هموم ثقافية

عن لعنة التعوُّد

هل تنحَّى “الحدث السوري” عن دائرة الضوء في وسائل الإعلام والدوائر والهيئات السياسيّة، أم تمَّت تنحيته لانتهاء زمن تصدُّره، أم لا هذا ولا ذاك، وإنما لتعوَّد الناس عليه؛ ما أفقده زخمَ حضوره، ودرجةَ جذبه لهم، وتأثيره فيهم؟

ولكنْ، أتراه تعوَّد الناسُ على الرغم من هول المأساة المتعاظم يومًا بعد يوم!؟ نعم. ففي اعتقادي، ثمَّة نسبة كبيرة من التعوُّد، تراكمت على مدار سنوات ستّ مضت، وسنة سابعة تنضمّ الآن. تعوُّدٌ عامٌّ، بدءًا من الرأي العام العالمي والأمم المتحدة ومجلس الأمن، ووصولًا إلى الرأي العام العربي، والهيئات والمؤسسات ورجل الشارع العادي. تعوُّدُ، جعل التلقّي والتفاعل أقلّ حرارة واهتمامًا ومتابعة، سواء على الشاشات الصغيرة، أو الأخرى عبر وسائل الاتصال الحديثة.

يبدو أن ما يطول بقاؤه واستمرارُه، من الآفات والمآسي والكوارث، يألفه الناسُ، يعتادون عليه، يتعايشون معه؛ فيبهتُ تأثيره فيهم -مع مرور الوقت مزيدًا- حتى ليبدو لهم حالًا طبيعيّة، أو جزءًا من الأقدار التي لا بدَّ من الامتثال لها وتقبّلها؛ ومن ثمَّ الالتفات إلى البحث عن طرائق وأساليب وفنون التكيُّف والتعايش معها.

والتعوُّدُ آفة خطيرة حقًا، اعتمدتها سلطة الطغيان الحاكم -كما يبدو- لتمرير بضع سنوات قليلة، يتسلَّل، خلالها، الاعتيادُ على الواقع الحاصل في سوريّة، إلى مختلف الهيئات والمؤسّسات والمحافل ووسائل الإعلام والاتّصال في العالم؛ خصوصًا في ظلّ انعدام الإرادة الدوليّة على إزاحة الاستبداد الحاكم منذ نصف قرن، أو -على الأصحّ- في ظلّ إصرار الإرادة الدوليّة على استمرار الاستبداد في تولي حكم سورية، لزمن آخر لا أحد يعرف طوله، إلاّ الدول الحامية للطغيان سرًّا أو علانية!

ويحضرني، في سياق الحديث عن خطورة آفة التعوّد وما يُخلّفه في تكوين الإنسان، كتابُ ممدوح عدوان البديع “حيونة الإنسان” الذي رأى فيه أنّ التعوُّدَ أبعد وأعمق أثرًا تخريبيًّا في الإنسان، من التراخي والبرودة وعدم الاهتمام. يُورد عدوان أمثلة عن التعوّد على الرائحة المقزّزة والضجيج الحادّ، وكيف يألفهما الإنسان بعد حين من البقاء معهما، بسبب موت شُعيرات حسّاسة في مجرى الشمّ والسمع، مقتبسًا قولًا لشخصيّة من رواية له: “أتعرف معنى ذلك يا أبي؟ معناه نحن لا نتعوّد إلاَّ إذا مات فينا شيءٌ، فتصوَّر حجمَ ما مات فينا حتى تعوّدنا على كلّ ما يجري حولنا”.

ثمّ يختم عدوان بالقول: “أعني: إذا كان الأمر كذلك، فكم فقدنا من كرامتنا وتضامننا الإنساني وإحساسنا بإنسانيتنا؛ حتى صرنا نتعوّد الإذلال المحيط بنا، لنا ولغيرنا؟! وحتى صرنا نتقبَّل هذا العنف والتعامل غير الإنساني الذي نُعامل به أو يُعامل به غيرنا، على مرأى منّا في الحياة أو حين نقرأ عنه أو نراه على شاشات التلفزيون”.

هذا في ما سبق قيام الثورة، أما اليوم -أعني بعد سنوات ستّ- فإنّ حال التعوّد تتجلى بوضوح في مسار يخصّنا ويخصّ غيرنا، حتى أولئك المؤيّدين للشعب السوري، المناصرين لرفع المحنة عنه.

لستُ بوارد لوم المُتعوّدين، أو إدانتهم، أو ما إلى ذلك. أردتُ، من التوقّف مع التعوّد وأثره التخريبي في بنية الإنسان، الإشارةَ إلى المخاطر الكبرى الكامنة في استمرار الجاري على جريانه، والحالي على حاله في بلدنا. إنّ كرة الجحيم التي يدحرجها حلفاءُ الطغيان الحاكم على حيواتنا نحن -السوريين- مستمرةٌ، وتتضخّم يومًا بعد يوم، في توازٍ مع تراكم طبقات التعوُّد فينا جميعًا، وتضخّم التخريب فينا –بالتالي- يومًا بعد يوم أيضًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق