مقالات الرأي

في وصف حالتنا

تغيب سورية بأحداثها عن العناوين الرئيسة لنشرات الأخبار؛ ويبدو أن أحداثًا أشد سخونة وأكثر لفتًا للأنظار حلّت محلّها في الوقت الحالي؛ فالحدث السوري بات طويلًا ومملًا، أجزاؤه لا تنتهي، الأمر نفسه يتكرر دائمًا: قصف، تفجيرات، صور معتقلين، وجولات مفاوضات لا جدوى منها، النظام نفسه لا يتغير أبدًا والمعارضة نفسها وإن تغيرت بعض وجوهها. المتغير الوحيد هو أعداد الضحايا، وهو حدث يومي مكرر لا يلفت الانتباه إلا إن رافقته مجزرة مروعة مثل تلك التي حدثت، في نيسان/ أبريل الماضي، في مدينة خان شيخون، وتوقع المتوقعون بعدها أنها ستكون القشة التي ستقصم ظهر نظام دمشق، خاصة بعدما أرعد الرئيس الأميركي وأزبد، وانتظروا حدثًا استثنائيًا. لكن، ها قد مر شهران على وقوعها ولم يحدث ما كان متوقعًا، قد يحتاج الأمر إلى مجزرة أخرى تعيد التذكير بأن دماء ضحايا مجزرة خان شيخون لم تجفّ بعد، وأن قاتلهم نجا هذه المرة أيضًا، كما نجا في المرات السابقة جميعًا، ونخشى أن ينجو في المرات اللاحقة.

بل حتى “البروباغندا” المبالغ بها التي هيأت المشاهدين لمعركة دحر تنظيم (داعش) من سورية لم تعد تثير الاهتمام، بل يمكن القول إن تلك المعركة المرتقبة صارت مثار قلق وخوف من عواقبها، خاصة أن ما حدث وما يحدث في معركة “تحرير” الموصل، يقدم مئات الأدلة على أن طرد تنظيم (داعش) لا يعني بالضرورة عودة المدينة إلى أهلها، بل قد يعني دخول قوات الحشد الشعبي ذات النكهة الإيرانية مثلًا، وهي قوات -مهما حاول بعض الدول التسويق لها- لا تختلف كثيرًا عن تنظيم (داعش)، لذلك فإن المستبشرين بزوال (داعش) من أبناء محافظتي الرقة ودير الزور تحديدًا، بدأ الخوف يتسلل إلى قلوبهم وهم يتابعون وصول (قوات الحشد الشعبي) إلى الحدود السورية العراقية؛ وهذا سيؤدي بالضرورة إلى نزوح وتهجير من نوع جديد هذه المرة، على أسسٍ طائفية ترضي مشروع المرشد الإيراني القابع في “قم” ينتظر أن يرى حلمه يتجسد على أرض الواقع، ليربط المنطقة الغربية العراقية بالمنطقة الشرقية السورية، وساعتها لن نرى “بلدوزر” أبي محمد العدناني الرجل الثاني في تنظيم (داعش) يتفاخر بإزالة حدود (سايكس-بيكو)، لكننا سنرى الرايات التابعة للولي الفقيه ترفرف فوق مآذن المساجد، تمامًا كما رأيناها من قبل في مدينة القصير التي تحتلها ميليشيات (حزب الله) الإرهابية، ورأيناها لاحقًا في الزبداني ومضايا وداريا، كما رأينا جولة قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني في أحياء حلب الشرقية التي باتت خرابًا، وبات أهلها مهجرين ونازحين.

على الجهة المقابلة، لم يعد رأس النظام السوري يكترث كثيرًا بما سيحدث، ولعله لم يعد يتابع الأحداث هو الآخر، فقد بات -على ما يبدو- مطمئنًا إلى أن كل ما يسمعه من تصريحات القادة الغربيين، بما فيها الشتائم، مثل الشتيمة الشهيرة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وشددت على ضرورة تنحيه عن السلطة وتقديمه للعدالة؛ بسبب ما ارتكبه من جرائم، ليست سوى كلام ليل يمحوه نهار، وهو واثق أن داعمه الروسي لن يسقطه من يده، وسيظل محتفظًا به يفاوض عليه، ويبرزه أمام خصومه الأوربيين تحديدًا، ليقول لهم أنا لديّ هذه الورقة، وهو يدرك تمامًا أن إعطاءهم تلك الورقة أو تخليه عنها يعني بالضرورة إنهاء فصل دموي من هذه المأساة المستمرة، ويعني أن تحولًا كبيرًا سوف يحدث، سيغير المعادلة ويفتح الباب أمام عشرات الحلول.

مشروعات التقسيم ورسم الحدود التي لم يعد أحدٌ يتحدث عنها سرًا، تنتقل من مرحلة إلى مرحلة، وهي تتقدم دون أن يقلق تقدمَها اعتراض من أي من الجهات سواء الفاعلة أو المراقبة، إذ يبدو أن الجميع متفقون على أن هذه هي النتيجة الحتمية لكل ما حدث، وما وصلت إليه الأمور.

في الوسط تقف المعارضة السورية مشاهدًا لا أكثر، فهي -وكما بات معلومًا- لا تملك أسرار الحل والعقد، وليس أمامها سوى الانتظار، لعل شيئًا لم يكن في الحسبان يحدث ويغير قليلًا في وقائع هذه التراجيديا التي يعجزون عن معرفة ما يفكر به مخرجوها وكتابها ومنتجوها.

هذه التفاصيل كلها -وهي معروفة لجميع المتابعين والمشاهدين- تجعل التراجيديا السورية التي أبكت الناس في سنواتها الثلاث الأولى تفقد جمهورها، وإن تظاهروا بأنهم يتابعونها. حتى إن خطباء المساجد لم يعودوا يرفعون أيديهم إلى الأعلى، ليطلبوا من الله أن يرفع هذا المصاب عن أهل سورية.

أيها الصائمون، لا تنسوا الدعاء لأهل سورية… وهذا أضعف الإيمان.

مقالات ذات صلة

إغلاق