أدب وفنون

رسالة إلى “السيّد جنيف”

صباح الخير “سيّد جنيف”، وعسى ألا “نمسّي عليكم”، كي لا يعني ذلك -باللسان السوري الفصيح- أنه قد أفل النهار وبتنا معكم في جوف ليل أليل.

جلّ الراحلين إليكم، سيّد جنيف، مشيًا أو حلجًا أو جرًّا، جاؤوكم من وسط التيه. التيه الذي اختلفوا في تسميته، مع أنهم دخلوا فيه وأدخلوا غيرهم إليه. والمأساة المركبة أن كل واحد، وهو فيه، يشدّ على رقبة مَنْ حوله، وكلما شدّ أكثر، غصنا نحن أكثر، “في التيه طبعًا”.

السيّد جنيف، النظام من زمان دخل في التيه، لأنه يريد أن ينتصر وحده هو، ولا أحد إلاّه، وهذا مستحيل، والمعارضة -أقصد المعارضات- دخلت في التيه، لأنها تريد -إن سلّمنا أنها تعرف ما تريد- أن تحلّ محل النظام، وهي تمشي بالمقلوب، وهذا مستحيل.. الأصوليات -بغض النظر عن عدد أسمائها- تريد لدولة الخلافة التي ماتت، وهي حية منذ أكثر من ألف عام! أن تحيا وهي ميتة، بعد أكثر من ألف عام، وهذا مستحيل.

البعض يريد أن يحل محلّ “ست البيت” في المطبخ السوري العريق “سيد جنيف” على أساس أنه يمتلك خبرة في “الشَّيفنة”.. وهذا مستحيل.. والبعض يريد أن يطبخ طبخته على الدخان الأسْوَد فحسب.. وهذا مستحيل.

والبعض لا يفكر إلاّ في اللحاف الذي كان يغطي صدور كل السوريين، لأجل أن يغطي عورته كي لا تبين دفعة واحدة، وهذا مستحيل.. والبعض يذهب بجسده ويترك رأسه أمانة أو رهينة أو وديعة، أو شيئًا من هذا القبيل، وهذا مستحيل..

ورُبَّ أحد ابن أحد، لبس طاقية الإخفاء وجاءكم، “سيد جنيف”، فهو موجود وغير موجود في آن معًا، وهذا مستحيل.

كل مستحيل في حدّ ذاته هو مستحيل، سيد جنيف! فما أدراك بعشرين مستحيلًا يتناطحون لأجل عيون البقرة السورية، تحت مسمى حل عقدة الأزمة السورية؟

السيّد جنيف! البقرة السورية “تعجّ”! و”تنعّر”! من زمان وهي تعجّ وتنعّر، بكل اللغات العالمية، وما أكثر الذين يديرون نحوها الأذن الصّماء، ثمّ “ينكشونها” -الأذن طبعًا– و”يقوّرونها” كما يقوّرون “الكوساية”! ليوحوا أن الدهليز مسدود، أو أنهم لا يسمعون من كثرة الطنين والوشيش..

البقرة السورية هي نحن، سيّد جنيف! نحن -السوريين الذين ما زالوا على قيد الوطن بعد- البقرةُ التي وقعت في الحفرة التي حفرها “زيد بمعونة عُبيد، وعُبيد بمعونة قُريد، وقُريد بمعونة شُريد”، وهم يعرفون أنهم حفروها، ونحن نعرف أنهم حفروها، وهم يعرفون أننا نعرف أنهم حفروها، ويعرفون هم وجميع الحفارين الآخرين أن كثرة الخبط واللبط لا تصنع الحفرة فقط، بل تصنع الهاوية أيضًا.

نحن البقرة التي وقعت وباتت عاجزة عن البقاء، وعاجزة عن الخروج، وعاجزة عن الرجوع، وعن الوقوف وعن القعود وعن المشي وعن النوم، وعاجزة عن إغماض الجفون عن كثرة السكاكين التي تحيط بها من كل الجهات. البقرة السورية خائفة -أيضًا- لكن ليس على حليبها هذه المرة، سيد جنيف! فهي لم تعد تدرّ غير الرعب، بل خائفة على بطنها، وخائفة من بطنها، ألاّ ينجب بعد اليوم، في المدى المنظور، إلاّ القرود السود، هذا إن بقيت قادرة على الحمل في الأصل. خائفة أن يكون –بالفعل- لم يتبقَّ لها إلاّ التنعير.

نحن -السوريين الذين ما زالوا على قيد الوطن- نحب ونريد ونتمنى أن نتعلق بقشتكم، سيد جنيف. وندعو من يسمع الدعاء أن تتحول هذه القشة إلى خشبة، والخشبة إلى خمس، والخمس إلى مئة، والمئة إلى ألف.. عسى نعيد بناء السفينة التي تعيد كل السوريين إلى بعضهم البعض، من بحر الشتات والهجرات وتنافر الغايات، لكننا نخاف -في الوقت عينه- من كل الذاهبين إليكم، سيد جنيف! ونخاف من حضرتكم -بلا مؤاخذة- أن تتحولوا بدوركم إلى بقرة شموس عنود حرود شرود، لا تدر لبنًا ولا جبنًا ولا قريشًا ولا شنكليشًا، بل جنيفات وراء جنيفات، وأستانات وراء أستانات، بحيث ندخل معكم في تيه جديد، أو ننتقل وإياكم من تيه إلى أخيه، ومن أخيه إلى ابن عمه، ومن ابن عمه إلى ابن عمته، وهكذا حتى تصلون ونصل جميعًا، إلى جدنا لوط.. عليه السلام.

السوريون يريدون منكم، سيد جنيف، أن تمسكوا بطرف الحبل، وتشدّوا.. ويخافون أنّ من ربّطها على مهل –أعني البقرة– لن يحل عقدتها على سرعة. لكننا نودّ أن نتمسك بأي شيء يحول دون البقاء في جوف الهاوية الداوية التي تحولت إلى نهر من الهاويات الداهيات الداويات الزابدات الراغيات..

إن من يوشك على الغرق النهائي النهائي، سيد جنيف، يتمسّك “بحبال العرمط”، وهو يعلم أن العرمط هو العرمط وليس الكتان، مع كل هذا هو مضطّر أن يتخيل أن العرمط، قد ينقلب إلى كتان بفعل سحرة الروس والأميركان، الساحرَين العالميَين اللذين -من يدري- قد يحولان العرمط إلى حبال من مسد، تربط المقتلة السورية من قرونها، وتعيد عفاريتها إلى قماقمهم، قبل أن تتمزّق الخرائط، وتشجّ الفؤوس جميع الرؤوس.

أخيرًا نتمنى عليكم، سيد جنيف وآنسة أستانا، إذا وصلتكم هذه الرسالة، وكنتم ما زلتم على قيد الوجود -بأيّ معنى من معاني الوجود- أن تضعوها حلقًا في أذن سيادتكم، علّها تكون بمثابة حرز، تلولحون به أمام عدسات الكاميرات والعيون.

والسلام السلام.. وليس المنون المنون.

مقالات ذات صلة

إغلاق