اقتصاد

عن الحاجة والاحتياجات… السوريون خارج “نطاق التغطية”

قبل حلول عيد الفطر، جرت العادة أن يصرف نظام البعث منحةً ماليةً، للعاملين في الدولة، تؤمن نوعًا من التوازن الهش مع متطلبات الأيام الأخيرة، من شهر رمضان وعيد الفطر، إذ ترهق فاتورتها ميزانية الأسر، في ظل رواتب ودخول خجولة، لا تسدّ قيمتها نفقات أسبوع على الأكثر.

في زمن الحرب، وبعد أن انكمش الاقتصاد، وضَعُفت مفاعيله، وازدادت نسب التضخم، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الرئيسة بنسب قياسية، تجاوز بعضها خلال السنوات الست الماضية الـ 1000 بالمئة. لم تعد قيم المنح المعتادة، مجتمعة، تكفي ثمنًا لأبسط أنواع الطعام الذي يحتاجه الأطفال.

يمكن القول إن الحرب التي يشنها الأسد قد خلقت ظروفًا نموذجية لانهيار أحلام السوريين، في الأمن والاستقرار والتماسك الاجتماعي، وكشفت بؤس السوريين للعالم، على نحو غير مسبوق. وكما أن مؤشر الفقر يرتبط عادة بحالات الحرمان المتعددة على المستوى الأسري، بما في ذلك الظروف المعيشية والصحة والتعليم، فإن الافتقار إلى الحد الأدنى من الأمان يؤدي أيضًا إلى الفقر، لأن انعدامه يؤثر -كما هو معروف- في جوانب عديدة من الحياة.

 القوائم التي كانت تعد لاستقبال المناسبتين في مرحلة سابقة، تغيرت أولوياتها هي الأخرى، تحت ضغط المتغيرات التي لحقت بأوضاعها، منذ آذار/ مارس 2011، إذ استغنت معظم الأسر عن كثير مما هو أساسي في حياتها، واكتفت بالقليل من طموحاتها، وبعضها لم يعد يفكر بأكثر من تأمين الطعام الكافي لاستمرار بقاء أفرادها على قيد الحياة.

يشار إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي انخفض بنسبة 45,5 بالمئة، وفق مركز (فرونتيير إيكونوميكس) الأسترالي. وأصبح أكثر من 18 مليون سوري تحت خط الفقر الأعلى؛ ما يدفع باحتمالات انتشار المجاعة -كما تقول الأسكوا- بين السوريين إلى الواجهة، لأول مرة في التاريخ الحديث.

في رمضان الحالي، حاولت منظمة (كير) العالمية، تأصيل احتياجات الأسر العفيفة. فنشر مركزها الإقليمي في الأردن الذي تحتضن أراضيه نحو 650 ألف لاجئ سوري -بحسب سجلات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، و1.3 مليون سوري بحسب مسوحات حكومية- استطلاعًا في 28 أيار/ مايو الماضي، حول أبرز حاجات هذه العائلات، في شهر رمضان المبارك، سلطت تفاعلاته الضوء على كثير منها.

مشاركة أردنيين تفاوتت إجاباتهم بحسب توزع جيوب الفقر المنتشرة، وجغرافيتها، وعوامل الضغط الاقتصادية. لم تحُل دون تركيز الأسر السورية، على احتياجاتها الأساسية. ومع أن أحد المشاركين فضّل أن يكون سؤال الاستطلاع على النحو الآتي: ما الذي لا تحتاجه الأسر العفيفة؟ ملمحًا إلى أنها بحاجة إلى كل شيء، إلا أن المساعدات المالية حلت في المرتبة الأولى، تلتها المساعدات الغذائية.

كان من الواضح أن الحاجة إلى المال تعكس -كما تقول إحدى الإجابات- حاجةَ الأسر لإدارة أوضاعها بشكل مستقل، بعيدًا عن الطرائق التي تتبعها المنظمات. إذ أوضحت سيدة مشاركة أن هناك من يستلم الطرود الغذائية، ثم يبيعها، كي يستفيد من ثمنها في تسديد آجار منزله، أو تسديد دين ترتب عليه. وقالت: “احتياجات الأسرة كثيرة، وثمة ما هو أهمّ من الأكل والشرب. آجار البيوت، فواتير الماء والكهرباء، الغاز، المواصلات، العلاج والدواء.

لقد ألقت إجابة هذه السيدة بظلالها على نطاق واسع، وقدمت بسرديتها نموذجًا عن واقع تؤكد الأرقام التي توصلت إليها منظمات بحثية استقصائية عالمية أن هناك من يعيشه، مع وجود 4 ملايين سوري تحت خط الفقر الغذائي، و8 ملايين تحت خط الفقر الأدنى، و18 مليونًا تحت خط الفقر الأعلى. بمعنى أننا إذا استثنيا الطبقة “العليا” من الشعب السوري -وهي لا تشكل أكثر من 8 بالمئة- فإن الشعب السوري بمجموع مستوياته أصبح فقيرًا. ولم يعد بمقدوره أن يجاري الحد الأدنى لمستوى المعيشة.

في أوائل عام 2016 عدّلت حكومة الأسد أسعارَ الطاقة الكهربائية المستخدمة منزليًا وتجاريًا وصناعيًا وزراعيًا. لكنها تجاهلت تعديل الرواتب والأجور على نحو مماثل. ورفعت شركتا الهاتف المحمول سعرَ دقيقة الاتصال. كما رفعت وزارة التجارة الداخلية أسعار المحروقات. وعلى غرارها رفعت وزارة الصحة أسعار الأدوية بنسبة 100 بالمئة. وبحسب معلومات المكتب المركزي للإحصاء -وهو دائرة تتبع لرئاسة الحكومة- فإن متوسط دخل الفرد اليومي في سورية بلغ دولارًا وربع الدولار. فيما يبلغ خط الفقر العالمي للفرد، كما حددته الأمم المتحدة، 1.9 دولار.

من الملاحظ -يقول الخبير الاقتصادي فراس السيد- أنّ ضعف قوة الدخل بعموم تصنيفاته؛ قد أدى إلى بروز ظاهرتين خطيرتين: أولاهما الفقر النقدي، وهو الافتقار إلى أضعف دخل كافٍ، أو إلى القدرة على تحمل نفقات مقابلة. وثانيهما سوء التغذية، وهي الحاجة إلى طعام جيد وسعرات حرارية كافية، متنوعة، تؤمن الحد الأدنى من الغذاء الصحي. وأضاف الخبير السيد، لـ (جيرون): “السوريون اليوم، سواء من كان منهم داخل البلاد أو خارجها، يعانون من نقص شديد في الدخل، ونقص مماثل في الخدمات الأساسية. وإذا كان هناك من يحتاج إلى الحماية، بعد أن فقد كل شيء قبل أن يجتاز الحدود، وهو يعيش الآن حالة بؤس حقيقي، فإن الحرب المتواصلة جعلت من الصعب على من يعيشون في الداخل أيضًا التمتعَ بالأمان، وتأمين مستوى معيشي كافٍ، يوفر ما يفي حاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، لأن تداعيات الوضع الذي أفرزته الحرب لم تترك لأحد منهم فرصة، كي تعيش آماله لأكثر من يوم واحد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق