أدب وفنون

متيّم الضايع المهندس الذي دفعه ميغيل رويز إلى الترجمة

متيّم الضايع، مواليد تدمر 1972، حاصل على شهادة بكالوريوس في الهندسة الكهربائية، تورط في قراءة كتاب ميغيل رويز (إتقان الحب)؛ فأحبَّ الترجمة.

قدّم للمكتبة العربية أكثر من عشرين كتابًا مترجمًا. كاد أن يذهب في طريق الاختصاص بـ أوشو، إلا أنه أدرك بعد أن ترجم (الحب والحرية والفردانية، الثورة- لعبة العقائد، كتاب الحكمة، الإنسان الجديد، لغة الوجود، طريق الحب، سر الأسرار، المستقبل الذهبي) أنّ كتب أوشو ليست أكثر من مدخل إلى عالم الترجمة الواسع، فوضع يده العلنية على قلبه السري، وقبض على رغباته، بترجمة كتب الفن والأدب وعلم النفس، ولم يتوقف بحثه عن الكتب التي تقول له مضامينها: هيت لك.

 التقيته على هامش المأساة السورية، في منعزله الطوعي، وكان بيننا هذا الحوار:

  • ما الذي دفعك للعمل بالترجمة؟

اعتقد أنها محض صدفة. وقع بين يديّ كتاب باللغة الإنكليزية يحمل عنوان (إتقان الحبّ) للكاتب المكسيكي الأمريكي دون مغيل رويز، إنه كتاب بسيط مُختصر يروي بسلاسة أفكار الكاتب عن الحبّ بكافة أشكاله، ولاحظت أنه مناسب جدًا لجيل الشباب الذي بالغ بانجرافه نحو الحياة المادية الاستهلاكية والتكنولوجية، وأصبح يعافُ حتى التفكير بملاحظة صغيرة، قد يُبديها الجيل السابق، سواء أكانت مفيدة أم لا! اعتقدت أن كتابًا بسيطًا مُترجمًا من شخص قريب؛ ربما يحثّ بطريقة ما على نوع من التغيير، مهما كان بسيطًا. كنت أراهن على النجاح مع الدائرة القريبة على أقل تقدير، لكن الكتاب صدر (مع الأسف الشديد) قبل شهر واحد من الأزمة السورية، دون أن يصل إلى السوق، وأهديت مئتي نسخة منه إلى قرّاء شباب، شغلهم لاحقًا إتقان أي شيء آخر، عدا إتقان الحبّ، وكانت الفائدة الوحيدة أن الترجمة سيطرت عليّ تمامًا؛ فبدأت العمل على كتاب (الحب والحرية والفردانية) للكاتب الهندي أوشو، واحتاج الأمر أكثر من عام كي أنجح في نشره لدى (دار الحوار) التي تابعتُ معها رحلتي في ترجمة الكتب التي بلغ عددها ثمانية عشر كتابًا حتى الآن.

  • بين مفهومي الأمانة والخيانة يقف المترجم. إلى أي حد يمكن الحفاظ على النص المترجم؟

يتعلّق الأمر -بشكل عام- بطبيعة النصّ المترجم، وهناك من يسأل دومًا إن كنتُ أترجم بشكل حرفي أو بتصرّف، هل أحافظ على أفكار النص كلّها أم أتلاعب بها، هل أدخل منطقي ومشاعري وآرائي في العمل المترجم أم لا؟ وأعتقد أن معظم القراء يُطلقون صفة النقل الأمين على النص المترجم حرفيًا؛ مع أن هذا النقل يجعله نصًا ركيكًا يفتقد الجمالية الأدبية -غالبًا- ويفتقد المعنى أحيانًا. من وجهة نظري، ليس هناك خيانة للنصّ المترجم، إلا إذا كان عن سبق إصرار وتصميم، أو صادف أن أخطأ المترجم في فهمه. لاحظ مثلًا، إن كنت تتابع محاضرة ثقافية ما، وأردت أن تخبرني عنها، قد تنقل الأفكار إليّ وكأنني كنت أتابع المحاضرة معك، من دون أن تكرر أيًا من عبارات المُحاضر. هذا ما أعتمده أثناء ترجمتي لأي نص؛ أنا أحاول أن أفهم فكرة الكاتب، وما يريد إيصاله للقارئ، ثم أعيد صياغته بما يتناسب مع لغتنا ومفاهيمنا، وإن نجحت بذلك أعتبر نفسي أمينًا في نقل النص. لكن الأمر ليس بهذه البساطة دومًا. قد تصادف نصًا يحتوي وصفًا لتأثير مقطوعة موسيقية على شخصية روائية، أو وصفًا لمشهد طبيعي يراه الرسام في الرواية، ويريد الكاتب أن يرينا الانطباع الذي تركه لديه هذا المشهد. قد تحتاج لأن تطلق العنان لخيالك ليسبح مع خيال الكاتب، تحتاج أن تستبدل أذنيك بأذني المستمع للموسيقى، أو عينيك بعيني الرسام. حدث ذلك أثناء ترجمتي لرواية بعنوان (وجوه خبيئة) لـ سلفادور دالي، وأدهشتني بعض المقاطع التي كتبها سلفادور دالي، بريشته وليس بقلمه.

  • كيف تختار الكتب التي تترجمها؟ بحسب حاجة السوق، أم بحسب موضوع الكتاب؟

تصعب عليّ الإجابة على هذا السؤال، خلافًا لما يبدو عليه، أو لأكون صريحًا، هو سؤال يُشعرني بالأسف على الحال التي وصلنا إليها. ليس هناك أي جدوى من طرح كتاب في السوق -مهما كان مهمًا من وجهة نظري- إذا لم نستطع تسويقه وإطلاع القراء على أهميته. لا جدوى من ترجمة كتاب ونشره إن لم يكن سيغطي كلفة الترجمة والطباعة على أقل تقدير، فضلًا عن تكلفة الحصول على حقوق الترجمة والنشر من الدار الأصلية. لا جدوى من المبالغة في رفض حاجة السوق وإنكارها، ولا جدوى من الخضوع لها وإحالة الأمر إلى نوع من الكسب المادي الصرف. غالبًا ما يحدث نوع من التوافق بين رغباتي وحاجة السوق؛ مما يجعل العمل هنا مُتعة حقيقية، وهو ما حدث أثناء ترجمتي لكتاب (جنون الفلاسفة) و(الكتاب الأحمر)، و(وجوه خبيئة). ويحدث أحيانًا أن أتنازل قليلًا لرغبة السوق، كما حدث أثناء ترجمتي تسعة مؤلّفات لـ أوشو حيث أعتقد أن نصفها كان كافيًا. ويُتاح لي الآن أن أختار عنوانًا من عدّة عناوين، بعد الاطلاع على المضمون، وأرفض العمل إن كان خارج نطاق معرفتي العامة ولم يلامس شيئًا في داخلي.

  • ما هي الأعمال التي ترغب في ترجمتها؟

يمكن اختصار رغبتي الشخصية بكلمة واحدة باللغة الإنكليزية “interesting”، وتعني أي شيء يثير الاهتمام ويحرّض التفكير ويطرح أسئلة. إننا نعيش في مجتمع أصبحنا متآلفين مع أفكاره وعاداته وتقاليده وطرق حياته، أصبحنا نقرأ “الرسالة من عنوانها”، ونعيش الحياة وكأننا في بركة ماء راكدة، وهذا ينطبق على المثقفين وعلى العامة أيضًا. تكمن أهمية الترجمة -بالنسبة إلي- في نقل ثقافة جديدة وأفكار وعادات وتقاليد جديدة، قد تؤدي إلى “إلقاء حصاة صغيرة في بركة المياه الراكدة لتُحدث أي حركة فيها”، وإن كنا سنترجم ما هو مألوف لدينا، فالأفضل أن نقرأه لدى كتّابنا ومثقفينا بلغتنا وبأسلوب حياتنا من دون عناء الترجمة.

 تستفزني الأفكار الجديدة، وأرغب بترجمة أعمال تشبه زوربا في تمثيله التجربة أمام التنظير، تشبه (الخيميائي) في محاولة اكتشاف الذات، تشبه “التاوية” كفكر وفلسفة ودين، تشبه أعمال مدرسة كارل غوستاف يونغ أمام مدرسة سيغموند فرويد، تشبه كتاب (جنون الفلاسفة) الذي ترجمته واستمتعت به، لما يطرحه من أسئلة أمام القارئ، أرغب أن أترجم ما يجعلنا نقرأ بطريقة المستكشف لا بطريقة المتلقّي.

  • كيف تقيّم حركة الترجمة في سوريا؟

عندما نتحدث عن سورية لا بدّ من تقسيم الموضوع إلى “ما قبل الكارثة” و”في خضمّها” وإلى ما نأمل به “بعد زوالها”. كانت سورية ناشطة جدًا في مجال الترجمة، وحققت إنجازات كبيرة على يد مترجمين من أمثال جورج طرابيشي، نهاد خياطة، ثائر ديب، مجاهد عبد المنعم مجاهد، محمود منقذ الهاشمي، محمد حبيب، صالح علماني الفلسطيني السوري، مع حفظ الألقاب. وأعتقد أنها لا تزال نشيطة حاليًا، على الرغم مما يصادفه المترجمون فيها من صعوبات، تتعلّق بضعف الموارد اللازمة “الحالة المادية، شبكة الإنترنت، الطاقة الكهربائية”، وضعف احتمالات تسويق أعمالهم -داخليًا- بسبب الحالة المادية، وضعفها في المعارض الخارجية، بسبب الوضع الإقليمي. وعلى الرغم من ذلك، ألاحظ نشاطًا جيدًا في هذا المجال، وبخاصة لدى جيل يافع لا يرغب بالاستسلام لقدره، ويحاول أن يجد لنفسه موطئ قدم في ظروف تصعب مواجهتها. أعتقد أننا سنشهد جيلًا جديدًا من المترجمين المبدعين.

  • هل هناك معايير موضوعية لتقييم عمل المترجم؟

من الصعب جدًا وضع معايير علمية ثابتة لتقويم عمل المترجم، لأن تقويمًا من هذا النوع يتطلّب من القائمين عليه أن يعيدوا تدقيق الكتاب كاملًا، وهو عمل أكثر صعوبة من الترجمة ذاتها. لكن المعيار الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه هو اتفاق القرّاء على ترابط الأفكار، وسهولة القراءة وسلاستها، وعدم وجود فقرات أو جمل “حمّالة أوجه”. لكن غالبًا ما يضيع القارئ بين المؤلّف والمترجم، أعني أنه قد يُعجب بالعمل لأن الأفكار الرئيسة قد عزفت على أوتار نفسه؛ فيرفع من قيمة الترجمة وينسى المؤلّف، أو يُنزل من قيمة العمل متهمًا المؤلّف ناسيًا المترجم. ومن خلال تجربتي أعتقد أن الترجمة الناجحة أشبه بالأغنية الناجحة التي تحتاج الشاعر والصوت الجميل، كي تدخل قلوب المستمعين. وقد لاحظت في أعمالٍ تُرجِمت مرّتين -وهي قليلة جدًا على أي حال- أن القراء اتفقوا على أن ترجمةً ما أفضل من الأخرى، أو قارئًا يصف رواية مترجمة بأنها شعر وكأنها كُتِبَت باللغة العربية ولم تُترجم. ولهذا أرى أنه إن كان لا بدّ من وجود معيار لتقويم عملِ المترجم، فالقرّاء هم المعيار الأساس.

  • لا أعتقد أن هناك مشكلة في ترجمة المفردات، أعتقد أن المشكلة في روح النص وبيئته، كيف يحلّ المترجم تلك المعضلة؟

أخالفك الرأي هنا، وأشدد على أن هناك مشكلة كبيرة بترجمة المفردات، وهذا يعود إلى عدم تطوير اللغة العربية وتشذيبها، لتتماشى مع متطلّبات الحياة الجديدة، إضافة إلى المشكلة الأساسية المرتبطة بروح النص وبيئته. عندما نترجم نصًا عن ثقافة أخرى، قد تظهر مفاهيم كثيرة غير موجودة لدينا، أو لا يمكن صوغها بكلمة واحدة. وسأذكر بعض الأمثلة على ذلك، يوجد في اللغة الإنكليزية كلمتان تدلّان على “الوحدة أو العزلة”، وهما: “loneliness” و” aloneness”، والفرق بينهما أن الكلمة الأولى تعني أشعر بالوحدة، أنا معزول ومهجور ولا أحد يتواصل معي، بينما تشير الكلمة الثانية الشعور بالوحدة –أيضًا- لكن برغبة كاملة مني، أنا عزلت نفسي في غرفتي أو في الغابة، كي أمارس التأمل وحدي، أنا مكتفٍ بنفسي ولا أشعر بالحاجة إلى وجود الناس حولي. لم أجد في اللغة العربية كلمة مناسبة، واستخدمت كلمتي “الوحدة، والوحدانية” بعد أن أضفت هامشًا لتوضيح الفرق. والمثال الآخر هو كلمة “روح”، يوجد في اللغة الإنكليزية كلمتا “soul” و”spirit” والقواميس كلها تشير إلى معنى الروح، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الكلمتين، الكلمة الأولى تشير إلى الطاقة الحيّة لدى الكائن الحي، وهي موجودة لدى الإنسان والحيوان على حد سواء، أما الكلمة الثانية “spirit” فتعني الروح من حيث المعنى الروحاني، أستطيع أن أصف الإنسان بأنه روحاني، يتصرّف بطريقة روحانية، لكن هذا لا ينطبق على الحيوان، وبعد العديد من الاستشارات، تم اقتراح ترجمة الكلمة الأولى بمعنى “النفس أو الذات” والثانية “روح” وكان هذا مناسبًا جدًا لولا وجود كلمة أخرى في النص نفسه هي “self” والتي تعني “النفس أو الذات” أيضًا. ويوجد في اللغة الإنكليزية ثلاثة أفعال تدل على التفكير “think”، “contemplate”، meditate”، وتعني الأولى التفكير بقضية محددة، قضية علمية حسابية مثلًا، أما الكلمة الثانية فهي تعني التفكير بقضية كاملة وليس بنقطة محددة منها، كالتفكير بوجود الله أو صحّة دين من الأديان، أما الكلمة الثالثة فتعني التأمل أو حالة التوقف عن التفكير، هناك أمثلة كثيرة عن إشكالات معاني الكلمات، وخاصة بعد دخول المصطلحات المتعلّقة بالتكنولوجيا، كيف نترجم أن أحدهم نشر “بوست” في صفحته على (فيسبوك)؟ كيف نترجم أن “الهاكرز” سيطروا على موقع ما؟ هناك إشكالات كبيرة؛ سببها أن معظم اللغات تتطوّر بحسب مقتضيات الحاجات اليومية، بينما تبقى اللغة العربية على حالها، ويبقى على المترجم أن يضع أقواسًا وهوامش وتوضيحات لإيصال المعنى الحقيقي.

  • ما الذي تحب أن تقوله في نهاية هذا اللقاء؟

كل ما أرجوه هو ألا يخبو بصيص الضوء الذي أراه في نهاية هذا النفق، وهذا لا يرتبط فقط بالوضع المأسوي السياسي الذي تشهده بلادنا اليوم، بل يرتبط بالبنية الثقافية التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه، كم يؤسفني أن أرى القراءة في الدرك الأسفل من سلم أولوياتنا، وكم تزعجني قلة اطلاعنا على الحضارات الأخرى، وعدم استفادتنا من نجاحاتها وخيباتها، هنا تكمن أهمية الترجمة، وهذا هو دورها، ولا زلت أرى بصيص الضوء في نهاية النفق.

مقالات ذات صلة

إغلاق