أدب وفنون

القلعة البيضاء امتزاج الفلسفة بالخيال، والحداثة بما بعد الحداثة

تضع الدهشةُ يدها على قلبك، وأنت تتابع شخصيات هذه الرواية المترجمة قبل سنوات عن التركية، الرواية التي تحمل عنوان (القلعة البيضاء): لماذا يريد شخصٌ ما أنْ يخلع وجهَهُ وملامحَهُ وشخصيتَهُ كلَّها، كما نخلع ملابسنا، ويدخل في إهاب شخص آخر؟!

لا بد أن تقفز إلى الذهن وعلى الفور مجموعة افتراضات تتطاير كعصافير ملونة، وكلها ممكن وغير ممكن، في الوقت نفسه.. مثلًا، قد يكون الشخص الراغب في تبديل ذاته على علاقة سيئة بها إلى درجة الرفض، وقد يكون مسحورًا بشخصية أخرى ذات بريق أخاذ، وربما هو تائق للقيام بمغامرة وجودية من نوع فريد، وربما كان وراء هذه المسألة الشوق المتبادل بين أهل الشرق وأهل الغرب، ليعرف كلٌّ منهما الآخر، ويعيشه أيضًا.

تأخذنا رواية (القلعة البيضاء) إلى عالمها الشاسع، وتنقلنا في اتجاهات مفتوحة، من دون أن تقدم برهانًا قاطعًا على أي من الافتراضات السابقة، ولكنها تمنحنا متعةً غير مسبوقة وزخاتٍ من الحيرة الحلوة، ونحن نتابع هذه المغامرة الإنسانية.

الأستاذ التركي والأسير الإيطالي:

بحيلة ذكية جمع مؤلف الرواية (أورهان باموق) بين هاتين الشخصيتين الرامزتين -كما هو واضح- إلى الشرق والغرب، فقد ادعى أنه عثر على كتاب قديم أثار اهتمامه، سنوات وسنوات، حتى نشره أخيرًا، وفي الكتاب قصة شاب إيطالي كان مبحرًا مع إيطاليين آخرين من البندقية إلى نابولي، عندما اعترضتهم السفن التركية؛ فوقع أسيرًا.

زعمَ الشاب أنه طبيب؛ فأبقوا على حياته للإفادة من خبرته، وفي إسطنبول عاصمة الأتراك، عالجَ كثيرًا من المرضى ومنهم الباشا، لكنَّ الباشا يعجب به، ويجمعه بالأستاذ التركي، طالبًا منهما أن يتعاونا في صناعة مفرقعات ممتازة، يريدها أن تلعلع في عرسٍ يخصُّه.

من هنا كانت بذرة العلاقة بين الأسير الإيطالي والأستاذ التركي، وقد أخذتْ أشكالًا متعددة وخطوطًا صاعدة وهابطة إلى أن وصلتْ إلى حد تبادل الشخصيات والأدوار.

عقدة الخواجا:

يعاني المجتمع التركي -كما تومئ الرواية- من الانقسام والازدواجية، ولهذا رواسب يتصل بعضهما بـ (عقدة الخواجا)، ومعناها شعور ابن الشرق بالقصور نحو ابن الغرب المتفوق عليه، علمًا وحضارة. هذه العقدة ترسختْ في نفوس المشرقيين منذ القرن السابع عشر، حيث استطاع الأوروبيون أن يؤكدوا نهوضَهم وتفوقَهم! وليس مصادفة أن يجعل الكاتب ذلك القرن نفسه زمنًا لأحداث روايته.

يسلط (باموق) الضوء على العقدة المذكورة، فنراها متفشية حتى عند الباشا والسلطان نفسيهما، فهما غيرُ مقتنعين بمواهب الأستاذ -مع أنه مبدع حقًا- ويردَّان معظمَ مخترعاته إلى استفادته من الأسير الإيطالي الذي يعيش معه في مسكن واحد، على الرغم من أن الأسير ليس لديه إلا القليل من العلم، إلا أنهما يجعلانه من الأفذاذ!

الفلسفة والخيال:

لا شك أن هذين الأمرين بينهما اختلاف كبير قد يصل إلى حد التناقض، لكن الرواية تجمع بينهما بعصا ساحر، وما تلك العصا إلا المهارة الروائية المتفردة لأورهان باموق الذي يُعدُّ واحدًا من أهم الكتَّاب العالميين حاليًا، وقد حصل قبل بضعة أعوام على جائزة نوبل.

“كان الداخل إلى الغرفة يشبهني إلى حد لا يصدق. كأنني هناك. هذا ما فكرتُ فيه لأول وهلة. كأن أحدهم يريد أن يلعب معي لعبة، فأدخلني مرة أخرى من الباب المقابل للباب الذي دخلتُ منه.. عندما تقابلنا، تبادلنا التحية. لم تبدُ عليه الدهشة كثيرًا؛ عندئذ قررتُ أنه لا يشبهني كثيرًا، وهو ملتحٍ. كأنني نسيتُ ما يشبهني ويشبه وجهي فيه. عندما جلس مقابلي خطر ببالي أنني لم أنظر في المرآة منذ سنة”.

من خلال هذا المقطع الذي يصف مشاعرَ الأسير الإيطالي في لحظة لقائه الأول بالأستاذ التركي، نلاحظ ما يلي:

* إثبات الفكرة، ثم نفيها، فالتشابه بين الاثنين حاصل وغير حاصل.

* نشعر أننا أمام مدخل غير تقليدي للفلسفة يمر عبر دهاليز الخيال.

* نتساءل فيما بعد، ونحن نوغل في صفحات هذه الرواية، عن مغزى التشابه بين الشخصيتين؛ هل هو لازم لمسألة تبادل الأدوار، أم أنه ضروري لنفي إحداهما عند الحاجة، وممارسة لعبة الإيهام بوجودها وعدم وجودها؟

* تُوصلنا سلسلةُ الأسئلة إلى السؤال الأكبر: ماذا بعد تبادل الأدوار؟ هل تحققت السعادة عند المتبادلين؟

إن أورهان باموق إذ يتفلسف -في هذه الرواية- عن العلاقة بين الشرق والغرب، والعُقَد الناشئة من خلالها، لا يعمد إلى تنظيرات جاهزة، لكنه يستعين بأسلوب الفنتازيا التاريخية ليقول أفكارًا يمكن نفيها أو إثباتها، كما يمكن التعاطف معها أو رفضها، وإذا كان ذلك أمرًا غير نافع في نظر البعض، فإنه -كما أظن- أفضل الطرق لمقاربة الحقيقة الإنسانية التي أصبحتْ نسبية جدًا، هي موجودة في النفي، كما هي موجودة في الإثبات.

تجليات ما بعد الحداثة:

إذا كانت الحداثة الروائية تعني -في ما تعنيه- الخروجَ على نظام السرد في الرواية التقليدية، وكسرَ رتابة الزمن المتقدم دومًا إلى الأمام، بزمن خاص يسير أمامًا وخلفًا وعرضًا، وتقطعه أحلامُ الأبطال وتداعياتهم الخاصة، مع فتح المجال أمام الرواية كي تستفيد من تقنيات الأجناس الأدبية المختلفة، إذا كانت تلك بعض ملامح الحداثة، فإننا نعثر في (القلعة البيضاء) على حضور واضح لجوانب منها لا يخطئها القارئ.

ولكنَّ ما تجدر الإشارة إليه هو ظهور عناصر أخرى، لعلها تنتمي إلى مرحلة ما بعد الحداثة التي يشهدها الأدب حاليًا، من ذلك:

* تطويع الرواية لرغبة القارئ ليفكِّكَها، ويُركِّبَها كما يشاء، وكأنها فعل المطاوعة في النحو العربي، أو كأنها مجموعة من المكعبات التي يلعب بها الأطفال، يمكن بناء تكوينات مختلفة منها، ولكنها دائمًا ذات دلالة بعيدة وذات إيحاء عميق.

* يبدو الخيال وألاعيبه حاملًا أساسيًا للرواية، ولعل الهالات المرتسمة حول الأفكار، أهم من الأفكار نفسها، حتى الرواية ذاتها تبدو وكأنها فرضية جميلة مرت ببال القارئ، وليست أحداثًا ذاتَ كثافة موضوعية.

ترجمة واعية:

لعل في دخول هذه الرواية ذات المذاق الخاص، إلى المكتبة العربية، تنويعًا في الطعوم الأدبية السائدة. ولا شك أنَّ وراء اختيارها للترجمة بصيرة نافذة، هي بصيرة المترجِم (عبد القادر عبداللي) الذي كان مُتابعًا دؤوبًا للإبداع الأدبي التركي، شغوفًا بالجديد، الجميل، المدهش منه، يقرؤه بعناية، ثم ينتقي منه للترجمة الأفضل، والأغنى، وهدفه من ذلك إثراءُ ثقافتنا، بما يحمل إليها إضافةً نوعية لا مجردَ تراكمٍ فارغ، مع تحريك المياه الراكدة في عالم هذه الثقافة.

أما الترجمة ذاتها، فقد تصدَّتْ لمهمة صعبة، وهي نقل أسلوب جديد في الكتابة يتميز به (باموق) الذي يأخذ عملَهُ -كما سبقتْ الإشارة- بين منعرجات الواقع والخيال والحداثة وما بعد الحداثة. إن ترجمة الفنتازيا هاهنا لا تقل مشقةً عن ترجمة الشعر.

رحم الله صديقنا عبد القادر عبد اللي الذي أعطى الكثير، وهذه الرواية هي الكتاب الرابع عشر، بين أكثرَ من سبعين كتابًا قام بنقلها عن التركية.

وربما كان من المفيد أخيرًا أن أشير إلى أن (القلعة البيضاء) تقع في /150/ صفحة، وهي صادرة عن (دار ورد) في عام 2000.

مقالات ذات صلة

إغلاق