هموم ثقافية

الأمل أجمل ما اخترعه الإنسان

ثمة متاهة نقع فيها جميعنا، تودي بنا إلى جدار لا يمكن تجاوزه: أي، وبعد؟؟ ثم ماذا؟ إلى آخر التساؤلات العقيمة.

لا أحد يعرف ما يحدث بعد الموت، لم يخبرنا أيّ ممن غادروا الحياة، ماذا وجد. بقيت الأفكار حول الموت محض تكهنات، وتصورات وأساطير.

حتى من سلّموا بوجود آلهة، أو بحتمية ما، فإن هذا السؤال الصعب: “ماذا سأواجه بعد الموت”، قد طرق رؤوسهم أكثر من مرة، ولم يفلحوا في إيجاد إجابة مقنعة له.

إذًا! لماذا نسعى في حياتنا لتحقيق إنجازات عظيمة، وآثار تمجد أسماءنا، وأوطاننا؟

هل يعقل أن الإنسان منذ البدء، يعمل، يكدح، يناضل، يصرف الوقت والطاقة، لينجز ما يسعى إليه، ثم يذهب إلى الموت بكل بساطة، وينتهي الأمر بأفكاره وأحلامه أن تتحول إلى هباء؟

إن من تركوا آثارًا عظيمة، وحضارات وعجائب، لم يكن هدفهم في ذلك إلا الخلود. هذا الهاجس الذي شغل البشرية، منذ أول شهقة حياة في العالم، لذلك جنح العقل البشري للتحليق خارج حدود الكوكب، مفترضًا أنه قد يجد ضالته، والمفاتيح التي تفك شيفرة الوجود، خارج أسواره.

وقد وضعت فلسفات، ونظريات وافتراضات، حددت البداية والنهاية للوجود، (الوجودية، العبثية، العدمية، الأديان الوضعية منها، وما أفترض أنها سماوية)، لتحقيق هامش من الانسجام وتقبل الحياة وتفاصيلها.

وكان كل ما قيل -وما يقال الآن- موضع شك، وقابلًا للنسف.

إذًا، ماذا نفعل؟ وكيف نهتدي إلى الخلاص؟ كيف نعرف لماذا جاء الموت ليكون حدًا، لكل ما هو موجود؟

الوكالات العلمية، كل فترة تتحفنا بفكرة تدحض ما قبلها، فيزداد شعور الإنسان بالاغتراب في عالمه.

تلك البقعة الباردة (cold spot) مثلًا، الموجودة في أحد أطراف الكون، كان يطلق عليها اسم الفراغ الكبير، والاعتقاد الشائع بين العلماء، أن هذه البقعة باردة، لأنها تحتوي على مادة أقل، مقارنة بمعظم أجزاء الكون.

اليوم، يقدمون لنا تفسيرًا أشد غرابة مما سبق، إذ قد تكون هذه البقعة الباردة، حصلت نتيجة تصادم بين كوننا وأكوان أخرى!! وعلى حد اكتشافهم، فإن هذا دليل على وجود أكوان متعددة، لكن ماذا أضافوا باكتشافهم هذا؟! من وجهة نظري، لقد عمّقوا مشكلتنا أكثر. ما أريد قوله، أن العلم -كل يوم- يسعى على قدم وساق لاكتشاف المجهول، وتبسيط فكرة الوجود، لنتمكن من تقبل ما نحن فيه، لكن الوكالات تصدّر لنا، ما يتناسب مع سياستها، أي: على الإنسان أن يبقى محكومًا بمحدداتهم، ليبقى الكوكب مضبوطًا على مقاييسهم.

استيقظت اليوم وأنا أشعر بأصابع “ألبير كامو” تمسك بيدي، كنا نسير معًا في أزقة غريبة، أعرفها ولا أعرفها، كان يتحدث بلغتي، ويشرح لي كل ما كان يقض مضجعه، فلسفة الموت، والحياة التي لطالما كانت بنظره بلا معنى، وبأنه حاول تجاوز الفكرة بالتمرد على المعقول، والتنظير لفكرة الموت الإرادي.

قلت له: ويا للسخرية، كيف كانت نهاية حياتك، حادث سير غبي، أفقدك حواسك، ولم تعد قادرًا على الكتابة أو الكلام!

قال لي: لكني قادر على التجوال في العوالم بحرية الآن، إلا أن أكثر ما يزعجني هو أنني أشتاق لسجائري كثيرًا.

كان وجه ألبير واضحًا جدًا، كأننا التقينا سابقًا، مع أنه غادر العالم قبل أن أولد، فكيف لي أن أستحضره في الحلم؟

لقد شعرت بأصابعه، بملمس بشرته، كان حاضرًا، لكن لماذا هو من جاء في الحلم؟ لم أقرأ له في هذه الفترة من حياتي، أذكر أني قرأته في مرحلة القراءات العظيمة، بداية مرحلة التكوين والبناء، وهذه الفترة مرّ عليها سنون بعيدة. لكن المدهش -في ما حدث معي- أنه بين الصحو والنوم، كانت تظهر فكرة، لمعت كالبرق، هي أن الموت خدعة، ولم يكن ما شعرت به فرحًا وحسب، كان حبورًا استسغت طعمه.

أجل، الموت خدعة كبيرة، تمامًا كما الوقت خدعة، لذلك كان أجمل ما اخترعه الإنسان، هو الأمل.

قد يتحول الجسد البشري، حين يسافر إلى العالم السفلي، إلى أشياء مختلفة، منها وأهمها النبات، لكن الطاقة العقلية أين تذهب؟ الأفكار والأحلام، الهواجس، القلق، الطموحات، الطاقة الهائلة المبذولة في الحب، الولع بالمعرفة، المخزون العظيم من المعلومات؟؟

إن زيارة ألبير كامو لي اليوم، تؤكد أن كل العقول التي ذهبت أجسادها إلى الموت، باقية في عالمنا، لا تموت.

حين يكتب الشاعر قصيدة، وسأتكلم عن الشاعر السوري الذي يكتب بحبر المعاناة، ويخط بدمع القهر ما يعصف بنا من أزمات، ويؤرخ الألم، أشعر بطعم مفرداته، وألمسها، وأشمها، وتعطي من تصله، طاقة متوهجة، تضيء زاوية معتمة في هذا العالم، هذه الطاقة البالغة الفرادة هل ستذهب للعدم؟؟

أعتقد أن المُنتج المعرفي، هو البصمة الوراثية، أو ما يطلق عليه الجينيوم البشري الذي لا يخضع لفرضية العمر الكربوني للمادة.

صنع المصريون القدماء، مراكب الشمس لاستعادة الحياة، وما زالت مراكبهم إلى الآن تستحضر حيوات بأشكال كثيرة، ولوح أوغاريت الفينيقي، قدّم للوجود حبرًا لا نهائيًا للمعرفة.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق