قضايا المجتمع

الطفل عمران حين يختصر سورية

استقبل إعلامُ الأسد الطفلَ الحلبي عمران دقنيش ذا الأعوام الخمسة، عمران الذي انتشرت صورته انتشارًا واسعًا، بعد أن أنقذه عناصر الدفاع المدني بحلب، من خلال الفيديو الذي وثق الحادثة، بعد غارات طيران النظام على أحياء في حلب، وحصد -حينئذٍ- تعاطفًا كبيرًا حول العالم.

ظهور الطفل عمران ووالده على إعلام النظام، أول أمس الإثنين، لينفي كلّ ما حصل، وليقول إن المعارضة وإعلامها هدفا إلى المتاجرة به، جاء بالتوازي مع الإعلان التجاري الذي قدمته شركة (زين) للاتصالات في الكويت، واستثمرت صورةَ عمران بطريقة دِعائية سيئة؛ فتصدى لها الناشطون السوريون، ليستغل النظام ذلك فيُخرج هذه المسرحية الجديدة.

أصيب عمران مع أطفال آخرين، في حي القاطرجي بحلب عام 2016، وتوفي على إثر ذلك أخوه الصغير علي، واستطاع “مركز حلب الإعلامي” توثيق الحادثة، بينما رفض والدا عمران -حينئذ- الظهورَ على أي محطة إعلامية للمعارضة، خوفًا من انتقام النظام.

نفى بشار الأسد، في مقابلاته التلفزيونية، وجودَ الطفل عمران أو إصابته، وعدّ أن كل ذلك كان “فوتوشوب” وفبركة، لكن الإعلام العالمي فضح أكاذيبه.

وذكرت حينئذ صحيفة (دي فليت) الألمانية: “بات عمران وجهًا لهذه الوحشية الخفية، وجهًا تتجسد فيه كل أنواع البؤس واليأس الذي تسلل إلى نفوس من تبقى من سكان المدينة”.

وكتبت صحيفة (واشنطن بوست): “وجه الطفل المذهول والملطخ بالدماء، يُلخص رعب حلب”، ونشرت صحيفة (التيليغراف) البريطانية مادة تحت عنوان: “هذه الصورة لطفل سوري جريح، تجسد جزءًا من أهوال حلب”.

عدة صحف عالمية مهمة جعلت الصورة على صدر صفحاتها، لتبرز معاناة السوريين وتجاهل العالم الحر لمأساتهم، كذلك فعلت محطات التلفزيون، لكن وحده إعلام النظام بقي يبحث عن كل ما يسيء لشعبه، بل وحده بدا غريبًا عن هذا الشعب، وكأنه إعلام احتلال يُعَدّ في غرف العمليات العسكرية.

في سبيل ألا يخرج القالب الإعلامي عن هدفه وأدواته، كان من الطبيعي أن تحمل الطفلَ عمران، أمام الكاميرات، المذيعةُ كنانة علوش. كنانة التي وثقت بصور السيلفي الملتقطة بين الجثث، تلك الحالة البائسة لمستوى الوعي والإدراك عند ماكينة النظام الإعلامية.

عندما تداعى عناصر الدفاع المدني في حلب لإنقاذ عمران وغيره من تحت الركام، لم يخطر ببال أحدهم هوية الضحية ولا انتمائها، فزملاء هؤلاء الرجال هم من سارع لإسعاف موالي النظام، القادمين من الفوعة وكفريا في سلسلة عمليات التهجير التي نفذها النظام، عندما تعرضت القافلة لهجوم إرهابي، كان الهدف منه قتل أكبر عدد ممكن من الأطفال للتأثير على صورة عمران التي تعاطف معها العالم، حيث كانت كل الدلائل تشير إلى أصابع النظام في ذلك التفجير، لكن الدفاع المدني لم يكترث، بل إن إعلاميي الثورة تركوا كاميراتهم واندفعوا لإسعاف المصابين.

يدرك السوريون جيدًا أن والد الطفل عمران لا يستطيع أن يرفض الظهورَ على التلفزيون، فمجرد الرفض يعني الانتحار بين أيادي الأمن؛ وقد أجبر هذا النظام -من قبلُ- العديدَ من السوريين على الاعتراف بأمور لم تحدث أو لم يفعلوها، وعلى الإدلاء بأقوال لتكذيب الوقائع، كما حصل مع الشيخ أحمد الصياصنة الذي لم يُحترم عمره، والعديد العديد من الأمثلة المشابهة، ومن أبرزها ما قدمته إحدى مذيعاته من مجزرة داريا، عندما تنقلت بين الجثث، لتجري مقابلة مع سيدة مصابة تنازع الموت.

كل ذلك وأكثر يدركه السوريون والعالم الحر، حيث عمران يختصر سورية، لكن اعتقاد النظام أن هذه الوسائل ستغير الحقائق على الأرض، أو في سجلات التوثيق أو ملفات الأمم المتحدة، ينم أيضًا عن غباء؛ لأن ما فعله يعد بحد ذاته جريمة جديدة في سجل جرائمه، لا تقل بشاعة عن الحدث الأساس نفسه.

فإن كانت تلك هي رسالة النظام فإن السوريين النازفين ألمًا، يقولون للطفل عمران وبقية أطفال سورية: كونوا بخير، وهذا هو الهدف، والنظام الذي أحرق البلد بما فيه سيرحل بكل الفساد الذي أنتجه، وستعودون إلى مدارسكم وحدائقكم ومنازلكم، لترسموا فيها الفرح، بأنفس عزيزة

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق