مقالات الرأي

ماذا بقي من السلف ينفع الخلف؟

بدأ هذا السؤال “يطنّ” في رأسي في ذلك الصباح، بعدما قرأت تعليقات متكررة، تتحدث عن اتخاذ السلف الصالح نبراسًا لتنظيم حياتنا اليوم في جوانب شتى منها، وأن فَلاحَنَا لن يكون بغير ذلك. ولكني انشغلت بترتيبات سفري عن التفكير في هذا السؤال، ثم عاد إلى ذهني بعد أن وصلت إلى وجهتي مساءً، ووجدتني أعود للتفكير فيه من جديد، ومر في تلك اللحظة شريطي اليومي، فتساءلت من جديد: ماذا بقي من السلف الصالح ينفعنا في حياتنا اليوم؟

قبل أن أخرج من بيتي في برلين متجهًا إلى المطار، حددت بوساطة برنامج وسائط النقل العام في برلين المحمّل على هاتفي الجوال، وسائط النقل التي سأستخدمها، وأوقاتها، ومناطق ركوبها كي أصل إلى مطار (تيغل) في برلين. فاستخدمت الحافلة ثلاث محطات، ونزلت في الساحة التي سأركب فيها قطار الأنفاق.

قبل أن أنزل إلى محطة قطارات الأنفاق التي أقف فوقها، وتتكون من ثلاث طبقات تحت الأرض، إذ يخترقها عدد من خطوط قطارات الأنفاق في اتجاهات شتى، إضافة إلى القطارات السريعة (إس بان) التي تربط برلين بالضواحي، نظرت حولي في تلك الساحة متأملًا شبكة حافلات النقل الداخلي التي تربط شوارع برلين، وتتألف من كثير من الخطوط المتشابكات في اتجاهات مختلفات، وتتغذى من شبكة كهربائية ممدودة فوق مساراتها، وتختلط خطوط تلك الحافلات بقطارات الشوارع (شتراسنبان) التي تسير على سكك حديد مخترقة شوارع برلين، وتتغذى أيضًا من شبكة كهربائية تعلو مساراتها، وتسير كلها بانضباط زمني عجيب. وبالطبع تتوافر (التاكسي) حين الحاجة إليها، وما أحتاجه كله هو أن أضغط على أيقونة (طلب تاكسي) في برنامج (ماي تاكسي) المحمل على هاتفي، ليعطيني فورًا معلومات عن التاكسي التي ستأتي إلي، ورقمها، وصورة السائق، واسمه والزمن الذي ستستغرقه السيارة للوصول إلى حيث أقف أو أقيم، ويظهر لي البرنامج خريطة الشوارع، ويريني (التاكسي) وهي تتحرك باتجاهي.

في المطار لم تستغرق إجراءات دخولي بوابة صعود الطائرة سوى وقت قصير، فقد كنت حجزت بطاقة الطائرة، وأنا في بيتي وسددت ثمنها بوساطة بطاقتي المصرفية، وحصلت على بطاقة صعود الطائرة في رسالة، وصلت إلى هاتفي.

عندما دخلت ذلك العملاق العجيب (الطائرة) الذي سيطير بحمولة تقارب 450 راكبًا مع حقائبهم، وطاقم كبير لخدمتهم، دهشت للمرة الألف من هذه القدرة العلمية والتكنولوجية الهائلة التي تجعله يطير في عماء طبقات الجو العليا مهتديًا إلى طريقه بأنظمة الملاحة الجوية، مع قدرته على الاتصال بالأرض، والتواصل مع أبراج المراقبة في رحلته، ومع طائرات أخريات تملأ الأجواء في الوقت نفسه، وتسير على خطوط (طرقات) محددة كي لا يصطدم بعضها ببعض، وينظم هذه الطرقات نظام عالمي، واتفاقات دولية، ثم إن تواصل بعضها مع بعض يجري عبر موجات لها أطوال ومسارات محددات، تُنَظّم ويُرخّص استخدامها بموجب اتفاقات دولية أيضًا، وهذه كلها أعاجيب أخريات.

حتى ما يبدو أكثر بساطةً، مثل أنظمة عمل وإدارة الشركات التي تملك هذه الوسائط من طائرات وحافلات وسيارات وقطارات، وأنظمة إدارة تزويدها بما تحتاج، وبرامج عملها، وصيانتها، وتنظيم طواقمها، وكوادر شركاتها، والشركات التي تخدمها، وأنظمتها المالية والإدارية والمحاسبية، وأنظمة ملكيتها، وأسهمها في أسواق المال، فهذه أنظمة أخر مركبة ومعقدة إلى حد بعيد.

في المساء عدت للتساؤل: هل كان لدى السلف الصالح أي شيء يشبه ما ذكرته كلّه من قريب أو بعيد، أو أي شيء يساعد في صنع أو عمل ما استخدمته اليوم من وسائط عجيبات؟

هذا محض مثال على جوانب الحياة الأخر في عالمنا المركب، اليوم في مقابل العالم البدائي جدًا، والبسيط جدًا الذي ساد زمن (السلف الصالح) بمعارفهم المحدودات جدًا، وأدواتهم المحدودات جدًا، وطرائق عيشهم التي لم تعد تشبه طرائق عيشنا لا من قريب ولا من بعيد. فأنماط مساكنهم لا تناسبنا، وتنظيم زراعتهم لا ينفعنا، ولا تنفعنا طرائق تنظيم مدارسهم، ولا مصحاتهم، ولا ثيابهم، ولا تجهيزات بيوتهم وأدواتها، ولا علومهم، ولا خرافاتهم، ولا أوهامهم. ومن يحمل ثانوية عامة اليوم لديه من المعارف والإدراك وسعة الأفق والقدرة على المحاكمة، أكثر مما كان لدى علماء العصور السابقة مجتمعين. ولن أدخل في جدل حول مزاعم أن المجتمعات القديمة كان يسودها العدل، ويغيب عنها الظلم والفقر. ولا أريد أن أحاجج بأن المقصود بميراث السلف الصالح هو حشمة النساء وحجابهن، وتعدد الزوجات، وغياب اختلاط النساء بالرجال، والامتناع عن شرب الخمر، وغيرها، فهذه على الرغم من اختلاف وجهات النظر فيها، ورأي بعضهم أن الزمن قد تجاوزها، فهي لا تمثل إلّا جزءًا يسيرًا جدًا من نسيج الحياة الخاصة والعامة، والحياة أوسع من هذه القضايا بآلاف المرات.

في الواقع كان السلف الصالح سلفًا صالحًا لزمانه، وبالمقابل، فنحن حاضر صالح لزماننا، ولن يكون حاضرنا، ولا يجوز له أن يحدد مستقبل أجيالنا القادمات، ويحبسها في أطر متقادمات، فلكل عصر أفكاره ونظمه وقيمه التي تولد وتنمو وتتقادم بل تموت مع مرور الأيام. ولا يجوز أن يحكم الأموات الأحياء.

مقالات ذات صلة

إغلاق