مقالات الرأي

رمضان إسطنبول هذا العام

أعيش، هذا العام، في زيارتي الإسطنبولية، منذ أسابيع، في بيت مُكوّن من ثلاثة فضاءات، تشبه المكعبات، معزولة عن بعضها بأنواع من الفواصل، أو المستويات؛ من الصعب تسميتها غرفًا، يقطنه ستة شبان سوريين، عدا عن الضيوف الطارئين مثلي مثلًا. أحد القاطنين الدائمين يعمل كل يوم “من الفجر إلى النجر”، يعني بحدود 12 ساعة في اليوم، ويتقاضى لقاء عمله أكثر بقليل من الحد الأدنى للعامل التركي، أي ما يقارب 1500 ليرة تركية، ما يعادل نحو 429 دولارًا أميركيًا. هذا الدخل يجعله مميزًا من الآخرين الذين يحاولون، منذ سنوات، العثورَ على عمل يحقق لهم دخلًا مشابهًا. شابان آخران من سكان البيت يشغلان أربعة أمتار مربعة تقريبًا، يعيشان منذ أشهر بدخل يعادل 120 دولارًا، لكل منهما شهريًا (الدولار: 3.5 ليرة)، يأتي هذا الدخل من أهل أو أصدقاء، يتسوقون مرة واحدة في الأسبوع، من بازار الحي، مما يساعدهم على اختراع وجباتهم اليومية. في الغرفة التي أنام فيها، وهي أكبر غرف البيت، صديقان شابان دون عمل، يحاولان العيش بـ 400 دولار شهريًا، تصلهم من أهلهم، يحتالان على حاجاتهم اليومية، كي لا ينفقان أكثر، يتقنان كل أشكال التوفير، ومع ذلك رفضا أن أساهم في حصتهما من أجرة البيت، فأنا “ضيف” عزيز، وخاصة في رمضان. كل الشباب في هذا البيت يحملون شهادات جامعية.

في بيت آخر مُكوّن من غرفة وصالون، ضمن عمارة حديثة البناء نسبيًا، يعيش سبعة سوريين؛ شباب وكهول، يعمل اثنان منهم بأقل من الحد الأدنى، وأحيانًا ثلاثة، يتضامون لدفع أجرة البيت 1400 ليرة تركية، ولتناول وجبات الطعام المحضّرة في البيت، يُعيدون إنتاج نمط حياة الأسر السورية الفقيرة منذ خمسين عامًا، الحياة التي لا أزال أذكرها منذ كنت طفلًا، ومع ذلك يتبارون لإظهار كرمهم أمام الضيوف، وهم يعتذرون، ويحلمون، بصوت عال، بالعودة إلى سورية مُحررة، بالحد الأدنى، من بيت الأسد، فسقف أحلامهم قد انخفض، ويكفيهم زوال آل الأسد من سورية.

سكان البيتين يهمهم معرفة خريطة توزع الإفطارات الرمضانية المجانية في إسطنبول، وخاصة في المناطق القريبة منهم، ولا يخفون إحساسهم بالراحة إذا عثروا على وجبة مجانية من وجبات البلديات أو الجوامع أو الجمعيات التي تقدمها للإفطارات الرمضانية الجماعية. وغالبًا ما تسمع لهجات سورية في هذه الإفطارات، على الرغم من تباعد أماكنها عن بعض. إن وجود ما يقارب مليون سوري في إسطنبول، يجعل حضورهم جزءًا من نسيج المدينة العملاقة، وخاصة في الأحياء التي شغلوا قسمًا مهمًا من نشاطها التجاري والاجتماعي كحي “الفاتح” الذي يضم عدة أحياء فرعية مثل أكسراي، ويوسف باشا، وكوجا مصطفى باشا، حيث يسكن ويعمل عشرات الآلاف من السوريين.

موائد رمضان ليست لإظهار كرم الأتراك فحسب، وإنما هي أيضًا مناسبات اجتماعية عند بعضهم، للخروج من البيت وتناول الإفطار في الحدائق العامة، مع عائلاتهم وأصدقائهم، وخاصة قرب المقامات الدينية المشهورة كجامع الصحابي أبي أيوب الأنصاري، لنيل البركة، حيث تجد الآلاف يفترشون الأرض والحدائق المحيطة بالجامع، يتناولون إفطارهم الرمضاني، وهم يتابعون الأنشطة المرافقة من أناشيد دينية وخطابات وتمثيليات ومولويات، وهناك بعض الأحياء، كـ “أفجلار” مثلًا، لا يصوم رمضان قسم كبير من سكانه، لكنهم يحتفلون مساء كل يوم في موعد الإفطار، وقد تحول رمضان عندهم إلى مناسبة للفرح والاحتفالات والأكل أيضًا، وليس للعبادة فقط.

إلى جانب إحساس المتابع الخارجي للأنشطة الرمضانية بعمق التديّن في المجتمع التركي، يُلاحظ بالعين المجردة ازدياد عدد الشحاذين في الشوارع، مقارنة بالسنوات الماضية، وهم ليسوا سوريين -كما كنت أعتقد- وإنما من الأتراك، ومن مختلف الشرائح العمرية، من الأطفال إلى الشيوخ. وقد لا تكون ملاحظتي هذه دقيقة، لأنني في السنوات الماضية، كنت أتواجد في مواقع الإفطارات الجماعية، حيث لا مبرر لوجود شحاذ أو رؤيته، بينما تناولت هذا العام معظم الإفطارات في المطاعم، وغالبًا على الأرصفة التي تحتلها طاولات هذه المطاعم، مما يساعد الشحاذين على المرور وطلب الصدقات، دون الاشتباك مع عمال المطاعم وأصحابها.

إن رمضان وإفطاراته الجماعية المجانية وموائد الإحسان، مناسبة كي يوفّر السوريون الفقراء -وهم كثر- بعضَ النفقات على الأكل، دون الإحساس “بالمنيّة” لأحد إلا لرمضان ورب رمضان. وهذا لا يعني أن أسلوب موائد الرحمن أو الإفطارات الرمضانية الجماعية هو حلّ لمشكلة الفقر في المجتمع التركي أو غيره من المجتمعات الإسلامية، ولكنه حل مساعد لقوانين الضمانات والمساعدات الاجتماعية التي على الدولة توفيرها لكل رعاياها. ففي مونتريال مثلًا، حيث أقيم، هناك جمعيات أهلية وكنائس تساعد الفقراء في أيام البرد الشديد وفي المناسبات، وخاصة المسنين، على الرغم من وجود قانون المساعدات الاجتماعية الذي هو حق لكل عاطل عن العمل.

الخلاصة، رمضان إسطنبول هذا العام كان مختلفًا -بالنسبة إلي- عن السنوات الماضية، ربما لأنني رأيت أكثر، أو ربما لأنني رأيت أقل.

وكل عام وأنتم بخير…

مقالات ذات صلة

إغلاق