أدب وفنون

الذكرى الخمسون لحرب حزيران

بعد فترة من متابعة الأحداث على الساحة الدولية، ومراقبتها وتحليلها اقتصاديًا وقانونيًا واجتماعيًا وسياسيًا وعسكريًا، نستنتج أن توقعات الأسرة الدولية منا تقتضي بأن علينا الاكتفاء بـ “اعتناق” لغة الإحصاء وطابعها الكمّي، وعلينا أن نختصر كلّ ما يمكن أن يُسرد ويُحكى في عددٍ عشري، من منزلتين: خمسين عامًا.

على الرغم من كون وسائل هذه اللغة الوصفية خالية من الفلسفة والأحاسيس والمشاعر، إلا أنها تلائم معايير الأمم المتحدة للاضطهاد “المسموح”، ولكن، إن خالفنا هذه المعايير والإحصاءات، وعدنا إلى قانون الطبيعة والمنطق السليم، فسنرى بالمقابل أنه ما زال بالإمكان أن نفكر ونتأمل ونحلم. لذا، ما سأسرده في الأسطر القادمة مبنيٌّ على اعتناقي لغة النص ولغة النضال، وسوف يُبنى على رؤيتي وتحليلي الشخصي لـلـ “خمسين عامًا”.

أراها خمسين قصيدةً ذات ملامح شرقية، تحمل في أكبادها المثقلة بالتاريخ مقدار قذيفة أو دبابة من الشوق للطفولة، للقرية، للزيتون، للتراب، للماء، للهواء. خمسين قصيدة كتبتها صرخات ودموع الأمهات خلف الشريط الزائف والشائك، أمام حقول الألغام البالية، ومن فوق كومة أحجار وقفت متناسقة يومًا ما. أراها خمسين قصيدة غزل ورثاء، تتأرجح بين مكبرات الصوت الإلكترونية والتلال العتيقة المقابلة.

أراها خمسين أمسيةً موسيقية، انتقدها مهندسو الصوت لكونها خالية من النغمات الثورية والتراثية، ولكن، على المقام نفسه، احتضنها المستمعون لكونها مليئة بعطر الأنامل التي تعزف ألحانها والحناجر التي تنشد أشعارها، إذ بدت لهم كأنها تذاع للمرة الأخيرة، للمرة الأطول، للمرة الأعذب. أراها خمسين وترًا مكهربًا شائكًا تصل بين جبل الشيخ وطبريّا، لم يستعملوهم، عنوة، في أي أمسية موسيقية، فوظيفتهم ليست مسامرة المشتاقين والتواقين، بل عزلهم، فصلهم، إبعادهم، حجزهم، وترحيلهم. لكن، مساجد القنيطرة وكنائسها تشهد أن اهتزاز هذه الأوتار يصدر أصواتًا مبحوحة هامسةً لا تكاد تسمع، كأنها تعزف منفردة، بمنأى عمّا يعزفه روّاد الموسيقى في الوطن العربي.

أراها خمسين لوحة ظلم لها عديد الألوان، ممزوجة بالصبر والقهر، رسمها أميرٌ غاضب، وكاتب مسجون، ووطن ثائر، ترى فيها الجبل يطأطئ قمته مذلولًا، والنهر يحضن ضفافه بائسًا، والتراب، من وفرة دموعه المالحة، غدا باهتًا. لكن، بعد خمسين عامًا، أمست تلك اللوحات على قدر عال من الشفافية، وتركت الفن يترنح مسمومًا ليعمل في الصحافة. وإذ بها، هذا الموسم، وكجزء من سياستها الحديثة، تصعّب على المبصرين تمييز المظلوم من الظالم، المقتول من القاتل، المهجّر من المستوطن، الوطن من المحتل.

أراها خمسين بيانًا وشعارًا وخطابًا، لم تتغير فحواها منذ أن ولدت، تناشد كما ناشدت التيارات الكهلة العتيقة البالية. فحواها دعوة الجماهير بأصوات جهورة غاضبة إلى الصمود والنخوة. الإصغاء لها قد يجعلك تتساءل: أأستطيع أن أملك أي عبارة من تلك العبارات القومية الجذابة؟ يبدو أنه من الممكن أن تحصل منها على ما تشاء، لكن رسوم الدفع تقتصر على “شيكات” من الدماء.

أراها خمسين رايةً محطمةً على صخور جبل الشيخ، تحمل في حطامها تاريخًا غامضًا ومخفيًا قد ينسى. رايات صمدت أمام برد كانون ورياح تشرين، ولم ترسل لبرهة أي إشارة تعب أو وهن، لكنها، على الرغم من ذلك، تحطمت في ستة أيام في حزيران. والآن؟ حلّ مكانها خمسون راية أخرى تداعب برد الجبل الشامخ ورياحه، تنتصب حيث لا يجب أن ترفرف.

أراها خمسين بيت شعر، نحتها ثلج الجولان بعنجهية ونفوذ وعنفوان على جدران بيوتنا المتصدّعة والهشّة، فضحكت البيوت بأصنافها ساخرةً: من سيقرأ خمسين بيت شعر؟ قاطنو البيوت قد رحلوا قبل كتابة البيت الأول، ولم يعودوا حتى بعد كتابة البيت الخمسين، والتفاح، قبل أن يتعلم فك الحروف، يقطعون سوقه، بحجة الأمن القومي.

لربما، بعد مرور خمسين ربيعًا، قد بدأنا نعتاد هذا البؤس المعطر بألحان الصبا، هذا اليأس المغلّف بأنغام عصافير الدجى. إننا السحاب الأسود المناقض للبديهيات: نحن لسنا كيانًا واحدًا بل عدة كيانات، لسنا ذكرى واحدة بل عدة ذكريات. قد لا يرانا المارون في الشوارع لكن الشوارع ترانا، قد لا تفتح لنا الأبواب الأوتوماتيكية لكننا نفتحها بأيدينا. وبالطبع لن يخاطبنا مذيع الراديو؛ إذ يعلم أننا سئمنا الخطابات، ولن يلاحظنا المصوّر؛ إذ يعلم أننا سئمنا الشعارات. ستحتار العدسات بأن تحفظ ملامح وجوهنا، لأن تجاعيد وجه جدّي تحمل من الملامح ما لا تقدر العدسات على الإحاطة به، ولن يجد المنديل آثار دموعٍ يمسحها في مقلتينا، لأنها جفّت، كما مطالبنا، منذ خمسين عامًا.

لو تتبعنا السياسات التي تتعلق بقضيتنا، لاحظنا وجه تشابه فيها: وجودنا يقتصر على كونه فيزيائيًا، كشاهدة قبر، أو كرقم على هوية، أو كإحصاء سكاني، ولو ضاقت بهم الأرقام لمنحوا أرقامنا للآخرين. تراهم ينظرون إلينا كأحجام تشغل فراغًا، قد يحتاجون إليها لبناء مستوطنة أو معسكر أو مزرعة. وترانا، وقد بدأنا ننظر إلى أحجامنا كما ينظرون لها، والبعض بدأ بالفعل بإزاحة أحجامهم، مقتنعين بأن هذه الأرض الخصبة، بتاريخها، ولغتها، وقصائدها، ولوحاتها، وأنغامها، وأناشيدها، وراياتها، وشعاراتها، وخطاباتها، وثلوجها، وتفاحها، وبناتها، وأبنائها أحق بكونها مستوطنة من وطن. يبدو أن الأفق يكتب فصلًا آخر على الوتر نفسه من الذكريات، ويبدو أيضًا، أن هذا الفصل يحمل بين سطوره ألمًا، لم يُدوّن في خمسين فصلًا سبقته.

والآن سأستعمل أسلوبًا يخاطبها، ولكني أجهل من هي، هل ندوّن “يوبيلك” الذهبي على شوارعنا المعبّدة بالصمت والاستسلام، ونردد الشعارات ذاتها؟ هل أحاطوك علمًا، بأن زهر الرمّان، بدل أن يثمر رمانًا، أصبح يبحث عن عمل ساردًا سيرته الذاتية باللغة العبرية؟ هل تعلمين أن ظلالنا لم تعد لنا، بعد أنفقناها مقابل مقدار زهيد من الطعام والكساء؟ هل تعلمين أن بعضنا أنفق كرامته مقابل رصيد ائتمان عند موظفة البنك؟ قولي لنا، هل نناشد الجهات المختصة بحاجاتنا إلى ردع موجات التطبيع والظلم في الساحات؟ أم نناشد الساحات بحاجتنا إلى التبليغ عن إهمال الجهات المختصة؟

عشية الذكرى الخمسين، يا أمي، خانتني أحلامي القديمة الصدئة، إذ كنت أرى المستقبل خاليًا من النائبات، خاليًا من كذب الراعي والرعاة، ولكن الحقيقة أن حلمي الوردي.. مات.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق