مقالات الرأي

خطوط متقاطعة في معركة الرقة

أربع سنوات، تكاد تكتمل على ابتلاء المنطقة العربية بـ (تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام)، ومع حلول هذه الذكرى تبدو (داعش) اليوم في أشد لحظاتها إنهاكًا، وهي تقترب من حقيقة زوال الدولة، وتحوّلها إلى مجموعات خطر متشظية ملاحقة، أينما كانت، بعد أن أقامت حكمَها على أرضٍ ممتدة على أجزاء واسعة من العراق وسورية، تحكّمت بشعوبها وبمصايرهم، بالقتل والترهيب وحده، وجلبت الدمار بصورة لم تشهدها المنطقة عبر تاريخها الطويل.

غمامة (داعش) السوداء تنحسر اليوم بصورة متلاحقة، بدءًا بمعركة تحرير الموصل، تشرين الأول/ أكتوبر 2016، ثم معركة تحرير الرقة، تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، ونستطيع القول إن المنطقة بدأت تتخلص مما لحق بها طوال سنوات المحنة، وبدأت الدخول في حقبة جديدة تتسم بسيطرة الولايات المتحدة على منطقة الجزيرة السورية، عبر ما يمكن أن تعدّه نصرًا قادمًا لها، بتحرير الرقة من (داعش). غير أن هذا الخلاص مرتبط بمرارات التهجير ومخيمات أشبه بمراكز اعتقال، أو البقاء تحت رحمة المقذوفات القاتلة.

قد تكون مفردة “طرد” هي الأنسب تعبيرًا عما يجري على الأرض، منذ أكثر من 20 شهرًا على بدء عمليات “غضب الفرات”، وما يجري اليوم من تطورات في الرقة يؤكد ذلك، إضافة إلى أن استعادة المحطات التي جرت فيها وقائع ما سميّ بالمعارك، وفي مقدمها “عملية تحرير سد الفرات” ولاحقًا مدينة الطبقة بشقيها القديم والجديد، فإن عملية طرد (داعش) تمت بالاتفاق (التفاوض) معها على الإخلاء والانسحاب، وإن معظم ما قيل إنه معارك، لم يكن سوى مواجهات محدودة، لم يُحسم فيها أي مصير لكلّ الأطراف في عملية “غضب الفرات”.

في الرقة، أُمطرت المدينة، على مدار خمسة أيام متواصلة، بالصواريخ والمقذوفات ذات القدرة التدميرية الهائلة، وبالقذائف المدفعية، من قِبل قوات البحرية الأميركية المتواجدة في الخليج العربي والبحر المتوسط، ومن طرف ميليشيا صالح مسلم التي تسلمت، قبل أيام من بدء اقتحام الرقة، عتادًا حربيًا متقدمًا ومتطورًا؛ وقد أدت عمليات القصف المحموم، إلى تدمير واسع وشامل لمعظم مرافق المدينة الحيوية ومقارها الرئيسة، وهي مقارّ خالية تمامًا، تركتها (داعش) تدريجيًا منذ بدء عمليات التحالف الدولي ضدها، قبل أكثر من عامين. وطالت الهجمات الأحياء السكنية، ولذلك نجد أن جميع الضحايا هم من المدنيين، ليس بينهم داعشي واحد.

أنجزت ميليشيا صالح مسلم -بموافقة، أو ربما بطلب أميركي-  اتفاقًا مع (داعش)، كشفت موسكو عن جوهره، يتضمن منح ما تبقى من مقاتليها، ممرًا آمنًا للخروج من مدينة الرقة، وتمت تغطية ذلك بعمليات القصف العشوائي الدامية، في الوقت الذي كانت تنسحب فيه (داعش)، ليس باتجاه تدمر كما أُريد لها، ولكن باتجاه الحدود السورية – العراقية، عبر ممر قوسي يمتد من معدان باتجاه الميادين جنوبي دير الزور. لذلك جاءت عملية اقتحام الرقة، الخميس الماضي، عبر ثلاثة محاور: الشمال والشرق، والجنوب الغربي. وبقي الجنوب الشرقي معبرًا لفلول التنظيم الإرهابي، وقد نفذ عمليات انتقال واسعة على عدة مراحل وفترات متقاربة، إلى خارج الرقة منذ عام تقريبًا. واليوم، لا توجد هناك قوى حقيقية لـ (داعش) في المنطقة يمكن أن تتصدى لأي عملية عسكرية موجهة ضدها.

وفي الواقع، باستثناء المعارك التي جرت في شمال الرقة، في منطقة تل أبيض وريفها، لم تجر مواجهات كبيرة، بحيث يمكن إطلاق اسم “المعركة” عليها. كانت تلك البدايات التي حاول فيها تنظيم الدولة الدفاعَ عن وجوده، لكنه هُزم، وثبت أنه غير قادر على المواجهة المنظمة. وكان يمكن سحق التنظيم، قبل ثلاثة أعوام 2013 حين تولى الجيش الحرّ مقاتلة التنظيم، وطرده حينئذ من إدلب وحلب، وملاحقته إلى الحدود الإدارية للرقة في مسكنة. توقفت مطاردة التنظيم هناك، لينشب أظلافه في الجسد السوري، ويتمكن من التمدد والتجذر بصورة أوسع؛ مكنته من الاستمرار حتى اليوم.

تنظيم (داعش) -بوصفه قوة عسكرية- هو نمر من ورق. وخلال ما يزيد على عام، أكدت العديد من الوقائع حقيقة ذلك، ولكن التعامي المتعمد من القوى الدولية، وفقدان القدرة لدى المعارضة السورية، جعل من استمرار (داعش) ممكنًا إلى الحدّ الذي طالت فيه مجتمعات أخرى بعملياتها الإرهابية، وكل ما قامت به من قتل وإحراق واعتقال وتهجير وملاحقات بحق السوريين، لم يكن سببًا رئيسًا في مواجهتها، بل إن النظام الأسدي، وقوى إقليمية كانت –وما تزال- في تواصل منفعي ووظيفي وتجاري مع “تنظيم الدولة”، إضافة إلى العامل الأمني الاستراتيجي لمعظم دول العالم. وكان يمكن منعه من التمدد، وقطع جذوره التي تصل إلى أقبية صناّع الإرهاب، وداعميه، وفي مقدمهم أجهزة أمن النظام الأسدي وإيران.

خروج (داعش) من الرقة التي كان يتخذ منها معقلًا ومركز تحصن، بات مسألة وقت، لكن ثمة تساؤلات مهمّة، عمّا إذا كان التحالف الدولي، مع الميليشيات التي تعمل بإمرة واشنطن، سوف يواصل عملية ملاحقة (داعش) في دير الزور، وإطلاق عملية تحرير جديدة، تمنح وقتًا لـ (داعش) كي يعيد تنظيمَ صفوفه هناك، ويزيد من ابتلاء السوريين، أو أن دور (قسد) سوف يتقلص، وينحصر وجوده في المناطق الحالية، وما مدى قدرته على الاستمرار وفرض نفوذه، في ظل توجيه الإدارة الأميركية بأن تدار المناطق “المحررة” من (داعش) بمجالس مدنية، أثارت تشكيلاتها لغطًا كبيرًا ورفضًا واسعًا من أهالي الرقة لكونها ذات طبيعة خادمة لمشروع صالح مسلم وميليشياته ذات السمعة السيئة، بسبب انتهاكاتها المتصلة بارتكاب عمليات تهجير قسري، وجرائم حرب، شمال الرقة.

في اعتقادنا، أن واشنطن في طريقها للبحث عن شريك، أو تشكيل ساعد جديد، بديل عن (قسد)، يتولى مهام المناولة في فصل جديد من الحرب على (داعش)، اسمه “تحرير دير الزور”.

أيًا تكن التحالفات القائمة اليوم، ومجريات أحداث معركة “تحرير” الرقة، فإن العمق الأكثر أهمية في الأمر، هو تقاطع المصالح الأميركية-الروسية في سورية، ما بين مثلث الصراعات والنفط والموارد البشرية، المثلث الذي تتركز رؤوسه في الرقة ودرعا والتنف، وقد بدأت الأفعال والردود عليها بأفعال أخرى تظهر بصيغ مباشرة، تعكس عملية عض الأصابع بين موسكو وواشنطن، وسعي كل منهما للحد من وجود الآخر ودوره في المنطقة، وسيكون لذلك مفاعيل تضاعف معاناة السوريين، وتلعب دورًا كبيرًا في إطالة أمد الحروب والتدخلات ذات الطبيعة الاحتلالية في المنطقة، وسوف تكشف الأيام المقبلة حجمَ تقاطع المصالح بين هاتين القوتين المتنافرتين، مع انحسار دور (داعش) في سورية على وجه التحديد، وبروز قضايا ومشكلات أخرى جديدة نتيجة لذلك.

مقالات ذات صلة

إغلاق