي في الوقت نفسه كانت ترصد تواجده في إيران منذ العام 2005 حتى خروجه إلى سورية عام 2013!

بالعودة إلى تفجير كابول، كان من اللافت مسارعة تنظيم (خرسان) لتبنّي التفجير، لكن اللافت أكثر هو إعلان طالبان عدم مسؤوليتها عن التفجير الذي أتى بعد أيام قليلة من قصف أميركي لميليشيات، تقودها إيران متجهة من البادية السورية إلى نقطة التنف الحدودية بين سورية والعراق، وبعد تجديد كل من ألمانيا وفرنسا موقفيهما الداعم لعملية التغيير السياسي في سورية، ورفض أي دور لإيران فيها.

تعمل إيران، باحثةً عن دور رئيس في المنطقة، ليل نهار، بلا كلل أو ملل، للحصول على ما تريد، ولا تدّخر في سبيل ذلك أي جهد، مستعملةً كل الوسائل الممكنة والمتاحة، وبغض النظر عن شرعية هذه الوسائل وأخلاقيتها، وهي التي كانت تدعم طالبان بالتنسيق مع الولايات المتحدة ضد الاحتلال الروسي لأفغانستان، تُنسّق اليوم مع الروس وطالبان لابتزاز الطرف الأميركي، معتمدةً في ذلك على شبكة علاقات واسعة ومعقدة مع كبار قياديي القاعدة وطالبان في أفغانستان، لكن الأمر المحيّر والمثير هو عدم اتخاذ أي إجراء جدّي من طرف الولايات المتحدة والغرب عمومًا ضد “العربدة” الإيرانية وإدارتها للإرهاب من كابول إلى دمشق مرورًا بالموصل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق