مقالات الرأي

حرب حزيران وضياع الجولان

1 – البلاغ العسكري رقم 66

تنبع أهمية التوقف عند هذا البلاغ -وكنت الشاهد الرئيس فيه، بحكم وضعي الحزبي والحكومي إبان صدوره- من كونه يُلقي الضوء على الكثير من الممارسات اللاحقة لحافظ الأسد، ولا سيما انقلابه العسكري عام 1970 (الحركة التصحيحية!) على رفاقه وشركائه في حركة 23 شباط/ فبراير 1966.

كانت البلاغات العسكرية المتعلقة بحرب حزيران/ يونيو 1967 تأتي من غرفة العمليات العسكرية التي كان يتواجد فيها وزير الدفاع آنذاك (حافظ الأسد)، إلى مديرية الإذاعة والتلفزيون التي كان يرأسها المرحوم عبد الله الحوراني، وقد شكا لي أن البلاغات العسكرية التي تصله من غرفة العمليات هذه تنطوي على أخطاء لغوية، ولا يمكن إذاعتها دون تصحيح هذه الأخطاء؛ فاتصلت بوزير الدفاع، واقترحت عليه أن أرسل إلى غرفة العمليات إعلاميًا متمكنًا لغويًا (المرحوم أحمد اسكندر الأحمد)، كي يقوم بالتصحيح اللغوي للبلاغات العسكرية، قبل أن تُرسل إلى الإذاعة والتلفزيون من قِبل المسؤولين؛ فوافق الأسد على ذلك الاقتراح، ووُضِع موضع التنفيذ فورًا.

استمرت البلاغات العسكرية تتوالى بصورة طبيعية وروتينية من غرفة العمليّات العسكرية إلى الإذاعة والتلفزيون، إلى أن وصلنا البلاغ رقم 66. وهنا جاء عبد الله الحوراني -مدير الإذاعة والتلفزيون- ليخبرني بأن بلاغًا وصلَ من غرفة العمليات يُشير إلى سقوط مدينة القنيطرة (عاصمة الجولان) بيد الجيش الإسرائيلي، ونبّه من أن إذاعته ستُحدث بلبلة وفوضى وحالة من الإحباط.

أخذت البلاغ (رقم 66) ووضعته في مغلف خاص، وسلمته إلى مدير مكتبي عزيز درويش، وطلبت إيصاله إلى القصر الجمهوري، حيث يجتمع كبار قياديي الحزب، ويسلمهم البلاغ، وبعد اطلاعهم عليه، اتصل بي رئيس الوزراء د. يوسف زعين، ليبلغني أن “الرفيق حافظ” قد أبلغهم بسقوط القنيطرة، وأن عليّ أن أذيع البلاغ، وتمت إذاعته.

بعد مرور نحو نصف ساعة من إذاعته، اتصل بي هاتفيًا وزير الدفاع (حافظ الأسد) ليبلغني بوجود إشكالية تتعلق بالبلاغ المذكور، وقال: “يبدو أن القنيطرة لم تسقط بيد الجيش الإسرائيلي”، فسألته: “لماذا بعثتم إلينا إذًا بلاغ سقوطها”، فقال: “لقد اتصل بي ضابط من الجبهة (لم يذكر لي اسمه ولا رتبته العسكرية) وأبلغني أن القنيطرة قد سقطت وصدّقته، وأرسلنا إليكم البلاغ على هذا الأساس”!، وأردف: “واقع الحال، رفيق محمد، أن المدينة مُطوّقة من الإسرائيليين، وهي من الناحية العسكرية بحكم الساقطة، وكل ما هنالك أنهم لم يدخلوها بعد”، فقلت له: “مادام الأمر كذلك، سنقوم هنا بإعداد بلاغ جديد لتسوية هذا الخطأ، وسأقرأ عليك نصّ البلاغ حالما ننجزه لنأخذ موافقتكم عليه وإذاعته، كواحد من بلاغاتكم العسكرية”، ووافق فورًا.

قمت وعبد الله الحوراني، بصياغة بلاغ “ترقيعي” الذي أخذ الرقم (67) بعد موافقة حافظ الأسد عليه، وكان مضمونه أن قتالًا داميًا وشرسًا يدور داخل مدينة القنيطرة بين الجيشين السوري والإسرائيلي، وكان هدفنا من هذا البلاغ إشعار الناس (كذبًا) أنه إذا ما دخلت إسرائيل القنيطرة (كما نص البلاغ 66)، فقد دخلتها بعد مقاومة الجيش السوري لها، وإن لم تدخلها (كما كان واقع الحال عند إذاعة البلاغ 66) فإن مقاومة الجيش السوري هي من أخرجها بعد أن دخلتها.

 البلاغ 67 الترقيعي هذا أخرج حافظ الأسد، من ورطته المتعلقة بالبلاغ 66، لكن لم نكن نشكّ في ذلك الوقت بوطنية هذا الرجل، بل ولم يكن يخطر ببالنا يومئذٍ الدور الطائفي القذر الذي سيلعبه لاحقًا في حياة سورية، والذي ورّثه لولده بشار بعد موته عام 2000.

2- المكالمة الهاتفية بين جورج طعمة وإبراهيم ماخوس:

بتاريخ 11 كانون الأول/ ديسمبر 2011، وبعد صدور البلاغ العسكري رقم 66 الذي أعلن عن سقوط القنيطرة بيد “إسرائيل”، قبل أن تسقط فعلًا، ذهبت إلى المقر الذي كانت تتواجد فيه “القيادة السياسية” لحرب حزيران/ يونيو (لم أكن من بين أعضائها)، وكان يتواجد في المكان كل من د. نور الدين الأتاسي (رئيس الجمهورية والأمين العام لحزب البعث/ حركة 23 شباط/ فبراير 1966)، واللواء صلاح جديد (الأمين العام المساعد لشؤون القطر السوري في الحزب)، ود. يوسف زعين (رئيس الوزراء) ود. إبراهيم ماخوس (وزير الخارجية)، اتصل مندوب سورية الدائم في الأمم المتحدة، جورج طعمة، من نيويورك ليُبلغ وزير الخارجية إبراهيم ماخوس، بأن مجلس الأمن يُناقش إصدار قرار حول الحرب بين مصر وسورية وإسرائيل (القرار 242)، وأنهم يريدون معرفة الحدود التي وصل إليها الجيش الإسرائيلي في سورية (في هضبة الجولان)، لأن السفير الإسرائيلي يُصرّ على أن إسرائيل لم تحتل مدينة القنيطرة، وكان جواب ماخوس له، وبصوت عال ومنفعل على الهاتف: (كذابين، لقد احتلوها)، ثم أغلق الهاتف، وبعد نحو عشر دقائق عاود (جورج طعمة) الاتصال، ليُكرر أن السفير الإسرائيلي ما زال يصر على أن جيشهم لم يدخل القنيطرة، وليكرر إبراهيم ماخوس له الجواب الأول نفسه: (كذابين احتلوها).

هذا ما سمعته بأذني ورأيته بعيني، وأتمنى ألّا يكون عامل الزمن قد لعب دورًا ما في مدى دقة نقلي، ولا سيما أن المرحومين نور الدين الأتاسي وصلاح جديد قد غيبهما الموت، بعد أن قضيا نحو ربع قرن في سجون الأسد، والمرحوم إبراهيم ماخوس توفي في ديار الغربة.

3 – ثلاث شهادات حول البلاغ 66:

أ – شهادة اللواء أحمد سويداني:

قال لي المرحوم اللواء أحمد سويداني -رئيس الأركان في الجيش السوري، إبّان حرب حزيران/ يونيو 1967، والمشرف الميداني على العمليات القتالية في “الجبهة” (الجولان)- قال لي: إن الضباط الذين كانوا يعملون معه، في إدارة العمليات العسكرية في القنيطرة، قد تركوه وعادوا بسياراتهم إلى دمشق، بعد سماعهم البلاغ 66؛ الأمر الذي يُشير إلى أن هؤلاء الضباط قد أدركوا الخلفيات المشبوهة لهذا البلاغ، وبقي سويداني فترة في غرفة عمليات الجبهة وحيدًا، ثم قرر أخيرًا العودة إلى دمشق، حيث كانت الدبابات الإسرائيلية ما تزال على بعد أربعة كيلومترات من مدينة القنيطرة

ب – شهادة الرائد فؤاد بريك:

هي شهادة من الصديق المرحوم فؤاد بريك -كان يرأس، خلال حرب حزيران/ يونيو 1967، وحدة استطلاع أحد الألوية- حيث بعث لي من المستشفى في كندا، قبيل وفاته، رسالة مطولة تحمل عنوان “على فراش المرض“، يقول فيها:

أهم خلاصة استنتجتها من هذه الحرب، أننا كحزب وكأفراد قد أجرمنا بحق المجتمع، وفشلنا في القيام بواجبنا بالدفاع عن أرض الوطن، ولا تزال في مخيّلتي الصورة المهينة التي تم فيها انسحاب الجيش السوري من الجولان، كان استطلاع اللواء وحدتي العسكرية.

الوقت صباحًا، وآليات اللواء الذي تتبع له وحدتي تواصل انسحابها. لفت نظري وجود كثير من الصناديق المغلقة متناثرة على جانبي الطريق، طلبت من الآليات التي بإمرتي التوقف، ونزلت وتفحصت بعض الصناديق الخشبية، ففتحت أحدها ليتبين لي أنها مدافع مضادة للدبابات (RBG7) مغلقة ومغطاة بالشحم، وعلى الفور طلبت من الجنود إنزال أكياس البحارة وكل الألبسة الخاصة بالجنود من المصفحات، وطلبت منهم إحراقها ووضع الصناديق (48 صندوقًا) في المصفحات، وهكذا نقلتها جميعًا إلى الموقع الجديد الذي نقلنا إليه.

في اليوم التالي زارنا في الموقع اللواء صلاح جديد، لأنه صدر أمر بتسريح اللواء الاحتياط، وكنت قد توليت موضوع الإشراف على أسلحة اللواء وعتاده لحين التسريح، وأخبرت اللواء صلاح جديد بأني طلبت من الجنود إحراق أكياس البحارة من أجل تحميل الأسلحة المضادة للدبابات التي وجدتها في الطريق، وطلبت منه أن يستثني الجنود الذين بإمرتي من التغريم بثمن المعدات الشخصية التي فقدوها، وتم فعلًا إصدار أمر من القيادة باستثناء عناصر استطلاع اللواء من غرامة المعدات الشخصية للأفراد، وقال لي اللواء جديد: سيأتيك مندوبون عن ألوية الجبهة الجديدة ويحملون ورقة بتوقيعه أو توقيع اللواء حافظ الأسد من أجل استلام الأسلحة المضادة للدروع التي جلبتها معي، وأكمل قائلًا تعطي كل مندوب ثلث الكمية من المدافع (!!). بعد تسليم الأسلحة إلى الجهات المعنية في الجيش ذهبت إلى قيادة الأركان، لأضع نفسي تحت التصرف، فقابلت اللواء حافظ الأسد في مكتبه، فسلمني أمر نقلي إلى فرع فلسطين (!!)”.

ج – شهادة الأستاذ مروان حبش:

يقول الأستاذ مروان حبش، عضو القيادة القطرية لحزب البعث إبّان حرب حزيران: “قُبيل صدور البلاغ 66، اتصلت بقيادة فرع الحزب في القنيطرة مستفسرًا عن الوضع العام عندهم، فكان جوابهم أن كل شيء طبيعي هنا (في القنيطرة)، وعندما سمع مروان (البلاغ 66) اتصل بالدكتور نور الدين الأتاسي رئيس الدولة، ليبلغه أنه كان على اتصال لتوه بقيادة فرع الحزب، وأنهم أبلغوه أن كل شيء طبيعي في القنيطرة، وهو ما يتعارض مع البلاغ العسكري رقم 66 الذي أصدره حافظ الأسد”. (هذه شهادة الأخ مروان حبش كما وردت في برنامج الصندوق الأسود، البرنامج الذي عرضته قناة “الجزيرة” مساء الخميس 30 تموز/ يوليو 2015).

4 – تحليل مختصر لما ورد أعلاه حول احتلال الجولان:

لقد وضعت “إسرائيل” يدها (بصورة أو بأخرى) على هضبة الجولان السورية الحصينة والمحصنة في حرب حزيران/ يونيو 1967، ثم أعلنت ضم الجولان إليها، وتطبيق القانون الإسرائيلي المدني على سكانها العرب، تنفيذا لقرار اتخذه الكنيست بتاريخ 14 كانون الأول/ ديسمبر 1981 بضم الجولان إلى الكيان الصهيوني رسميًا، الأمر الذي رفضه مجلس الأمن الدولي بالإجماع، عبر قراره رقم 497 تاريخ 17 كانون الأول/ ديسمبر 1981، ذلك القرار الذي ضربت به “إسرائيل” -كغيره من القرارات المتعلقة بالقضايا العربية عامة والقضية الفلسطينية خاصة- عرض الحائط. لقد مثلت حرب 1973 المسماة (التحريرية!!) -من وجهة نظرنا- المعبر السياسي والعسكري والإعلامي الآمن لأنور السادات للذهاب إلى القدس، ومنها إلى اتفاقية (كامب ديفيد)، وأيضًا المعبر السياسي والإعلامي والعسكري الآمن لحافظ الأسد لإبرام صفقة سياسية مع هنري كيسنجر عام 1974، تقوم على انسحاب “إسرائيل” من تل عنتر (الذي لم يكن يبعد عن طريق درعا – دمشق سوى أربعة كيلومتر)، ومن إحدى حارات مدينة القنيطرة (شرط تدميرها وعدم جواز دخولها أو إعادة بنائها!!) بما يسمح لوسائل الإعلام المأجورة أن تطلق عليه، بطل الحرب والسلام، وبطل تحرير القنيطرة!

إن إطلاق اسم (حرب تشرين التحريرية) على حرب 1973، وإطلاق لقب بطلي التحرير على أنور السادات وحافظ الأسد، إنما هي -أيضًا من وجهة نظرنا- من قبيل تسمية الأشياء بأضدادها.

إن ما يؤكد صحة هذه الصورة السوداء، في تاريخ الأمة العربية المعاصر، هو أن اتفاقية (كامب ديفيد) التي أخرجت “إسرائيل” من شبّاك سيناء (شكلًا)، قد أدخلتها (مضمونًا) من الباب العريض إلى مدينة القاهرة، بل وإلى مفاصل كل الحياة المصرية، ومن خلال مصر السادات، ومن ثم مصر مبارك، ولاحقًا مصر السيسي، إلى مفاصل كل الحياة العربية. وينطبق هذا الأمر إلى حد بعيد على الاتفاق السري الذي تم بين حافظ الأسد وهنري كيسنجر؛ وبموجبه تم خروج “إسرائيل” من شبّاك تل عنتر 1973، لتدخل من الباب الخلفي إلى عاصمة الأمويين التي باتت كافة أحيائها وأزقتها مكشوفة للمرصد الإسرائيلي الإلكتروني المتمركز فوق جبل (حرمون) المطل مباشرة على العاصمة دمشق!، وأصبحت بالتالي كافة مواقعها الاستراتيجية وساحاتها وشوارعها، في مرمى المدفعية الإسرائيلية المتربعة فوق هضبة الجولان.

يمكن للقارئ الحصيف أن يربط بسهولة بين هذه الانتصارات الوهمية لنظام عائلة الأسد، وبين اشتراك هذا النظام في حرب حفر الباطن (حرب تحرير الكويت) عام 1991، ودخوله (أو إدخاله) إلى لبنان عام 1976، وتجريده هناك القوى القومية واليسارية، بقيادة المرحوم كمال جنبلاط، من أسلحتها، ومن ثم محاصرته للمخيمات الفلسطينية في لبنان ثلاث سنوات، وبين الصمت المطبق (ليس عن الطحن فقط وإنما عن الجعجعة أيضًا) على الاحتلال الإسرائيلي المتواصل لهضبة الجولان، وعن ضمها رسميًا إلى الكيان الصهيوني عام 1981، وأيضا بين كل هذا وبين عملية التوريث المسخرة والمهزلة التي أسس لها الأب قبل وفاته، وكانت تهدف أساسًا إلى إبقاء ستار السرية مسدلًا، على كافة الأبعاد والأسرار والفضائح المتعلقة بحرب 1967، ولا سيما منها -بل على رأسها- فضيحة البلاغ 66.

 أكثر من هذا وذاك، فإن بين مقولة نتنياهو، حين عقد اجتماعًا لمجلس وزرائه في الجولان المحتل، يوم 17 نيسان/ أبريل 2016، “إن الجولان قد أصبح من أملاك دويلته إلى الأبد”، ومقولة بشار الأسد “الأسد إلى الأبد” بينهما صلة قربى، ليس من الناحية اللغوية وحسب، وإنما أيضًا من الناحية السياسية أيضًا، حيث إن أبدَ بشار الأسد وأبدَ نتنياهو يكمل بعضهما بعضًا، وإن كلًّا منهما يحتاج في “أبديته” إلى الآخر.

إن مسرحية نتنياهو التي عرضها على مسرح الجولان المحتل، في نيسان/ أبريل الماضي، وكتب كلماتها وزير خارجية بريطانيا (بلفور) قبل مائة عام، وأخرجها حافظ الأسد قبل خمسين عامًا، ومثلها نتنياهو في نيسان/ أبريل 2016، إنما تُشير -وفق رؤيتنا- إلى أن لعبة حافظ الأسد الطائفية قد وصلت إلى خواتمها، وأن أيام الوريث بشار باتت معدودة، ولعل هذا هو السبب الحقيقي -أيضًا وفق رؤيتنا- وراء خروج نتنياهو عن طوره، وعقده جلسة مجلس وزرائه فوق ثرى الجولان العربي السوري، وعلى بعد أمتار من قصر توءمه في “الأبدية” بشار الأسد، ذلك أن الاثنين (بشار ونتنياهو) يرتعدان خوفًا من “البديل” القادم، وهو الشعب العربي السوري الحر، المصمم على تحرير الجولان من قبضة الصهاينة، إنْ لم يكن اليوم فغدًا، وإن غدًا لناظره قريب.

مقالات ذات صلة

إغلاق