ترجمات

واشنطن بوست: أزمة الخليج “الفارسي” حول قطر

تعيش الدول العربية في “الخليج الفارسي” في أزمةٍ إقليمية غير مسبوقة.

أزمة الخليج1

في وقتٍ مبكر، من صباح يوم الإثنين 5 حزيران/ يونيو، أصدرت كلّ من السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر بياناتٍ منسقة، تُعلن فيها قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة الصغيرة والثرية في شبه الجزيرة العربية، حيث قطعوا العلاقات الجوية، والبحرية، والبرية، وأمروا المسؤولين والمواطنين القطريين المقيمين في بلدانهم بالعودة إلى ديارهم.

لقد لعبت قطر التي يبلغ عدد سكانها نحو 300 ألف مواطن، دورًا كبيرًا على الساحة العالمية، بسبب ثروتها الكبيرة من النفط، والغاز الطبيعي.

تراجعت أسعار النفط العالمية، يوم الإثنين، نتيجة لتشبث الجانبين بآرائهما. وذكر زملائي أنَّ حالةً من الذعر حلّت في قطر؛ بسبب الحصار السعودي على الحدود البرية الوحيدة معها، كما شهدت رفوف المخازن في الدوحة إقبالًا كبيرًا، لدرجة تفريغها من قبل سكان مرعوبين.

هذه الخطوة هي انعكاسٌ لإحباطاتٍ طويلة الأمد من القطريين، إذ يزعم السعوديون والإماراتيون أن القطريين يدعمون الجماعات الإرهابية، فضلًا عن كونهم وديين جدًا مع منافسهم الإقليمي: إيران.

 هناك حالةٌ معقدة، وغير مؤكدة من شأنها أن تستمر، مع مخاطر بعيدة المدى، إذ إنَّ قطر، بعد كلّ شيء، هي موطنٌ لقاعدة متقدمة أساسية للقيادة المركزية الأميركية. وهنا محاولة لتمهيد سريع للتعرف على ما تريده أو تحتاج أن تعرفه.

خريطة

ما الذي يكمن خلف النزاع؟

لسنواتٍ عديدة، كان المسؤولون في الرياض وأبو ظبي غاضبين بشأن ما يعدّونه سياسة قطر الخارجية المخادعة والناشطة. وخلافًا للبحرين المجاورة، على سبيل المثال، التي تتبع إلى حدّ كبير الخطَ السعودي، تباينت قطر عن الأعضاء الآخرين في مجلس التعاون الخليجي، وهو كتلةٌ من ستّ ملكيات عربية، استخدمت خزينتها الكبيرة لنشر نفوذها على نطاق واسع.

بعد الاضطرابات السياسية للربيع العربي، انحازت قطر إلى الأحزاب السياسية الإسلامية، مثل الإخوان المسلمين في مصر، معتقدةً أنَّ لها الحق في دعم الحركات التي تتمتع بدعمٍ شعبي حقيقي. وبغض النظر عن غضب جيرانها، يبدو أن قناة (الجزيرة) الإخبارية التي تمولها الدولة تتبنى قضية هذه الجماعات، وغالبًا ما تدافع عن الديمقراطية، والمعارضة، في منطقة يحكمها مستبدون علمانيون، أو ملوك لا يخضعون للمحاسبة. وكانت قطر من بين أكثر الداعمين نشاطًا للمقاتلين الإسلاميين، في عمليات التمرد في سورية وليبيا.

الآن، يقول منتقدو قطر إنهم فشلوا في كبح جماح دعمها لبعض الجماعات الإسلامية المسلحة، بما في ذلك حماس، والتنظيم المرتبط بالقاعدة في سورية. واتُّهم القطريون أيضًا بدعم المتمردين الحوثيين في اليمن، وهو ادعاءٌ مفاجئ، ومخيف، لأن قطر، حتى اليوم السابق، كانت جزءًا من التحالف الذي تقوده السعودية، لمحاربة الحوثيين الذين تدعمهم إيران بشكلٍ واسع.

“إنَّ دول المنطقة يمكن تقسيمها إلى معسكرين: أحدهما يسعى لتقديم مصالحه الخارجية من خلال دعم الإسلاميين، والآخر محور سياسته الخارجية هو معارضة ظهور الإسلاميين”، كما كتب حسن حسن، وهو خبيرٌ في شؤون الشرق الأوسط. من وجهة نظر حسن، قطر تقع في المعسكر الأول، في حين أنَّ السعوديين والإماراتيين في المعسكر الثاني.

عدّت وزارة الخارجية القطرية في بيانٍ لها، هذه التدابير “لا مبرر لها”، مؤكدةً أنَّ قرار قطع العلاقات “استنادًا الى ادعاءاتٍ، ومزاعم لا أساس لها في الواقع” يشكّل انتهاكًا لسيادة البلاد.

المملكة العربية السعودية، وبدرجةٍ أقل منها الإمارات العربية المتحدة تدعمان أيضًا مختلف الجماعات المتمردة، والفصائل الإسلامية في نزاعات الشرق الأوسط. لكن الدولتين وقفتا ضد الإسلام السياسي في أماكن مثل مصر، داعمين الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي الذي جاء إلى السلطة عبر انقلابٍ عام 2014، حيث أطاح بحزب الإخوان المسلمين الحاكم، وأعقبه بحملةٍ شرسة، ودموية ضد الإسلاميين. وقد انضمت الحكومة اليمنية المحاصرة التي تدعمها بالكامل الرياض، والقيادة في شرق ليبيا، المدعومة من الإمارات العربية المتحدة، وجزر المالديف، في المحيط الهندي -التي يبدو أنّ رئيسها عميل سعودي بامتياز- إلى قطع العلاقات مع قطر.

لقد عمدت الإمارات العربية المتحدة، على وجه الخصوص، إلى لجم دور قطر المستمر في دعم الإسلاميين في ليبيا، وأماكن أخرى، ويبدو أنها قادت الاتهامات بدعم العزلة القطرية.

سوق

يتسوق الناس من سوبر ماركت في الدوحة، قطر، بعد أن أغلقت المملكة العربية السعودية حدودها البرية. (أخبار الدوحة عبر أسوشيتد برس)

ولكن هذا لا يفسر لمَ يحدث هذا الآن.

هناك عددٌ من النظريات حول سبب انجراف الأمور إلى هذا الحد. وقد شكّل حادثان منفصلان محتملان، وغير مشروعين العداوةَ المتصاعدة. الأول، نشر بيانٍ على موقع قطري رسمي نُسب فيه إلى أمير البلاد، بأنهم متعاطفون مع إيران، وحزب الله الشيعي المتشدد، وعلى الرغم من رفض القطريين التقرير، وقالوا إنّه فعلة قراصنة، واصلت القنوات السعودية والإماراتية نشره كحقيقة. وفي الوقت نفسه، يبدو أنَّ رسائل البريد الإلكتروني المسربة للمبعوث الإماراتي في واشنطن، تظهر رغبة بلاده الطويلة في مواجهة النفوذ القطري.

يعتقد بعض الخبراء أنّ محمد بن زايد، ولي العهد القوي في إمارة أبو ظبي، قد وجد في وليّ ولي العهد السعودي، الشاب محمد بن سلمان، شريكًا مستمرًا ومتحفزًا، حيث يترأس إصرار المملكة العربية السعودية في السياسة الخارجية في السنوات الأخيرة، ويدعم تحالفًا إقليميًا مناهضًا لإيران.

في تقريرٍ مختصر ورائع، ذكرت صحيفة (فايننشال تايمز): يبدو أنّ المسؤولين القطريين دفعوا نحو مليار دولار كفديةٍ للإفراج عن فريق الصقور القطري الذي اختُطف أثناء الصيد في جنوب العراق. ونقلت الصحيفة البريطانية عن مصدرٍ قوله: إنَّ معظم هذه الأموال ذهبت إلى المسؤولين الإيرانيين، والميليشيات الشيعية التابعة لها، وهذه المدفوعات كانت “القشة التي قصمت ظهر البعير” لنقاد قطر في الخليج.

غير أنّ أحد أهم الدوافع لا بد أن يكون الرئيس ترامب الذي كانت زيارته الودية للرياض، الشهر الماضي، وتبنيه لأجندة السعودية في الشرق الأوسط؛ الأمر الذي شجع المسؤولين هناك.

وقال أندرو بوين، وهو زميلٌ زائر في معهد (إنتربرايز) الأمريكي المحافظ: إنَّ هذه لحظةٌ مهمة بعد زيارة ترامب، لتركيع قطر”. ووفقًا لصحفي إماراتي بارز، فإنَّ المسؤولين في أبو ظبي يريدون الحصول على تنازلاتٍ كبرى من الدوحة، بما في ذلك إغلاق وسائل الإعلام القطرية في الخارج، والتخلي عن سياسة قطر الخارجية المستقلة.

ما هي المخاطر؟

من الصعب تخمين ما الذي سيحدث بعد ذلك. قد تحاول دولتان من دول مجلس التعاون الخليجي تقعان في قلب المعمعة -عُمان والكويت- أن تمارسا تأثيرًا محدودًا، من شأنه أنْ يوصل إلى حلٍ توفيقي، كما يمكن للولايات المتحدة أنْ تفعل ذلك أيضًا، على الرغم من أن إدارة ترامب لم تقدّم أيّ تعليقٍ يذكر حول مأزق يوم الإثنين. ومع ذلك، قد يكون من الضروري، نظرًا لأن قاعدة العيديد المترامية على الأراضي القطرية، هي نقطة انطلاقٍ محورية لعمليات الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب.

وبعيدًا عن الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة، تمتلك قطر احتياطياتٍ مالية كبيرة، وتحتفظ بالدعم السياسي من الحكومة التركية، وهي شريكٌ رئيس في الطاقة لبلدانٍ مثل روسيا، والصين. قد يدرك السعوديون والإماراتيون أنَّ عزل قطر ليس بالأمر السهل.

وقال ثيودور كاراسيك، المحلل البارز في مركز تحليل شؤون الخليج، ومقره واشنطن، لصحيفة (بزفيد نيوز) BuzzFeed News: “إنهم يعتقدون أنّهم يستطيعون خنق قطر، وجعلها تستسلم، إنّ هذا يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية؛ المشكلة الأولى هي أنّ قطر ستُجبر على البحث عن شراكاتٍ أمنية جديدة مع تركيا. كما يمكن للدوحة أنْ تتوجه إلى إيران”.

وقال بوين في افتتاحية لصحيفة (واشنطن بوست): “إنني أشعر بالقلق لأنهم يخطئون في الحكم على مواقف بعضهم البعض؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى أن يستغرق هذا الصراع وقتًا أطول قبل أن ينتهي”. وتثير المشاحنة تعقيدات الانقسامات في الشرق الأوسط التي غالبا ما يحاول المعلقون في الولايات المتحدة تقليصَها إلى خلافٍ ثنائي بسيط، بين كتلة عربية سنية تقودها السعودية وإيران الشيعية.

وقال حسن: “إنَّ التوتر بين قطر وجيرانها يُظهر أنّ الحدود الجيوسياسية القديمة لم تعدْ قادرةً على تفسير وفهم الشرق الأوسط”.

يبقى أنْ نرى كيف أنَّ ترامب الذي ابتهج من استقباله الفخم، في الرياض، سيقدّر هذا التحدي. وبعد كل ذلك، أصرَّ البيت الابيض على أن الرئيس “وحّد العالم الاسلامي برمته بطريقةٍ لم تكن موجودة من سنواتٍ عديدة”، كما قال أحد مساعدي ترامب في الشهر الماضي.          تُظهر أحداث هذا الأسبوع كم كان هذا التأكيدُ كاذبًا ومضحكًا.

اسم المقالة الأصليThe Persian Gulf crisis over Qatar, explained
الكاتبإسهان ثأرور، Ishan Tharoor
مكان وتاريخ النشرواشنطن بوست، The Washington Post، 6/6
رابط المقالةhttps://www.washingtonpost.com/news/worldviews/wp/2017/06/06/the-persian-gulf-crisis-over-qatar-explained/?utm_term=.e4c542d2296c
ترجمة

أحمد عيشة

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق