سورية الآن

آن الأوان لتخفيض الانفلاش الميليشيوي في المنطقة

هل يمكن التقاط مبدأ عام، يفتح على تفاؤل ما وسط كل المناخات التشاؤمية، وتقصّي طبيعة الوقائع الحاصلة والمسارات الجارية من حولنا انطلاقاً منه؟ إلى حد كبير هذا ممكن. هناك قناعة، بأنّه آن الأوان للسيطرة على منسوب الفوضى المتصاعدة في هذه المنطقة من العالم. بأنّ هذه الفوضى التي كانت تستثمر فيها القوى العظمى لعقود طويلة في منطقتنا «طافت» على العالم أجمع، ولم يعد بالمقدور حصرها في بلادنا من دون السيطرة عليها، وبالتالي تخفيضها تدريجياً الى المستوى الذي يمكن التحكّم به.
هذه القناعة ازدادت، وازدادت وضوحاً في السنوات الأخيرة بأنّ هناك حالة انفلاش ميليشيوية غير مسبوقة في المنطقة الممتدة من العراق الى ليبيا، ومن لبنان وسوريا الى اليمن. وأن حالة الانفلاش الميليشيوي تتخذ في كل واحدة من هذه البلدان سياقاً مختلفاً. ليست كل ميليشيات المنطقة مدرجة على اللوائح الأميركية والأوروبية للمنظمات الارهابية. الشبكات الارهابية العابرة للبلدان هي الامتداد لميليشيات تسيطر على مساحات شاسعة من بلدان المنطقة. بعض هذه الميلشيات هو شبكة ارهابية عابرة للبلدان في الوقت نفسه: «داعش». بعضها يزاول الارهاب. بعضها يزاول الارهاب ويدّعي مكافحة الارهاب. بعضها يعمل على خلق مجال حيوي محلي له أو توسيع هذا المجال. بعضها يستظل بمفهوم حركة التحرر الوطني (حزب العمال الكردستاني، حزب الله) وبعضها يعتبر نفسه مسانداً للجيش النظامي (الدفاع الشعبي في سوريا، الحشد الشعبي في العراق) وبعضها حول جزءاً من الجيش «القديم» الى مساند له (تحالف قوات علي عبد الله صالح مع الحوثيين). بعضها يسوغ وجوده بأنه قام لمناهضة «تمليش» النظام أو استعانة النظام بميليشيات أخرى (فوضى الفصائل المسلحة في سوريا). باختصار، ليست كل هذه التشكيلات مثل بعض. ليست كلها مثل «داعش». ليست كلها غير قابلة للتحويل الى شيء آخر. ليست كلها بلا قضايا محقة. ليست كلها بلا أناس يناضلون أيضاً من أجل تحقيق توازن معين، اثني أو مذهبي أو اجتماعي في بلدهم. لكن، في الوقت نفسه، المشهد الاجمالي العام، كابوسي. والأخطر، هو ينذر بالمزيد من «مليشة» الشرق العربي، المزيد من تآكل تجربة الدولة في هذه البلدان، المزيد من تصدّع المجتمعات بل الكيانات الوطنية، وانمحاء الحدود الوطنية، ليس طبعاً باتجاه حرية الانتقال والتجارة والوحدة الجمركية المنشودة، بل بما يحول المشهد الاقليمي الى قاتم، تهجير وتهجير مضاد، ومجموعات مسلحة تسرح وتمرح من جانب الى آخر من الحدود، وشبكات تهريب السلاح والمخدرات لا تتوقف عند الحدود المذهبية والاثنية لتقسيمات الاحتراب الأهلي.
هناك مشكلة اقليمية عامة اذاً. وهناك مبدأ عام ازاءها: أنه آن الأوان للسيطرة على هذا المسار الخطير، ووقف حركة الانفلاش الميليشيوي في الشرق الأوسط، وفي المقام الأول التوقف عن تزيين هذه الحركة، لا بأنها مخاض حيوي تحرري، ولا بأنها البديل الحضاري عن الاستعمار، أو عن العسكريتاريا، أو عن الاستبداد، أو عن الرجعية. جزء كبير من هذه الميليشيات يمكن أن يجري العمل على اعادة تشكيله في الجيوش الوطنية لبلدان المنطقة من ضمن اطار تسووي عام يؤول الى إقفال حروبها الاهلية. وجزء صار جزءاً من الارهاب الدولي لا يمكن الا ضرب نخاعه الشوكي وانهاء مناطق سيطرته المباشرة قبل أي حديث آخر. لكن بالمحصلة هناك مبدأ لا مناص من تكريسه، ولا وجاهة لقراءة يوميات المنطقة، وتوتراتها وخلافاتها، الا به: آن الأوان لتخفيض حالة الانفلاش الميليشيوي في الشرق الأوسط. ونعم، بلدان الشمال العالمي (الغرب وروسيا) التي لعبت منذ عقود، بل منذ قرون، أدواراً متسببة الى حد كبير بما وصلت منطقتنا اليه، لديها اليوم مصلحة هي أيضاً في وضع حد لحالة الانفلاش الميليشيوي في الشرق الأوسط كمبدأ عام ينظر من خلاله الى مختلف القضايا والمسائل. طبعاً، من الطبيعي أن تتطور أجندات مختلفة لاحقاً تحت هذا المبدأ العام، وأن يعمل كل طرف لتقريبه من مصالحه ورؤاه، لكن المبدأ بحد ذاته بات بمثابة «الحد الحديدي» للسيطرة على الفوضى الأمنية في عالم اليوم.
الأمل بمعالجة كل الأزمات والتوترات في الاقليم، انما على قاعدة وضوح في المبدأ العام: الاسهام بتخفيض حالة الانفلاش الميليشيوي في البلدان العربية، وتجاوز مرحلة الاستثمار في هذا الانفلاش، بما في ذلك من ضمن منطق «الانفلاش في مواجهة الانفلاش». بالتوازي، لا مناص من البحث عن كيفية المواءمة بين هذا المبدأ العام – تخفيض حالة الانفلاش الميليشيوي في الاقليم، وبين السياق الخاص بكل بلد، ولا بد في الوقت نفسه من عدم اصطناع تضاد بين حاجة الناس في منطقتنا الى التحرر من الانفلاش الميليشيوي، وبين حاجة شعوب المنطقة الى التحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في دول وطنية ذات سيادة، مبنية على عقود اجتماعية متينة، وفي ما يتعلق بالفلسطينيين بالأساس، للتحرر الوطني.
(*) كاتب لبناني

مقالات ذات صلة

إغلاق